الإعلام العربي في ورطة

عزيز باكوش
azziz_bakouch@yahoo.fr

2023 / 4 / 21

لفت الفنان المصري القدير محمد صبحي إلى ظاهرة مريبة طفت على سطح الإعلام العربي العمومي عامة، والإعلام المصري على نحو خاص، ما يمكن تسميته مؤقتا بتأمين الحماية عبر الاستعانة بكلاب الحراسة بدل تثبيت سياج واق أو باب من حديد. معبرا عن غضبه الشديد من مشاركة ما أسماه فتيات التيك توك، في الأعمال الدرامية المصرية ، وإتاحة ظهورهن عباقرة وفنانين أمام ملايين المشاهدين وفي أوقات الذروة ،معتمدين في ذلك عدد اللايكات والإعجابات وحجم المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي بصرف النظر عن الكفاءة المعرفية والقدرة الفنية الحقيقية في التأثير بالمعنى الإيجابي للكلمة . يحدث هذا في وقت يتم فيه تجاهل كاميرا الإعلام الرسمي للمبدعين والفنانين الحقيقيين . كان ذلك خلال استضافته في برنامج «VIP» الذي تعده الإعلامية أميرة بدر محمد صبحي تساءل بمعرفة وغصة في القلب «انهار ده بنكرم مين ؟ البنت اللي بتنجح في التيك توك بتشتغل في 7 مسلسلات مصرية” ؟
الحقيقة، لا يمكن للذاكرة الحية، إلا أن تستاء وتحزن ويتقوى منسوب غضبها، وهي ترى كيف تتهافت كاميرا الإعلام العمومي الرسمي المسنود بضرائب وأموال الشعب نحو الإسفاف وتزكية السفالات العامة. وسط ضجة ما يسمى الإعلام البديل، الإعلام المواطن، الإعلام المستقل، الذي يمتهن الازدراء والسخف بلا هوادة دون قيود ولا ضوابط. ولنا أن نتساءل: ما مصير مئات من خريجي معاهد الفنون والدراما؟ ولماذا صرفت الدولة مبالغ باهظة لإنشاء المعاهد والأكاديميات والسهر على تزويدها بالأطر الإدارية والفنية والبرامج وفي النهاية تستدعي مؤثرا تافها من التيكتوك او اليوتوب؟ ولعل من سيئات منصات التواصل الاجتماعي اليوم، بروز ثلة من الذين أنعم الأثير عليهم بملايين اللايكات والمعجبين، قاطني الحانات والكابريهات وأعراش الطيش واعتلائهم الصدارة. إنهم جيل من المراهقين الجريئين الطائشين. طينة من المؤثرات والمؤثرين الذين تربعوا كالفقاعات على المنصات وسحبوا بساط المشاهدات الزائغة من تحت اقدام إعلام الدولة. وأصبحوا نجوما ومشاهير يستقوي بهم أصحاب النفوذ لتلميع سلطتهم على قطاع الثقافة الاعلام والاتصال، وتغتني بتفاهاتهم موسميا، لوبيات إنتاج الفساد الفني وصناعة الابتذال في العالم العربي. والنتيجة دمار منهجي مطلق للقيم وطموح الأمة في الارتقاء الثقافي والحضاري . يتعلق الأمر ببعض الوجوه المؤثرة سواء من منصة التيكتوك أو اليوتوب أو غيرها وتبوؤهم مناصب إعلامية وتخصص لهم برامج لا يستحقونها، في وقت تغض فيه الطرف عن مؤثرين حقيقيين من صنع أيديها، يقبعون في الظل، تستنزفهم البطالة الفنية والاجتماعية.
إنه الانزياح المريب والخطير للخطاب الرسمي في مجال الثقافة والتواصل. ظاهرة مخلخلة لتوازن ما تنمو باضطراد . فليس العيب أن يعمل الإعلام الرسمي على استضافة فنان بلا تكوين نظري، ولا حظ له في دراسة الكوميديا أو التنشيط الثقافي والفني، بل العيب أن يكرم هذا الإعلام أصواتا مجرد "فقاعات "من منصات التواصل الاجتماعي على خلفية الشهرة، معتبرا حجم اللايكات كمقياس وحيد من غير الاعتماد على الكفاءة النظرية في تجاهل تام لفنانين ومبدعين حقيقيين، شيء مريب حقا.
وتابع محمد صبحي في ذات الحوار «أنا عامل مدرسة اسمها استديو الممثل من أكتر من 50 سنة، يجي الجمهور يقول دول فين، وأضاف متهما " اميتو الخطأ بالصواب متقعدوش ترغوا في الخطأ، دايما أقول متودوش الكاميرا لهذا الإسفاف يا جماعة أنتو بتبروزهم عايز الإعلام يروح للبديل أنا أخلق البديل ده يموت" ودعا صبحي إلى استراتيجية إعلامية للدولة، اعتمادا على خريطة ثقافية وإعلامية تؤمن حماية المستقبل بدل ترك الأمور سائبة يتحول فيها الإعلام إلى معول يهدم الإنسان ولا يبنيه. فيما شباب العالم ينغمس في بؤرة تلوت قيمي بعيدا عن سلطة التنوير والمعرفة الحقيقية.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World