-بغداد- الاخرى ونهاية الموت الجسدي؟

عبدالامير الركابي
amir.rekaby@hotmail.fr

2023 / 3 / 19

لنقرا مابين ثنايا القرن الخامس عشر فناخذ شيئا من نصفة الثاني، لعل شيئا ما يتغير من الايقاعية شبه الفنائية، او التي على حافة الفناء، بظل اشتراطات البرانيه والانهيار مايلحقها عمليا وواقعا بحال المجتمعية السفلى:
ـ 854 هـ/ 1450 م:
• زيادة المياه في دجله وغرق كثير من المحلات في جانبي بغداد وحدوث اضرار كثيرة.
• حدوث حريق في اسواق بغداد الشرقية خربت بسببه الكثير من الحوانيت والدور المجاوره وهلاك بعض الاهلين ( في العشرة الثانية من حزيران).
ـ 855هـ/ 1451م:
• ظهور اسراب كبيرة من الجراد في سماء بغداد كاد يحجب ضوء الشمس عنها. فاكل المزروعات والحاصلات وكان ذلك في العشرة الاخيرة من شهر مارس.
ـ 856هـ/ 1452م:
• هبوب رياح شديدة عاصفه سريعه اقتلعت الاشجار وهدمت البيوت، واحدثت اضرارا في الارواح والاموال( اوائل حزيران).
ـ 857 هـ/ 1453م:
• انخفاض درجات الحرارة في بغداد في العشرة الاولى من شباط ماادى الى تجمد المياه في الاواني والسواقي والبرك وتلف بعض المحصولات الزراعية.
ـ 858 هـ/1454م:
• سقوط ثلوج كثيرة على بغداد لم يعهد مثلها اهلكت الشجر وهدمت الدور والمباني واحدثت اضرارا كثيرة.
ـ 895 هـ/ 1455م:
• هطول امطار معتدلة متتابعه ادت الى ظهور المراعي ونمو الحيوان فانتعشت الامال واطمانت التفوس ورخصت الاسعار.
ـ 860 هـ/ 1456م:
• ارتفاع مناسيب مياه دجله ارتفاعا مفاجئا بسبب هطول امطار غزيرة مستمرة في اعالي البلاد ادى الى غرق القسم الشرقي من بغداد واحدث اضرارا كبيرة(15اذار)
• حدوث زلزله في بغداد احدثت اضرارا في بعض الابنيه.
ـ 861 هـ/1457م:
• حدوث حريق في الجانب الغربي من بغداد ادى الى هلاك بعض الناس وهدم بعض الدور والحوانيت ( العشرة الاخيرة من حزيران)
ـ 862 هـ/ 1458م:
• هطول امطار غزيرة استمرت اكثر ايام الموسم فظهرت الزروع واخضرت الارض واعشوشبت، ونمت المواشي، ورخصت الاسعار، وتوفرت المواد الغذائية.
ـ 863 هـ / 1459م:
• ظهور اسراب الجراد بشكل هائل، فاتلف المحصول الذي كان معتمد الناس، فقلت الاقوات وغلت الاسعار.
ـ 864 هـ/ 1460م:
• هطول الامطار مبكرة ومعتدله استمرت متقطعه طول فصل الشتاء ادت الى ظهور العشب وانتعاش المزروعات وتوفر المواد الغذائية.
ـ 865هـ/ 1461م:
• انخفاض درجات الحرارة في بغداد في العشرة الاخيرة من كانون الثاني فتجمدت المياه واستمرت بالتجمد اربعة ايام ثم اخذت الثلوج بالذوبان.
ـ 866هـ/ 1462م:
• وصول " بيرداق" الى بغداد يوم الاربعاء" 1 ربيع الاول" وفرضه ضرائب على الاهالي.

