لماذا توقف العرب وتقدم الآخرون؟

عزالدين معزة
azzeddine.maza@yahoo.fr

2023 / 2 / 6

الإشكالية التي يطرحها هذا المقال البسيط، تدور حول أسباب تخلف وتحنط العقل العربي، أحيانا يطرح الواحد منا سؤالا جوهريا، هل حقا يحمل العرب عقولا في رؤوسهم مثل الاخرين؟ يقول محمد عابد الجابري في كتاب "تكوين العقل العربي" إن العقل العربي يفكر بطريقة معيارية. أي إنه يَختزل الأشياء في قيمتها فتضيق ولا يبقى لها مجالاً للتحليل أو بعد النظر. إنه قليلاً ما يتمكن من فعل العكس وهو التفكير بطريقة موضوعية وتحليل الأشياء من حوله.
لا يزال العالم العربي يغرق في وحل مشكلاته المتعددة والتي لا تنتهي وفي أزماته المستدامة التي تتمادى عاماً بعد عام، ولا يزال التساؤل عن سُبل الخروج من ذلك النفق المظلم الذي يعيش فيه العرب يتجدد، خصوصاً مع تدهور الأحوال والعجز العربي عن صياغة مشروع فكري قادر على أن ينهض بالبلاد العربية من كبوتها العقلي والاجتماعي والسياسي أيضًا.
هل يعود السبب في تخلف العقل عن عصره إلى الأنظمة السياسية الاستبدادية التي خلفت الاستعمار الأوروبي، أم إلى سوء فهم الدين، أم إلى طبيعة تراثنا وتاريخنا وثقافتنا؟
من أين يبدأ الإصلاح ومن يقوم به هل النخب المثقفة المُغيبة على الساحة العربية، أم يبدأ من السلط المتحكمة في الرقاب والثروات؟
الإصلاح السياسي ليس زراً يُضغط عليه فتنصلح الأمور، والنهضة ليست بالأمر الهين لأنه لابد من إعادة بناء الإنسان العربي أولاً وإعادة كرامته. وحينها فقط يمكن التخلص من "الدونية" التي تُسيطر على العقل العربي والتي تجعله يمتلك عامل "القابلية للاستعمار".
صفوة القول، لدينا أزمة ثقة في قدراتنا وإمكاناتنا، وهو سبب الفارق ما بين العرب والغرب، وما تلك المشاريع الفكرية إلا لكي نراجع قصورنا قبل اتهام الغير إن أردنا فعلا المشاركة في الحضارة الكونية على اقل تقدير، لم تكتسب العقلانية شرعيتها كـمـفهوم على الـمـسـتوى الـفـلـسـفي والسياسي. في الفكر العربي المعاصر ، فما يبرر عدم وجود العقلانية كممارسة قائمة على الإيمان بقدرة العقل و على تفسير المعقول و اللامعقول إلا أن الفكر العربي لا يزال عاجزا عن المواجهة اللاعقلانية السائدة، و عن تأسيس تنظير عميق لسيرورة مقترحة لعقلنة الواقع، أو على الأقل لعقلنة جوانب من الممارسة الواقعية، فهو لا يزال يعاني صدمة التحولات الكبرى التي تقع أمام عينيه دون أن يساهم فيها مباشرة، كما لا يزال يأخذ منها مواقف تحددها مرجعية ماضوية تقليدية عوض أن تكون مرجعية ذات معقولية واضحة مبنية على الاستبدال و التجريب.
العنوان يتمثل في تساؤل لا يلبث أن يطرح نفسه مرارا وتكرارا حين نلمس الفارق مع مجتمعات اخرى تجاوزتنا بمراحل تجربة وحضارة وخبرة.
وإن كان الامر هنا ليس الغرض منه جلدا للذات بقدر ما انه هو محاولة لإجابة سؤال شهير ظل معلقا منذ عقود: لماذا تقدم الآخرون، وتأخرنا نحن؟
بعبارة أكثر وضوحا: لماذا تفوق الغرب وتخلف العرب؟
الحقيقة مفكرون عرب حاولوا بتجرد كشف الخلل ومحاولة طرح الحلول لمعالجته لا سيما من خلال مشاريع فكرية لها طابع المنظومة الواحدة او الفكرة المتسلسلة.
كانوا على قناعة أنهم بذلك السلوك يكرسون دورهم التنويري والتثقيفي في مجتمعاتهم، لاسيما ان ما يجمعهم هو محصولهم الموسوعي والاهتمام بالتراث من منظور علمي ومعرفي وعقلاني، والرؤية النقدية للحداثة. ولذا تجد ان كل مشروع فكري بغض النظر عن اكتماله من عدمه إنما هدفه السعي للارتقاء بالمجتمع العربي علما ووعيا وقيمة. ولذا من باب الانصاف يعترف الكثيرون بأنه في النصف الأول من القرن العشرين جاءت موسوعة احمد أمين الثلاثية "فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام" بأجزائها المتعددة لتدشن مشروعا فكريا لافتا آنذاك في استيعاب التراث، منطلقا من الجذور الإسلامية، ولا زال المهتمون يعودون الى تلك الموسوعة حتى يومنا هذا.
