مسارات -آستنة / جنيف- ، وتقويض شروط حل سياسي وطني!

نزار فجر بعريني
nizarabonawar@gmail.com

2023 / 3 / 19

لم تكن خطط "آستنة " و " جنيف " مسارات لصناعة السلام ، كما يفهمه؛ ويريده السوريون(١)، الذين دفعوا ثمن حرب ظالمة ، لم تكن في طريقة حراكهم ،ولا أداة لتحقيق آمالهم، بل اختار أعداء الحرية والديمقراطية أدواتها ، وصنعوا مآلاتها ، وتقاسموا مكاسب نتائجها ، بغلاف من أكاذيب الدعايات ، وأحابيل الخداع والتضليل ، وكلّ ذلك الإجرام ، عقابا على تجرّؤ السوريين على الحلم ...
كان الهدف الرئيسي من مسار" آستنة "(٢)- الذي أطلقته" موسكو / آستنة" ، بالتنسيق مع واشنطن ، وبغطاء من معارضات "منصّة موسكو"(٣)- إدارة مرحلة حروب إعادة تقاسم الجغرافيا السوريّة( التي أطلقت الولايات المتّحدة وروسيا مشروعها عند تدخّل جيشهما في ٢٠١٤ ، ٢٠١٥ ، تحت يافطة محاربة" داعش" والحفاظ على " مؤسسات الدولة )، التي سيطرت عليها "الميلشيات المعارضة" المدعومة من تركيا والسعودية، وميليشيا" داعش" بين ٢٠١٢ ٢٠١٤ إلى حصص ومناطق نفوذ بين الروس والامريكان والايرانيين ( والنظام، بالطبع )، وقد اضطرّوا لضمّ" تركيا "في بداية ٢٠١٧ ، بعد صفقة " حلب " - كما اضطرّ الأتراك للمشاركة مع ممثلين عن ميليشيا " المعارضات "،بعد سلسلة من الهزائم ، كان أخطرها في حلب ، وبعد محاولة الانقلاب على أردوغان ...٢٠١٦ .
مع انتهاء مرحلة " حروب تقاسم الحصص ومناطق النفوذ " بتوقيع اتفاقيات ٥ آذار بين بوتين واردوغان ٢٠٢٠ ...بدأت عمليا مرحلة "التسوية السياسية الأمريكية" ، وقد أنتهت صلاحية " آستنة " ،و تمّ دفن مساره بتوافق ضمني ، وتحت الأضواء !!
بعد أن قطعت جهود تنفيذها كلّ هذا الشوط، بات ملحّا أن يعرف السوريون أنّ نتائج مرحلة" التسوية السياسية الأمريكية" لن تكون أقلّ خطورة على مصالح السوريين المشتركة، وأقلّ تهميشا لمقوّمات الدولة السورية، من مرحلة الحرب الأولى ( ٢٠١٢ ٢٠١٤ )، ولا من مرحلة الحرب الثانية ( ٢٠١٥ ٢٠٢٠ ) اللتين قادتهما الولايات المتّحدة، بالتنسيق مع روسيا، سياسيا وعسكريا، وفي مواجهة مباشرة مع الأتراك والسعوديين ، و"غير مباشرة " مع "الإسرائليين"؛ الذين وجدوا في تكامل المصالح الإيرانية الأمريكية تهديدا غير مسبوق لطبيعة علاقاتهم مع الولايات المتّحدة، وسياسات سيطرتهم الإقليمية !
مرحلة" التسوية السياسية الأمريكية" هي الاخطر ، لاّنها تسعى لشرعنة ما تمخّض عن موازين قوى حروب المرحلة الثانية من حصص ، تبلورت في اتفاق بوتين / أردوغان، نهاية ٢٠١٩، و ٥ آذار٢٠٢٠ ، في سلطات أمر واقع ميليشياوية ؛ عبر صيرورة تهدئة مستدامة ، وما تتضمّنه من جهود تأهيل محلّي، وتطبيع إقليمي، مستمرّة خطواتها منذ ربيع ٢٠٢٠، وتقوم على إعادة تأهيل متزامن لسلطات الأمر الواقع ، بما يضمن بقاء ، ويشرعن ، حصص الجميع ، وفي مقدمتها "النظام السوري" و "قسد" - وهي الصفقة السياسية الأهم التي تفسّر إعطاء الولايات المتّحدة الضوء الأخضر لتسريع خطوات التطبيع الإقليمي ؛ وكان من الطبيعي أن يستغلّ الجميع حدث كارثة الزلزال، وما أتاحته من فرص لتسريع إجراءات التأهيل والتطبيع ، بعد ما واجهته من تعثّر خلال ٢٠٢٢
في الواقع، لا يخرج حدث " تجديد العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية" عن هذا السياق العام ، كما تصبّ جهود موسكو اليوم في إطار خطوات وإجراءات التسوية السياسية الأمريكية-التطبيع مع النظام ، وبين قوى الصراع الإقليمية.
