ألا تكفي الحياة غاية نفسها؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 3 / 7

الحياة تجمعنا مع ما لا يحصى من الأنواع الحية الأخرى، من الأصغر إلى المماثل إلى الأضخم حجماً بنسب متفاوتة إلى ما لا نهاية. كل هذه الأنواع، كما نعرف جميعاً، تعيش الحياة وتتشبث بها حتى آخر نَفَس. نحن البشر أيضاً، نعيش الحياة ونتشبث بها حتى الرمق الأخير مثل بقية الأنواع. لكن، على العكس منا، كافة الأنواع الأخرى لا تسأل نفسها قط: لماذا نعيش الحياة؟ ما الغاية من حياتنا؟ وحده الإنسان مَنْ يسأل. وربما بسبب سؤاله هذا، أصبح الإنسان حتى أكثر تشبثاً بالحياة من كل الأنواع الحية قاطبة- إلى الحد الذي جعله يُنكر أن يكون النَفَس الأخير نهاية فعلية لحياته في الكون حتى لو بدا كذلك في الواقع؛ وحول الموت بحد ذاته إلى نقطة البداية لحياة حقيقية آخرة أرحب وأجمل وأمتع- حياة خالدة سرمدية مملوءة بالنعيم إلى حد انتفاء كل شقاء الدنيا.

لإيماننا شبه المطلق بأن الحياة من دون غاية أو هدف نبيل وسامي لا تستحق أن نحياها، نحن دائماً وأبداً نعدد أسباباً ومبررات وحجج لا تعد ولا تحصى وننسج من تفاصيلها غايات وأهداف متعددة لحياتنا، ونأبى أن نكتفي بعيش الحياة في بساطتها الخام- كماهي وعلى طبيعتها- مثل سائر الأنواع الحية من حولنا. بل نُصِرُ على أن نصنع ونطور لها الغايات والأهداف- النبيلة والسامية منها تحديداً وحصراً. كأن الحياة كما هي على طبيعتها وفي صورتها الخام شيء ناقص ومعيب وغير مكتفي بذاته، بحاجة دائماً إلى ما يُكمّل له نقصه ويصلح له عيبه حتى ينهض ويستمر. لذا ندعي أن الحياة ما كانت لتوجد أو تستمر من دون مُوجد أول أو خالق أو إله، ومن ثم تصبح غاية الحياة أن نعيشها كما أراد لنا أو أمرنا أن نحياها؛ من دون مُثُل ومبادئ عليا وسامية وأعراف وتقاليد مصونة ومحترمة، ومن ثم تصبح غاية الحياة هي أن نعيش وفقاً لهذه المبادئ والتقاليد وانتصاراً لها؛ أو من دون شيء من الاستمتاع والبهجة والسعادة حتى لو كانت وجيزة وزائلة، ومن ثم تصبح غاية الحياة ألا نضيع منها لحظة متاحة للبهجة والفرح من دون الشبع منها...الخ.

رغم ذلك، هل نحن من دون الله والمبادئ والسعادة وكل ما في طاقة البشر حشده من أهداف وغايات ومُثُل نبيله أخرى، كنا أو سنكون أقل تشبثاً بالحياة، أو أكثر إقبالاً على مفارقتها؟ هل الملحدين والكافرين بالآلهة أقل تشبثاً بالحياة من المؤمنين؟ هل خونة أوطانهم واللصوص والقتلة والسفاحين أقل تشبثاً بالحياة من المواطنين الشرفاء الصالحين؟ هل أشد الناس تعاسة وشقاء أقل تشبثاً بالحياة من أيسرهم حالاً وأكثرهم نعمة وصحة وسعادة؟ وإذا كان وجود مثل هذه الغايات والأهداف والمُثُل العليا في حياتنا كعدمه، بمعنى أن دورة الحياة ورغبة البشر في التشبث بها حتى الرمق الأخير باقية كما هي في الحالتين، فما جدواها- سواء للحياة ذاتها أو لحياتنا نحن البشر فيها؟ هل الحياة بحاجة إلى عِلة لكي تُوجد، أو لكي تستمر؟ إذا كان، بالتأكيد لن تكون العِلة هي هذه الآلهة أو المبادئ السامية التي نسوقها، لأن الحياة وجدت ومستمرة من قبلها ومن دونها.