ولذا ومن منطلق هذا التحليل، طرح البارزون من مفكري العرب في العصر الحديث المعاصر عدة مشاريع فكرية للإصلاح والتغيير وتعنى بالإجابة عن ذلك السؤال القديم -الجديد. وجالت تلك المشاريع الفكرية كما يعتقد البعض بين نماذج ثلاثة:
الأول تبناه عبد الله العروي وهشام جعيط وهشام شرابي وغيرهم. ويرتكز هذا المشروع على فكرة رئيسية تتمثل في استيعاب الفارق المهول بين العرب والغرب من حيث المسافة التاريخية وكيفية استيعابها، وشددوا بأن خارطة الطريق لتلك الرؤية وردم الهوة الشاسعة هو انه لابد ان تكون متزامنة بتنوير فكري وتطوير تقني وإصلاح وتجديد للخطاب الديني ليكون متسقا مع التحولات المجتمعية، مدللين بذلك على مسار النهضة الاوروبية التي استطاعت ان تنتقل للديمقراطية بالتمرد على عقلية القرون الوسطى آنذاك.
كما ان اصحاب هذا التوجه لديهم اعتقاد في أن القومية آنذاك افضت الى تجارب سياسية فاشلة وهشة ناهيك عن ضعف النخبة المثقفة وهشاشة مؤسسات المجتمع المدني التي لم تمتلك الشروط الموضوعية لنجاحها وبالتالي لم تكن قادرة على صناعة التحول والتغيير ما دفع المجتمعات لتكون رهينة للعصبوية بكافة اشكالها وتجلياتها، بدليل تحكمها في هويتها. ولعل المشهد اليوم في عالمنا العربي يعكس مصداقية هذه المقولة.
في حين اتجه المثال الثاني وهم من عاشقي قراءة التراث وتحليله ويتزعمه محمد عابد الجابري وحسن مروة ومحمد أركون وحسن حنفي، حيث يعتقد هؤلاء المفكرون ان المعضلة تتعلق بنقد العقل ولا شيء غير العقل على اعتبار انه منتج هذه الثقافة التي هي وفق رؤيتهم المهيمنة على وعي افراد المجتمع.
كانت جهودهم اقل ما يقال عنها بأنها جادة نزعت إلى إعادة قراءة التراث من خلال استخدام مناهج علمية حديثة، سعت إلى تحرير العقل العربي من كل القيود التي تكبله.
طبعا هم يركزون على تغيير التركيبة الثقافية والارتقاء بها وعياً وفكراً وثقافة، وهو تصور نخبوي بلا شك إلا انه يمس الادراك وجذر المشكلة. ولذا عندما طرح المفكر الجابري قضية القطعية المعرفية بين المشرق والمغرب، فإنما كان يسعى لطرح تصور لمشروع نهضوي ديمقراطي.
كان يرى أن العقل العربي ما هو إلا " جملة من المفاهيم والفعاليات الذهنية التي تحكم، بهذه الدرجة أو تلك من القوة والصرامة، رؤية الإنسان العربي إلى الأشياء وطريقة تعامله معها في مجال اكتساب المعرفة، ومجال إنتاجها، وإعادة إنتاجها" وصارت الثقافة العربية عبر هذا المفهوم لديه بمثابة "العقل العربي"، محددا أن بنيته تتفكك إلى ثلاثة عناصر معرفية: البيان والعرفان والبرهان.
غير أن الجابري نزع في مشروعه إلى قطعية معرفية مع الخطاب التقليدي اللاعقلاني، من اجل أن يؤدي إلى تأسيس فكر عربي معاصر عقلاني ديمقراطي بشرط أن ينطلق كما يرى من داخل العقل العربي بكل مكوناته من سياسية واجتماعية وتاريخية.
وان كان الجابري يُتهم بانحيازه المطلق لفكر الحداثة كونه ينتقد التراث، إلا أن هذه التهمة في تقديري غير صحيحة لأن موقفه من الحداثة هو موقف نقدي وتاريخي وعقلاني، ولذا هو يطالب بقراءة التراث قراءة نقدية على ضوء المناهج الحديثة، وعقلنة الأخلاق والعقيدة ناهيك عن السياسة التي رأى أن نهوضها لن يتحقق إلا بتحويل القبيلة إلى تنظيمات مدنية، والغنيمة إلى اقتصاد إنتاجي.
اما الخيار الثالث فهو الاتجاه نحو الاصلاح المتدرج بشرط ان يكون متوافقا عليه من قبل اطياف المجتمع وقد تناوله انور عبد الملك، والجابري في بعض طروحاته وغيرهم، ولعل ركيزة هذا المثال الذي يهدف للتغيير ترتبط بالتحالف بين تيارات مجتمعية تحديثية بما فيها الانظمة والنخب المثقفة والمؤسسة العسكرية ضد التيار الرافض للحداثة والتطوير والمعيق للتحول المجتمعي. أي بعبارة اخرى بلورة مشروع التحول من مختلف الاطياف المؤثرة عوضا عن الطبقة المتوسطة القادرة على إحداث التغيير.
