أليست الجمهورية الإيرانية -إسلامية-؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 5 / 5

ليس بمعنى أن دين غالبية سكانها الإسلام كسائر بلاد المسلمين، بل أن هذه الدولة تحتكم في أمور دنياها إلى دين الإسلام، بما أنزله الله في كتابه العزيز؟
- لا شك أن إيران دولة من طبيعة خاصة، موزاييك معقد من ترسبات تاريخية وجيوسياسية وديموغرافية بالغة القدم جعلتها تقف على مسافة ملحوظة من كل بلاد المسلمين. هذا لا يعنينا الآن وكلامنا منصب على النسيج السياسي الإيراني المعقد مثل خيوط سجادة عجمية (إيرانية) يخطف جمالها وفن صنعتها أبصار الناظرين في دهشة وإعجاب، رغم ما تخفيه من تفاصيل وتعقيدات تتوه وتدوخ حتى أحذق العقول وأطولها بالاً وسعةً. لكن لا تخاف، دعنا نحاول.

إذا تأملنا النظام السياسي الحاكم في إيران اليوم، سنجده في الأسس مماثل لكل النظم المعمول بها في سائر بلدان العالم الديمقراطية وغير الديمقراطية على حد سواء، رغم ميله الظاهر نحو النظم المتبعة في الدول الديمقراطية، حيث تجري الانتخابات النزيهة والمنتظمة ويتداول الموظفون العموم على مناصب الحكم وتسيير شؤون الدولة سلمياً عبر صناديق الاقتراع. هكذا يجري انتخاب الرئيس الإيراني، بجانب مناصب عامة كثيرة مسؤولة عن إدارة أجهزة الدولة وتصريف شؤون مواطنيها في الداخل والخارج. كلنا نتابع ونراقب ذلك، ولو من بعيد عبر شاشات التلفزيون. لكن إذا دققنا النظر أكثر، سنجد شيئاً- ربما إضافة جمالية تنفرد بها الدولة الإيرانية وحدها من بين كل دول العالم- ليس له مثيل في أي من النظم السياسية، الديمقراطية وغير الديمقراطية، في كل الدنيا- "المرشد الأعلى". بالطبع سوف تندهش حين تعرف أن هذا المسمى الوظيفي الفريد من نوعه يشغل منصباً رفيعاً في الجسد السياسي للدولة الإيرانية ويمارس صلاحيات ضخمة. وقد تبلغ الدهشة مداها وتتحول إلى وجوم وحيرة وتعجب حين تعرف أنه، مع ذلك، منصب مُعين وغير مُنتخب.

* لكن وما العيب أو وجه الدهشة والعجب في أن يكون هناك منصب غير منتخب في الديمقراطية الإيرانية؟ جميعنا نعرف أن القضاة لا يأتون عبر انتخابات شعبية في الديمقراطيات، رغم أن صلاحياتهم في نظام الحكم لا تقل وزناً عن نظرائهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

كلامك صحيح تماماً. لكن في الديمقراطيات، القضاة لا يتولون مناصب تشريعية أو تنفيذية، بمعنى أنهم سلطة مستقلة ومحايدة تماماً عن الاثنتين. أما في إيران، المرشد الأعلى يشغل بالتزامن وفي وقت واحد أعلى منصبين على الإطلاق في هرمي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، حيث هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه من "يرسم السياسات العامة للنظام بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام"، وفقاً للمادة 110 من الدستور الإيراني.

بالمقاييس الديمقراطية، هذا وضع متناقض ومحير بشدة. لكن انتظر، إليك التناقض والمفاجأة الأعظم: هذا رجل دين، ومع ذلك يعتلي قمة الهرم السياسي كله إلى حد الانفراد وتفريغ بقية المعمار الديمقراطي تحته من أي قيمة حقيقية، وبالتالي يتحول إلى مجرد حاكم مستبد آخر من نفس الطينة والعجينة مثل هؤلاء الذين يعج بهم الإقليم المحيط، لكن مع فارق وحيد: عمامة ضخمة تزين رأسه.

* ممتاز! ومن قال لك أننا نريد الديمقراطية الغربية أصلاً. نحن دولة إسلامية ونريد تطبيق شرع الله. إذا كان، كما تقول، رجل دين مسلم نجح في أن يتربع فوق قمة الهرم السياسي في بلده، هل هذا يعني أن مثل هذا النظام "يحكم بما أنزل الله"، أو نجح بطريقة ما في أن يبتكر لنا "ديمقراطية إسلامية" مطابقة لأحكام الشريعة حتى لو كانت مخالفة لمقاييس الديمقراطية الغربية؟

- حسناً! تذكر أنني نبهتك إلى أننا نتأمل في سجادة أعجمية بالغة التعقيد والتفرد. أعرف ما يدور بخلدك الآن. لكنه بعيد عن الصواب. المرشد الأعلى الإيراني ليس من مقام الأنبياء والرسل، المتصلين بالله صلةً غير مباشرة عبر الوحي أو خلافه، لكي يكون في موقع يسمح له بالرجوع إلى ربه ومشاورته فيما يستعصي عليه، تماماً كما كان يفعل الأنبياء والرسل من قبل وكما نعرف عن نبينا محمد رضي الله عنه. المدهش لا يزال، أنه يتولى منصبه هذا عبر التعيين بمعرفة "مجلس خبراء القيادة"، الذي يُنتخب بدوره لهذه الغاية من قبل عامة الشعب، ولا يصطفيه الله عبر المشيئة الإلهية الخالصة كما يفعل مع سائر أنبيائه ورسله. ومن ثم، في النهاية، يمكن وصف المرشد الأعلى الإيراني كممثل لإرادة جمهور الناس الذين انتخبوا مجلس الخبراء الذي عينه في- والمؤهل لعزله من- هذا الموقع الشاهق على سدة الهرم السياسي، لا ممثلاً لله الذي لم يكن له أي مشيئة أو تدخل في اختياره لهذا المنصب الذي لا يمكنك أن تعرف إذا كان دينياً أم سياسياً أم ماذا.

واعلم أنك لا تزال عالق في متاهة بلا نهاية في الأفق إذا ما استعجلت الخروج بإجابة مباشرة ومستقيمة على تساؤلاتك المشروعة. فهناك أيضاً، داخل الفسيفساء السياسية الإيرانية، بجانب المرشد الأعلى ومجلس الخبراء الذي يعينه، مجلس تشخيص مصلحة النظام، الرئيس الإيراني، الجيش والحرس الثوري الإيرانيين، البرلمان، الدستور، مجلس صيانة الدستور، من جملة هيئات ومؤسسات دستورية متشعبة ومتداخلة فيما بينها كخيوط الحرير. وهي ليست مجرد حلى للزينة في نسيج السجادة السياسية العتيقة، بل تتمتع بصلاحيات واسعة وتؤدي أدواراً حيوية في شد الخيوط معاً وربطها في عُقدٍ مُحكمة لكي يخرج المنتج النهائي في خامة وملمس لا مثيل لهما في العالم. وفي النهاية، إذا كُتبت لك السلامة واهتديت بأعجوبة إلى المخرج الصحيح، بعدما نال منك الغضب والإرهاق، قد تستجمع ما تبقى فيك من أنفاس وتصرخ: "ولماذا كل هذا التيه والتمويه وتعب القلب، طالما هو نفس القَرَف الذي نحن موحلون فيه؟!!" تستاهل! حد قالك تشغل دماغك ببلاد العُجْم وتحاول تقلدهم!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World