نقطة أخرى ، من مصلحة السوريين معرفتها، نخبا وعامّة !
لا تعمل فقط أطراف " التسوية السياسية الأمريكية"، الإقليمية والدولية ، على تغيبب عوامل السياق السياسي لإجراءات التأهيل المتزامن ، وخطوات التطبيع الإقليمي، وخداع الرأي العام السوري بالتالي ، كما فعلوا طيلة المرحلتين الأولى والثانية من الخيار العسكري، بل يشاركهم صف واسع من" النخب السياسية والثقافيّة" السوريّة - إمّا عن عدم وعي ، أو للتغطية على مساهمتهم، كأفراد أو مجموعات، في جهود تأهيل سلطات الأمر الواقع- "قسد " أو الهيئة أو " الجيش الوطني " .
من المؤسف ملاحظة توزيع الأدوار...في حين تعمل نخب المعارضة السياسية " الاخوانية/ الوطنية " لصالح جهود تأهيل سلطة الأمر الواقع " الإسلامية " على الحصّة التركية ، تعمل نخب المعارضة السياسية والثقافية " اليسارية- الديموقراطية " لصالح تأهيل " قسد - الديموقراطية"، كسلطة امر واقع على الحصّة الأمريكية ، ؛ ولا يحتاج النظام بالطبع لواجهات سياسية معارضة !!
لا ،
للتسوية السياسية الأمريكية، وما ستؤدّي اليه من تثبيت عوامل تفشيل الدولة السورية ، لصالح قوى الاحتلال الخارجية، وقيادات سلطات الأمر الواقع المحليّة ، وطوابيرها من النخب السياسية والثقافيّة؛ قوى وأدوات السيطرة والنهب التشاركية!!
◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■
(١)-
لقد تقاطعت جهود الجميع في الخلط بين مفهوم وشروط وسياق "الحل السياسي "و " التسوية السياسية "، عمدا ، لتضليل الرأي العام السوري ، وإبعاد السوريين عن دائرة الفعل الوطني !
بداية لابدّ من التأكيد على حقيقة أنّ مسار "الحل السياسي" يقطع مسار " الحل العسكري " ولا يوازيه ،وكان يمكن أن ينطلق خلال ٢٠١١، وربيع ٢٠١٢ ، قبل نجاح جهود التطييف والعنف، و عبر مفاوضات واتفقيات بين النظام من جهة ، وبين قوى وشخصيات ديمقراطية ، ثمثّل حراك السوريين السلمي، وتعبّر عن تطلعات الشعب السوري في إقامة نظام ديمقراطي، ويبدأ بخطوة الانتقال السياسي، وبأداة " هيئة حكم انتقالية مستقلّة ومفوّضة " تضم شخصيات قيادية من النظام والمعارضة ، تهيئ شروط وطنية لقيام انتخابات ديمقراطية ، وتطلق صيرورة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية.
المحاولة الأكثر جدّية لدفع الصراع السياسي في نهاية ٢٠١١
ومطلع ٢٠١٢ على مسار الحل السياسي تجسّدت" بخطّة السلام العربية ٢ " ، التي طرحتها الجامعة العربية في خريف ٢٠١١، بدعم تركيا ، والتي لم تجد دعم فعّال أو " تبنّي " من قبل الولايات المتحدة؛ التي كانت إدارتها مشغولة بعقد "مؤتمرات الصداقة" مع الشعب السوري ، وإطلاق التصريحات النارية ، لتأجيج الصراع ، وكان سفيرها في دمشق " روبرت فورد " منهمكا في ضمان عدم وصول الحراك النخبوي الديمقراطي المعارض إلى تشكيل جسم سياسي، قد يُمثّل الخيار البديل ، ومشغولا بترتيب صفقات وتفاهم مع أبرز شخصيات المعارضة، وتسهيل سفر بعضهم إلى الخارج، بالتنسيق مع نظرائه الأوربيين .. فكان من الطبيعي أن يتم إسقاط الخطة عند طرحها للتصويت في جلسة مجلس الأمن ، بتاريخ ٤ شباط ، بفيتو روسي / صيني ؛ ولم تجد السيدة كلينتون ما تفعله سوى إطلاق التصريحات النارية ضد روسيا ، وتحميلها المسؤولية، وإغلاق باب الحل السياسي نهائيا ، عبر بوابة " جنيف ، بدءا بنقاط كوفي أنان ، التي لم تُضمّن أية آليات تنفيذ ...وكانت مسيرة التسويف والمماطلة عبر ما يسمى بيانات جنيف ....وصولا إلى القرار ٢٢٥٤ ، أيلول ٢٠١٥ ، وقد بات تحقيق حل سياسي شبه استحالة، بعد ما حصل من تغيّرت في طبيعة الصراع ، وادواته ، قوّضت شروط الحل السياسي ؛ وقد تمّ هزيمة الحراك ، وقواه وجمهوره ، ونجاح جهد سوري إقليمي في تحويل الحراك الشعبي السلمي إلى ثورة مضادة ، طائفية ، وتحويل المعارضات السوريّة التقليدية إلى " طابور خامس "؛ وهي الشروط التي تجعل من المستحيل حصول حل سياسي ، هذا لو افترضنا انّ للولايات المتّحدة مصلحة في تحقيقه ؛ ناهيكم عن حقيقة أنّ القرار ٢٢٥٤ ، الذي مازال البعض يطالب بتنفيذه، والذي دبّجت بنوده الولايات المتّحدة بالتنسيق مع روسيا ، لم يتضمّن ايّة آليات فعّآلة للتنفيذ ، واقتصر على بعض التوصيات ، وحصر دور الأمم المتحدة بالوسيط " الميسّر " واشترط الموافقة المسبقة للنظام على ايّة تفاهمات مستقبلية ، وكان من الطبيعي أن ينتهي إلى الحال التي وصل إليها اليوم !!