نحن نرهن وجود الأشياء والظواهر واستمراريتها وتمايزها وتنوعها عن بعضها البعض بشروط معينة كافية لكي نميز بواسطتها الثعلب من الرجل أو الجبل من البحر. ولكي تحتفظ الأشياء والظواهر بكيانها المميز لها عمن سواها، لابد أن تتوفر لها ما نسميها الشروط "الجوهرية"، أو هذه التي من دونها ينتفي وجودها المميز لها عن سواها؛ لا بحر من دون مياه، ولا جبل من دون حجارة وعلو. بجوار هذه الشروط الجوهرية وبالتزامن معها، هناك لا تزال شروط أخرى نسميها "عرضية"، أو هذه التي في وجودها أو غيابها على حد سواء تحتفظ الأشياء أو الظواهر بنفس وجودها وكيانها المميز، ولو بكفاءة ونوعية أدنى؛ الرجل سيظل رجلاً من دون ساق أو عين أو كثير من الأعضاء الثانوية غير الجوهرية الأخرى، ولو في وجود وكيان معاق وناقص بعض الشيء.

فيما يتعلق بشروط الحياة، لا يمكن للحياة لا أن توجد ولا أن تستمر من دون غذاء وماء وذكر وأنثى وتلاقح بينهما وحمل وإنجاب وما إلى ذلك. غياب أي شرط واحد من مثل هذه الشروط كافٍ وحده لكي ينهي الحياة كلها، ليس البشرية منها فحسب بل الحياة قاطبة. في المقابل، لن تخسر الحياة شيئاً كبيراً إذا ما تخلت عن آلهتها كافة، ومُثُلها ومبادئها العليا والسامية قاطبة. على أسوأ التقديرات، ستتدهور إلى مستوى حياة سائر الحيوانات والأنواع الحية الأخرى من حولنا، لكنها ستستمر.

هل يُستنتج من ذلك أن غاياتنا وأهدافنا النبيلة من الحياة لا تعدو أن تكون سوى شروط "عرضية" غير جوهرية لوجود واستمرار الحياة ذاتها؟ وأن شروط الحياة الجوهرية بحق هي ذات الشروط التي نتشارك فيها بالتساوي مع بقية الأنواع الحية من حولنا؟ هل يُستنتج من ذلك أن ما نسميها ازدراءً "الغرائز الحيوانية" فينا أنفسنا هي الأصل، والمُثُل والمبادئ لا تعدو أن تكون سوى مجرد فروع لهذا الأصل؟ أو، هذه المُثُل والمبادئ ذاتها كفروع الشجرة وأوراقها مجرد امتداد يخدم ويغذي أصلنا الحيواني الضارب بجذوره بعمق في تربة الحياة الكونية؟ ألسنا نخاف الآلهة ونتعبد إليها لشدة تشبثنا بالحياة وطمعنا فيها، حتى نمدها في الآخرة إلى ما لا نهاية؟

هل يُستنتج من ذلك أنه إذا ما انقلبت تعاليم أدياننا ضد حياتنا، لتخصم منها بدلاً من أن تعظمها، نستبدلها بأخرى تبشرنا بحياة ونعم أفضل كما فعلنا ولا نزال طوال تاريخنا؟ وإذا ما اضطهدتنا أوطاننا الأم وعذبتنا ونكّلت بنا وهددت حياتنا ذاتها، أن نخونها ونفر منها إلى غيرها أرحم بنا وأحرص على حياتنا منها؟ وإذا كان ثمن الرحمة والغفران فقدان حياتنا، أن نقسو إلى حد القتل؟ هل هناك في حياة الإنسان ما يمكن أن يُقدم على الحياة ذاتها؟ أو، هل هناك في الحياة غاية أرقى وأسمى من الحياة؟



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World