• هطول امطار مبكرة ومعتدلة ادت الى ظهور العشب والمزروعات.
ـ 868 هـ/ 1464م:
• فيضان نهر دجله وغرق جانب الكرخ من بغداد، ووصول المياه الى مقبرة الامام احمد بن حنبل( في منتصف شهر نيسان).
• حدوث رياح عاصفة مصحوبة بغبار كثيف، ادت الى سقوط بعض الاشجار، وهدم بعض الدور.
ـ 869 هـ/ 1465م:
• محاصرة " جهانشاه" لبغداد، ثم دخولها بحيله، والمصالحة مع ولده "بيرداق " وقتله.
وقد دام هذا الحصار نحوا من سبعة عشر شهرا.

تلك هي الديناميات فيضان ، جراد، امطار وعواصف، انخفاض درجات الحرارة ، وطاعون، وحصارات تدوم لاشهر، لكن هذا كله كان ايضا يترافق مع ظواهر يجب ان لاتغفل، ففي ازقة المدينه التي لاتحيا ولاتموت، كانت بعض الابواب تحمل باقة ورد حمراء، وهو مايعني وجود مربض في البيت، بمعنى الاشارة الى ضرورة مراعاة ذلك، وهو تصرف لاوجود له، ولم يعرف له مثيل في العالم، دلالة على الرقة المقابله للقسوة المسلطة من الطبيعة، وقد تكون هنالك ظواهر وتصرفات اخرى شبيهه، او من ذات الجنس، لم تذكر او لم تعتبر جديرة بالتنويه، ليس هذا الجانب فحسب، بل اجمالي ماهو من قبيل "الذاكرة"، ناهيك عن تدرجاتها، فهل الذاكرة البغدادية التي يمكن استخلاصها من القرون الممتدة بين القرن الثامن ابتداء من ( 145هـ/762م) سنة تاسيس مدينة السلام، حتى 1258 م، يوم دخول هولاكو، ذلك مع العلم ان الايقاع الطبيعي هو نفسه من كل النواحي، فيضانات وطواعين ...الخ..
ذلك مع العلم ان العباسيين الهاربين من الكوفة، بعدما ذهبوا قبل ذلك من قبيل التجربة وهربا من انتفاضات الكوفة الموالية للعلويين، الى الرمادي، ثم الى الهاشميات حين دهمتهم انتفاضة الراوندية، في حين ان بغداد نفسها كان يمكن ان لاتبنى، وتم باؤها اخيرا على الحافة، وكان المنصور قد اعد مواد البناء واقترب من مباشرة البناء حين اضطر الى ترك المكان، والذهاب الى البصرة لمواجهة انتفاضة "ذي النفس الزكية" مستامنا على المواد المعدة شخصا اسمه " انس"، قام بغياب المنصور بحرقها، وحين جاء المنصور الدموي النزعه، والذي لم يصدر عنه فعل سماح كالذي اقدم عليه هذه المرة، وسال عن المواد ولماذا احرقت: قال الرجل المؤتمن عليها، انه سمع بان المنصور قتل في المواجهة مع المنتفضين، فقرر المنصور ولااحد يعرف لماذا وكيف، العفو عنه، واعادة تامين وشراء المواد من جديد، وهذا يمنحنا ىتصورا اخر ابعد من بغداد نفسها، والفال السيء الذي رافق بناءها من البداية، الى عموم اشتراطات الفعل في الموضع التي هي ذاهبة لتحتل فيه موقع المركز الامبراطوري، وريث بابل العظيمه.
