البصرة وجامعتها المعطاء ... تحية حب وتقدير

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2023 / 4 / 27

الحمد والشكر لله الواحد الأحد الذي أمد في عمري ,ليكتب لي زيارة مدينة البصرة الفيحاء وجامعتها المعطاء , وأنا أفتح اليوم سجل الذكريات لتعود بي الذاكرة إلى اليوم الأول من نيسان عام 1968 , اليوم الذي باشرت فيه بقسم الهندسة الكهربائية بكلية الهندسة في موقع الجامعة الكائن يومذاك بقضاء شط العرب . لم يكن قضاء شط العرب يومذاك كما هو عليه الحال الذي شاهدته الآن حيث المباني الحديثة والشوارع النظيفة , بل كان عبارة عن قرية زراعية بسيطة يندر أن تجد فيها بيتا مشيدا بالطابوق , وفيها شارع ترابي واحد يربط المعبر ( الطبكة ) بالجامعة التي هي الأخرى عبارة عن مبان بسيطة مشيد معظمها من القصب والبردي المضغوط .
كانت الجامعة تضم أربع كليات تابعة لجامعة بغداد , تعرف بالهيئات هي : هيئات العلوم، والهندسة، والاقتصاد والقانون , وهيئة الاداب, لتصبح فيما بعد جامعة مستقلة بصدور قانونها الخاص رقم ( 8 ) لسنة 1967 ,الذي منحها إستقلال مالي وإداري , ويدير شؤونها رئيس جامعة محددة درجته الوظيفة قانونا بدرجة وزير, ولا تقل مرتبته العلمية عن مرتبة الأستاذية. ولغرض تشجيع التدريسيين بالعمل بجامعة البصرة فقد تم منحهم مخصصات سكن مناسبة لهم في حالة عدم قدرة الجامعة على توفير السكن المناسب لهم, لاسيما أن نسبة عالية منهم من المحافظات الأخرى , وكذلك منحهم درجة قدم إضافية في الراتب الأساس عند تعينهم وإستمرارهم بالعمل في الجامعة , وشمولها بنسبة مخصصاتهم الجامعية , وتقطع عنهم الدرجة الإضافية عند إنتقالهم إلى جامعة أخرى . وتعتبر جامعة البصرة أول جامعة في منطقة الخليج العربي , وتمثل إطلالة العراق العلمية والثقافية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية .
كانت جامعة البصرة أول جامعة عراقية رائدة في العراق ,بإعتماد نظام الساعات المعتمدة ( المقررات ) بكليتي الآداب والعلوم للفترة ( 1972 – 1982) , وكان مقررا إعمامه على بقية كليات الجامعة لولا صدور أمر من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عام 1982 بإلغائه, وذلك لتعارضه مع نظام المناهج الموحدة للكليات المتناظرة الذي إعتمدته الوزارة في جميع الجامعات العراقية التي كانت تعتمد نظام الإمتحانات السنوية . وبذلك وأدت هذه التجربة الرائدة في مهدها في وقت مبكر ولم تقم لها قائمة فيما بعد في أي من الجامعات العراقية حتى يومنا هذا على الرغم من بعض المحاولات التي لم ترى النور بعد .
إمتازت الجامعة بدراسات نوعية منفردة عن باقي الجامعات العراقية , أبرزها الهندسة البحرية بكلية الهندسة, والتي هي الأخرى لم تستمر طويلا حيث ألغيت الدراسة بدعوى أنها تسببت بعزوف الطلبة من الإلتحاق بأكاديمية الخليج للدراسات البحرية التابعة لقيادة القوة البحرية التي أنشأت يومذاك . وإنفردت كلية الزراعة بإستحداث قسم الأسماك والثروة البحرية وقسم البستنة والنخيل. وتميزت الجامعة بمراكزها البحثية المتنوعة المتمثلة , بمركز علوم البحار ومركز دراسات الخليج العربي ومركز الدراسات الإيرانية ومركز بحوث النخيل ومحطة دراسات الأهوار ووحدة وثائق البصرة , وذلك إنسجاما مع بيئتها البحرية الخليجية .
ويذكر أن مركز علوم البحار الذي تأسس في الجامعة عام 1974 , قد نقل عام 1977 إلى مؤسسة البحث العلمي ببغداد بأمر رئاسي بناء على طلب مؤسسة البحث العلمي ببغداد, مما إضطر الجامعة لتغيير تسمية المركز, إلى مركز بحوث البيئة الساحلية تفاديا لإزدواجية العمل مع المركز المرتبط بمؤسسة البحث العلمي. ونظرا لفشل مؤسسة البحث العلمي بتحقيق أي تقدم بعمل المركز , أعيد إرتباطه ثانية بجامعة البصرة في مطلع عقد الثمانينيات بعد إلغاء المؤسسة وتحويلها إلى مجلس البحث العلمي . وبعد نجاح المركز بعمله في الجامعة برغم غلق المنافذ البحرية بوجه العراق بسبب الحرب العراقية الإيرانية يومذاك, حاولت بعض الجهات نقله ثانية إلى بغداد أواخر عقد الثمانينيات , ولكن باءت محاولتها بالفشل الذريع .