(٢)- مجموعات " هيثم منّاع ورندا قسيس " ، وحزب PYD – صاحب" قسد " -، ورفاقه في " الإرادة الشعبية"، وطابور طويل من المناضلين اليساريين !!
(٣)- تعود بداية الحكاية " إلى نيسان 2015، و" مبادرة شخصية" من السياسيّة والكاتبة" رندا قسيس " ،و أعضاء "منصّة موسكو" ، ونداء إلى الرئيس" نور سلطان نزرباييف" لاستقبال مؤتمر متنوّع من "المعارضين السوريين" من أجل الوصول إلى "تفاهمات " " أرضية " مشتركة لحل سياسي ؛ وقد بادر إلى ترتيب ظروف" اللقاء التشاوري" الاوّل ، برحابة صدر !! .
في ٢٥ أيّار ٢٠١٥ -اليوم الأول في محادثات " منصّة أستانا السياسية- أشارت السيّدة "رندا " إلى أنّه" تمّ التطرّق إلى الملف الإنساني والمساعدات الإنسانية التي يمكن لكازاخستان تقديمها إلى أربع مناطق ؛ وهى المنطقة الواقعة تحت سيطرة النظام ومنطقة الشمال والجنوب الخارجتين عن سيطرة النظام ومنطقة الإدارة الذاتية " .
في ٢٧ أيّار ، جاء في البيان الختامي للمشاورات حول الأزمة السورية :
"يعلن المجتمعون في أستانا (خلال ٢٥ ٢٦ ) وبرعاية كريمة من الحكومة الكازاخية، عن قناعتهم أنّ الحل السياسي هو الأساس والمقدمة لأى حل محتمل ينقذ البلاد والعباد من هذه المأساة.... وبدا جليا إنه لا يمكن أن يحسم هذا الصراع من قبل أي طرف من الأطراف المسلحة، لا بد من الجلوس إلى طاولة التفاوض لإيجاد الأسس السياسية لإحلال السلام الوطني الشامل" .
خطط وسياسات " خفض التصعيد "- بدءا من مذكّرة ٤ أيّار ٢٠١٧ -إعلان إقامة مناطق خفض التوتر، في الغوطة الشرقية، وبعض أجزاء شمال محافظة حمص، وفي محافظة إدلب، وبعض أجزاء المحافظات المتاخمة لها (اللاذقية، وحماة، وحلب) وبعض أجزاء جنوب سوريا"، وبيان الجولة السادسة ، ١٤ – ١٥ أيلول حول آليات عملها - لم تكن في الواقع سوى تكتيكا روسيا / أمريكيا" للإستفرا" بفصائل المعارضة المسلّحة ، وإعادة توزيعها على مناطق محدّدة مسبقا ، ستشكّل لاحقا " سلطات الأمر " الواقع في " الجنوب " و "إدلب " ، وشمال غرب سوريا ؛ وقد وفّرت للرئيس التركي فرصة لامتلاك بعض اوراق القوّة ، إضافة إلى المهجرين ، الذين رفضت الولايات المتّحدة اقتراح تركي لبقائهم في الداخل السوري تحت مظّلة حماية دولية، لفرض مصالح بلاده على خارطة التسوية السياسية النهائية؛ وكان من الطبيعي أن تتعارض جهوده مع سياسات وخطط المتدخّلين/ الشركاء ، الآخرين- الروسي والأمريكي والإيراني.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World