ونحن نتحدث عن مدينتين لاشبيه لهما، ولالبنيتهما على مستوى المعمورة اصلا، لانهما نتاج تشكلية اصطراعية وبنيويه مجتمعية فريدة، لامثيل لها، ف " المدينه الامة الامبراطورية" لاوجود لها خارج ارض مابين النهرين، وهي نتاج نزول المجتمعية الارضوية من اعلى الى الجنوب بغرض بسط السلطة والحكم على حسب المعتاد لدى المجتنمعية الاحادية، الى ان تصل حدود المجال اللاارضوي في ارض السواد، وتجد نفسها امام معضلة من غير الممكن حلها، فالمجتمعية السفلى غير قابلة للاخضاع، ولا للاختراق، حريتها تساوي وجودها، والسبف والرمح عنصر انتاجي مثل المحراث والناعور ضمن بنيتها، مايضع الغازي النازل من اعلى امام احتماليتين، فاما العودة الى حيث اتى، او البحث عن وسيلة تؤمن بقاءه خارج المجتمعية التي اراد احتلالها، في عزلة عنها واستقلال تصتارعي، يتحقق في اقامه مدينة كبرى محصنه اشد وامنع تحصين، معسكرة من داخلها وسلالية في الغالب، لها مواصفات الدولة المدينه، دينامياتها هي نفس تلك التي اوجدتها بالاصل، وظلت قائمه ومستمرة، تدفع بالمدينه الامبراطورية الى العلو من ناحية، والتماثل الاصطراعي مع غريمها الاسفل قيما ومفاهيم بطريقة المصادرة والتحوير، مايجعلها مع الوقت نوعا اخر، وكينونة مغايره قياسا لاية امبراطورية احادية، فهي احادية ضمن الازدواج، وفعاليتها وكينونتها فعالية وكينونة ازدواجية اصطراعية بين نوعين ونمطين مجتمعيين متفاعلين.
سواء تعلق الامر ببابل او بغداد، رغم اختلاف اسباب تشكلهما، فبغداد هربت صاعدة من الاسفل، وبابل نزلت من الاعلى، فان نزوعهما الامبراطوري محكوم الى الاصطراعية الازدواجية، ومنها ضرورات تامين الكيانيه المدينيه بظل شبه استحالة حلب الريع بالغزوات الداخلية عالية التكلفة، مايستدعي البحث عن الحاجات المتزايده بظل الاصطراع، عن مصادر تؤمن التوازن بالعودة الى الاعلى، والى الغرب، الامر الذي توفر لبغداد اصلا بحكم مدى " الفتح" الجزيري الذاهب الى الصين ، مامنحها قدرا اكبر من الاستقلالية عن المجال الاسفل، واعطى هذا الاخير افقا ملحوظا من التعبيرية المستقلة من دون اعلان، وكل مانشير اليه هو بالاحرى مما لم يكن في يوم محط انتباه او محاولة تعرف، ناهيك عن ملاحظة التمايزيه البغدادية عن البابلية.
فبغداد تضيف الى الخاصيات الاستثناء للمدينه / الامه الامبراطورية، فصلا لم تكن بابل قد حظيت به، فهي تضيف لاليات الصعود الكياني، حالة غيرمسبوقة من البقاء الشكلي والرمزي الانقطاعي الاتحطاطي، وهو مايتمثل عادة وكما وجد، بقيام شروط البرانيه، تكون خلالها العاصمة الامبراطورية المنهارة مقطوعة الصلة بالاشتراطات التي جعلتها تقوم بالاصل لانتفائها، وهو مظهر من مظاهر الديناميات التاريخيه التي تميز تاريخ هذا الموضع من العالم، بحكم ازدواجيته، فتجعله محكوما لمتوالية الدورات والانقطاعات، واول مايميز المدينه العاصمة الكونية المنهاره وقتها، هو فقدانها للديناميات الحيوية الخاصة، الاصطراعية الذاتية، مايحجب عنها الفعالية الصعودية، ويتركها لوطاة البرانيه الاحتلالية، وتناوباتها، مضافا لها فعل البيئة الاستثنائي الذي تتزايد وطاته، بحكم ضعف الوسائل، ونوع الاستعداد وتدنيه بظل الانهيار ومايصبح متوفا من الشروط المختلفة كليا عن تلك التي تكون متوفرة ابان فترات الحيوية الدوراتية.
ـ يتبع ـ



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World