كيف حُشِّرت مصرَ في العُنُق

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 4 / 7

كانت مصرُ دولة حرة طبيعية كسائر دول العالم آنذاك. ومثلها، كانت تمرض لبعض الوقت وتلازم الضعف والانكماش والركود، لكنها سرعان ما تسترد عافيتها لتعاود الركض أقوى وأسرع من ذي قبل. كان لها ملك ودستور وحكومة وبرلمان منتخب وأحزاب متعددة تتناوب فيما بينها على رئاسة الحكومة وتسيير شؤون الدولة والتصدي لمشاكلها. كانت ربوعها ممتلئة وتعج عن بكرة أبيها بحركة الاستثمارات الأجنبية المتدفقة من كل أنحاء العالم، علاوة على قطاع خاص وطني لا تزال إلى اليوم لم تنشئ له مثيلاً. كان ذلك وهي لا تزال رسمياً واقعة تحت احتلالين متزامنين: عثماني وإنجليزي.

لم تكن دولة فحسب، بل امبراطورية في قارتها الأفريقية. كانت منارة ومزاراً لا تضاهيها بقعة أخرى ليس في أفريقيا كلها فحسب، بل في المنطقة العربية والشرق الأوسط بأسره. أدخلت التحديث وأتقنته قبلهم جميعاً، وسبقتهم جميعاً وكانت معلمتهم جميعاً. من فنون الحرب والحكم والسياسة، إلى الصحة والتعليم والاقتصاد، إلى الثقافة والغناء والرقص كانت تحلق متفردة على علو شاهق والكل يحاول جاهداً اللحاق بها. ما كان الناظر لها حينذاك أن يصدق مطلقاً أن يصبح هكذا هو حالها اليوم- حبيسة زجاجة فارغة لا تستطيع الخروج من عنقها الضيق. ولابد كان سيتعجب في دهشة: كيف؟!

بسبب تغييرات هيكلية فُرضت عليها فور خروجها من تحت الاحتلالين العثماني والإنجليزي وتحولها من ملكية إلى جمهورية. الرئيس جمال عبد الناصر فرض عليها التغييرات الجوهرية الآتية:

1- إلغاء الدستور
ترتب على ذلك قطع علاقة مؤسسية تحكمها وتنظمها قواعد قانونية مستقرة ومنضبطة وقابلة للتنبؤ بها بين الحاكم من جهة والمحكومين من الجهة الأخرى واستبدالها باتصال مباشر، دون وسيط أو ضابط قانوني، بين الطرفين يتحقق من خلال التحشيد والخطب الجماهيرية المؤججة للمشاعر سواء عبر أبواق الميادين أو ميكروفونات الإذاعة والتلفزيون. وهكذا خرجت الرئاسة- بالمغزى القانوني- من أرض الواقع العام لتحوم عالياً فضاء منعزل، خلقته بنفسها، تصدر منه قرارتها ومرسوماتها وقوانينها ناقصة وعرجاء، ذات صبغة شخصانية وانفعالية وظرفية، لا قدرة ولا طاقة لها على فهم أو معالجة مشاكل الواقع العام.

2- حل الأحزاب
ترتب على ذلك تحويل الحكومة المنوط بوزرائها إدارة وتسيير شؤون البلاد والعباد إلى ما يشبه ’موظفي مكتب الرئاسة‘. الأمر الذي تسبب في أن يغادر أفراد الحكومة بلا رجعة منزلتهم التوسطية بين الحاكم والمحكومين ويتجهون إلى ’التعشيش‘ في دهاليز مؤسسة الرئاسة بدلاً من النزول إلى الشارع والتعرف على مشاكلة. بعد حل الأحزاب وإنهاء الحياة السياسية، ما عادت الحكومة المصرية معنية بعد بمشاكل وهموم الجماهير، واختل توازنها لجهة مؤسسة الرئاسة، من حيث يأتي التكليف ويُؤَمَن المستقبل.