وعلى الرغم من الظروف الإستثنائية الصعبة التي مرت بها الجامعة في فترة عقد الثمانينيات من القرن المنصرم , فقد آلت الجامعة على نفسها أن لا تتوقف عجلة الجامعة عن التطور العلمي وتلبية حاجة المنطقة الجنوبية بعامة ومحافظة البصرة بخاصة من الكوادر العلمية المتخصصة , حيث قامت بإستحداث كلية القانون والسياسة وكلية التربية للبنات وكلية الفنون الجميلة , وسعت لإستحداث كلية الصيدلة وكلية طب الأسنان لتكتمل بذلك بنيتها العلمية , فضلا عن إستحداث عدد من الأقسام العلمية , منها قسم المحاسبة وقسم المكتبات ونظم المعلومات وقسم علوم الحاسبات وبعض المكاتب العلمية الإستشارية , والتوسع ببرامج الدراسات العليا وبخاصة دراسات الدكتوراه المقترنة بالجودة والرصانة العلمية .
كانت جامعة البصرة رائدة في مجال الري بالتنقيط حيث أدخلت أول منظومة ري بالتنقيط في مزرعتها في منطقة البرجسية بإشراف المرحوم الدكتور أحمد خضير معاون عميد كلية الزراعة يومذاك, الذي أوفد يومذاك إلى أستراليا للإطلاع على تجاربها الرائدة في هذا المجال , كما زار وفد برئاسة رئيس الجامعة وعضوية عميد كلية الزراعة وعميد كلية التربية كل من أستراليا ونيوزلندا عام 1982 , حيث تم عقد إتفاقية للتعاون العلمي والثقافي بين جامعة البصرة وجامعة نيو سوث ويلز إحدى كبرى الجامعات الأسترالية , وبين جامعة البصرة وجامعة ماسي النيوزلندية المتخصصة بالهندسة الزراعية , أثمرت بإبتعاث بعض منتسبي كلية الزراعة للدراسة بهذه الجامعة لدراسة الدكتوراه . لاقت تجربة الري بالتنقيط الرائدة يومذاك نجاحا كبيرا وإستحسانا واسعا من قبل مزارعي الطماطة في سفوان الذين يعتمدون على المياه الجوفية الشحيحة بزراعتهم, كما كان للكلية محاولات غير ناجحة في مجال زراعة النخيل النسيجية في عقد السبعينيات من القرن المنصرم . نقلت ملكية محطة الأبحاث الزراعية في البرجسية , ومحطة تربية الجاموس في ميسان من وزارة الزراعة إلى كلية الزراعة ,إضافة إلى محطتها الزراعية في الهارثة و وبذلك أصبح للكلية ثلاث محطات بحوث زراعية متنوعة. كانت هناك ثمة محاولات بائسة لإلغاء كلية الزراعة بجامعة البصرة والإكتفاء بكليتي الزراعة بجامعتي بغداد والموصل بدعوى عدم الحاجة .
وتميزت كلية العلوم ببحوثها الرائدة على صعيد الجامعات العراقية بتخصص كيمياء اللدائن والبوليمرات , بتسجيلها العديد من براءات الإختراع في هذا المجال من قبل فريقها البحثي الذي كان يقوده عميد كليتها يومذاك الأستاذ الدكتور كوركيس عبدال آدم . ونال الأستاذ الدكتور ثامر حمدان التدريسي بكلية الطب لقب الأستاذ الأول في التعليم العالي على صعيد الجامعات العراقية عام 1992 . ونال العبد لله كاتب هذه المقالة جائزة الدولة في العلوم الهندسية من هيئة تكريم العلماء عام 1989 .
ومدت الجامعة جسور التعاون مع جميع أدباء ومثقفي ومفكري مدينة البصرة عبر مركزها الثقافي من خلال منتدياتها الأدبية ومهرجاناتها الشعرية بالتعاون مع إتحاد الأدباء والكتاب ,وإستضافة الكثير منهم عبر برامجها الثقافية السنوية , وتكريم الرواد منهم , ونستذكر هنا منح الشاعرة المبدعة نازك الملائكة شهادة الدكتوراه الفخرية بمناسبة إحتفالات الجامعة بعيدها الفضي ,حيث إستلمت الدكتور حياة شرارة الشهادة نيابة عنها. ويذكر أن الشاعرة الملائكة سبق أن عملت أستاذة مساعدة بكلية الآداب للفترة من 1964 ولغاية العام 1968 . كما أصدرت الجامعة سلسلة من الكتب العلمية التي تناولت تراث البصرة العلمي ومبدعيها عبر العصور .
وبرغم كل ما واجهته جامعة البصرة من تحديات ومرت به من صعوبات في الظروف الإستثنائية التي مرت بها , بسبب الحروب التي دارت بعض صفحاتها على مقربة منها ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما نشرته جريدة الجمهورية بعددها المرقم 7761 الصادر في التاسع من شهر كانون الثاني عام 1991 بعنوان , المنافسة العلمية والذي جاء فيه :
" في فنرة قياسية بحساب تاريخ التعليم والمجتمع , تطورت الجامعات وتنوعت تخصصاتها وإنتشرت في محافظات القطر الأخرى كاسرة بذلك إحتكار العاصمة بغداد لهذا النوع من النشاط العلمي التعليمي مدة لم تدم طويلا . ومع أن بغداد شأنها شأن عواصم العالم الأخرى قد إستأثرت بالحصة الأوفر من تعدد الجامعات وبالقسط الأكبر من الملاكات والمستلزمات العلمية والمادية , ولاسيما جامعة بغداد التي هي الأقدم إذ تأسست عام 1958 , بل أن قسما من جامعات المحافظات إستطاعت أن تنافس جامعات العاصمة في النهج الدراسي والنتائج , إلا أن بعضا منها لم يقف فقط على قدم المساواة ضمن دائرة المنافسة العلمية المشروعة , وإنما تخطاها لاسيما في البحوث التطبيقية والدراسات العلمية . ومن بين هذه الجامعات , إثنتان تصاعد نشاطهما البحثي في السنوات الأخيرة وقدمتا العديد من البحوث والدراسات العلمية المتميزة التي تخدم الحركة العلمية التي يشهدها القطر بوجه عام ... هاتان الجامعتان هما جامعة الموصل وجامعة البصرة ... ولعل في الكم المتميز الذي تنشره الصفحات العلمية في صحفنا المحلية عن نشاط هاتان الجامعتين ونوعيتها ما يدعم هذا الرأأي ."
ولم تقف جهود الجامعة عند حدود محافظة البصرة وحسب , بل إنها إمتدت لمحافظتي ميسان وذي قار, حيث إستحدثت عام 1992 كلية التربية بمدينة الناصرية لتكون نواة لجامعة ذي قار , وإستحدثت كلية المعلمين في مدينة العمارة لتكون نواة لجامعة ميسان . ولله الحمد في الأول وفي الآخر , وبفضل جهود الخيرين من منتسبي الجامعة , إستطاعت الجامعة النهوض من تحت الرماد , لتبقى شعلة العلم والنور وهاجة في سماء البصرة الفيحاء . حما الله البصرة وجامعتها المعطاء من كل شر .
اسهمت البصرة بشكل في اغناء وتطوير الثقافة العربية اذ كانت مركز اشعاع فكري انار ارجاء العالم الاسلامي وليس ببعيد عن الاذهان ذلك الدور الذي لعبه (مربدها) الذي كان يجمع فحول الشعراء والادباء وجامعها الكبير الذي كان افخم مدرسة علمية في عهد الامويين وصدر الخلافة العباسية فضلا عن ذلك ففي هذه المدينة وضع ابو الاسود الدؤلي قواعد النحو العربي والف الفراهيدي اول معجم في العربية ونبغ فيها علماء افذاذ من امثال سيبويه وابن دريد والمبرد والحريري والحسن ابن الهيثم واخوان الصفا وكان من مظاهر النشاط الثقافي والفكري الواسع ما ضمه مسجدها من مساجلات اسهم فيها ائمة في مختلف العلوم والمعارف الانسانية . قدمت البصرة خلال تاريخ العراق الحديث اسهامات فكرية وثقافية عن طريق شعراء وعلماء امدوا العراق بعطائهم الخصب وحسبنا ان نذكر هنا شاعرها الكبير بدر شاكر السياب وما قدمه للشعر العربي من روائع فنية عالية وان يكون احد شعراء العربية المبيرزين.
وها هي جامعتها.. جامعة بصرة الخير والعطاء تتحمل اليوم مسؤولية أنماء المعرفة بصنوفها المختلفة ونشرها على أوسع نطاق واسع كي تستعيد البصرة ألقها وسابق مجدها العلمي والحضاري ,بمزاوجة واعية بين النظرية المتطورة والممارسة المثمرة من خلال حركة الواقع بكل تحولاته خدمة للمجتمع ومؤسساته المختلفة. وهي تتطلع دوما إلى تخليد هذه المدينة المعطاء . بوركت كل الجهود الخيرة لإعلاء جامعة البصرة , وكل المودة والتقدير لكل العاملين فيها وعلى رأسهم ربان سفينتها الحالي الأستاذ الدكتور سعد شاهين أبن الجامعة , طالبها بالأمس ورئيسها اليوم . ومن الله التوفيق والسداد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World