3- إنهاء استقلالية القضاء
ترتب على ذلك اضطراب العلاقات فيما بين مكونات الشعب كأفراد وشركات وجمعيات ومنظمات وأجهزة واتحادات ونقابات ومؤسسات وهيئات حكومية وغير حكومية، حين ضُربت في مقتل الموضوعية والحيادية والاحتكام إلى القواعد الموحدة المطبقة بعدالة وإنصاف على الجميع عند الفصل في النزاعات. وهكذا انكشفت موازين القوى غير المتماثلة بين هذه المكونات المجتمعية، ليستفيد كل منها بحسب وزنه وتترسخ الوساطة والمحسوبية والصلات الشخصية في تسهيل معاملات الجميع، ويعم الفساد وسوء الإدارة وإهدار الطاقات والموارد وسط الجميع بلا استثناء، الحكومي منها وغير الحكومي على حدا سواء.

4- تضخيم الجيش والأجهزة الأمنية
ترتب على ذلك تضخم الجيش والأجهزة الأمنية لأكبر من حجمهما المتناسب مع الجسد السياسي المصري، إلى حد استنزاف وإنهاك الأخير وتحولهما إلى عبء ثقيل على الدولة. الأمر الذي تسبب في اضطراب في وظائفهما الأساسية، دفعهما إلى تولي أدوار ومهام لا تأتي ضمن اختصاصهما الأصيل. الذي تسبب، بدوره، في إضعاف كفاءة الاثنين معاً في أداء وظائفهما الأصلية. لذلك عجز الجيش عن العودة بنصر حاسم من دولة بحجم اليمن ثم منيَّ بهزيمة مذلة من إسرائيل في 67، وعجز عن استعادة أرضه بقوة السلاح في 73. ومن جهتها، بدلاً من السهر على حفظ الأمن والنظام، حَوَّلت الأجهزة الأمنية الداخلية مصر إلى ما يشبه سجن كبير.

5- مصادرة الممتلكات والثروات الخاصة
ترتب على ذلك هجرة بلا عودة للمستثمرين ورؤوس الأموال والخبرات والكفاءات الأجنبية والمصرية إلى الخارج. وأدى إلى اضطراب هائل داخل منظومة الحكم والدولة، حين انصرفت الحكومة عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في الحكم والرقابة وتطبيق القانون إلى الاشتغال بالاستثمار والإنتاج. وتحول المواطنون من النشاط الاقتصادي المجازف والتنافسي الحر والمتقلب وفقاً لآليات السوق إلى الخمول والكسل وانعدام الحافز في حضن الوظيفة الحكومية الدافئ والآمن والمضمون. وحين أخفقت الحكومة كما كان متوقعاً، لعدم الاختصاص، تُرك الاقتصاد ينزف والمواطنين غير منتجين ومرتشين وعالة على الدولة، التي لم يكن أمامها سوى أن تجوب أرجاء المعمورة بحثاً عمن يقرضها بالعملة الصعبة لكي تستورد لهم ما يسد أفواههم المتزايدة والنهمة باطراد.

ما كانت مصر جنة الله على الأرض حين استلمها عبد الناصر. بل كانت طريحة الفوضى وتمر بنوبة حمى أحرقت من شدتها القاهرة، وإلا ما سقطت في حجره وحدها هكذا دون أي مقاومة. لكن ذلك كان دأبها على مر تاريخها الطويل، الأقدم والأطول في العالم كله. كانت تمرض، لكنها سرعان ما تفيق لتعاود الركض أقوى وأسرع من ذي قبل. لكن في هذه المرة رقدتها طالت ولا تزال لم تستفيق بعد. وهذا لأن عبد الناصر قد أعطاها الدواء الخطأ، الذي بدل من أن يساعدها على التعافي أدخلها في غيبوبة لا تزال كل الحكومات المتعاقبة عاجزة عن إفاقتها منها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World