لقد تناول المفكرون العرب العقلية العربية في ضوء مفاهيم متعددة مثل: العقل العربي، الشخصية العربية، والهوية العربية الإسلامية، والثقافة العربية، والتراث العربي الإسلامي. وقلما استخدم مفهوم العقلية بصيغته الأنتروبولوجية التي نجدها في الأعمال الفكرية الغربية وهي صيغة تتسم بالوضوح والعمق المعرفي. وهذا يعني بالمقابل أن مفاهيم الهوية والشخصية والثقافة تشكل مفاهيم متموجة وغامضة، وهي بالتالي أقل قدرة على تحديد الروح الثقافية للشعب أو للأمة أو للأفراد.
وهنا يجب علينا، عندما نريد أن نحدد موقف الباحثين العرب من العقلية العربية، أن نأخذ بعين الاعتبار التنوع في المفاهيم الموظفة في تحديد هذه العقلية. كما يتوجب علينا أن نميز بين هذه المفاهيم وفقا للصيغة التي تطرح بها ولاسيما التمييز بين المفاهيم التي تريد توصيف الفكر الإبداعي وبين هذه التي تحاول وصف الواقع الثقافي بصيغته الأنتروبولوجية بمعنى العقلية (الروح الداخلية للثقافة بما تنطوي عليه من محركات نفسية وعقلية وتصورات وقيم متكاملة في نسق واحد).
أغلب الدراسات والأبحاث العربية الجارية تصف العقلية العربية بأنها عقلية تقليدية نسجت على منوال التصورات الخرافية والسلفية والسحرية، التي تمانع كل مشاريع النهضة والتنوير والتقدم. وتؤكد هذه الدراسات من جهة أخرى أن الثقافة العربية التقليدية تشكل حاضنا للعقلية التقليدية ولمختلف القيم والمؤشرات التي تحرم الإنسان من مقومات الإبداع والتجديد والانطلاق. فهي تغذي قيم الخضوع للأمر الواقع، والقدرية، والقبول بما هو قائم، وتجرد الفرد من روح المبادرة، وتلغي لديه الشعور بالمسؤولية، وتضفي الطابع القدسي على أغلب جوانب الحياة بأسرها.
وفي معرض المقارنة بين العقلية الأوروبية والعقلية العربية يمكن القول بأن الأوروبيين قد تجاوزوا نطاق التفكير التقليدي وأصبحوا يتطلعون إلى عقل يتجاوز حدود الماضي والحاضر، عقل يمتلك زمام نفسه وينطلق إلى أبعد مسارات المستقبل، أما عندنا فلا زال العقل يعمل جاهدا من أجل اكتشاف ذاته وتحقيق أبسط مطالبه، حيث يقطع التقليد الطريق على التجديد، والقدامة تحارب الحداثة” ويتجلى غياب الحداثة وحضور السمات التقليدية في المظاهر التالية:
– غياب الفصل بين الدين والدولة على مبدأ الدين لله والوطن للجميع.
– غياب المواطن الحديث الذي ينتمي إلى الوطن لا إلى طائفة أو قبيلة.
– غياب الفردية التي شكلت الأساس الذي قامت عليه عمارة الحداثة.
– غياب حقوق الإنسان والديمقراطية مفهوما وممارسة في الوطن العربي
وترجع هذه الصورة السلبية التي يعاني منها العالم العربي إلى حالة تاريخية وعوامل حضارية ثقافية:” فالثقافة العربية محملة بما تركته عصور الانحطاط الطويلة من مفاهيم متخلفة ومن مقومات نفسية واجتماعية تحول دون التقدم. من مثل التواكل والتفسير السحري للأشياء وسيطرة الشكل والمظهر على المضمون والجوهر في شتى جوانب السلوك، وسيادة التسلط والقسر، والأحجام عن المهنة والمعرفة، وغير ذلك من أنماط السلوك الزائفة التي تسود وتهيمن في المجتمعات المتخلفة بعامة.
أعاد مفكرون معاصرون طرْح إشكال تخلفنا وتقدُم غيرنا بتواضعٍ وواقعية مُتسائلين ليس عن سر تخلُّف العرب والمُسلمين وتقدُم الغرب، بل عن سر تخلُّف العرب وتقدُم اليابان والصين وكوريا، وبعض هؤلاء كمحمد عابد الجابري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وعبدالإله بلقزيز وبرهان غليون وهشام شرابي وغسان سلامة وحامد أبو زيد... إلخ عزوا السبب لبنية العقل العربي، وثقافة البداوة والموروث الثقافي بشكلٍ عام، والشطط والانحراف في فهْم الإسلام وتفسيره، والاستبداد السياسي، وغياب الديمقراطية، والتبعية للغرب... إلخ.
واليوم نتواضع مُكرَهين في طموحاتنا وفى النماذج والقدوة التي نريد الاحتذاء بها، ولم نَعُد نُقارن حال العرب بحال أوروبا والأميركيتَين أو اليابان وكوريا والصين بل سنُقارن ونضرب المثل بنماذج من مجتمعات كان حالها كحالنا بل أقل شأنا في مرحلة ما قبل الاستعمار أو بعده مباشرة كالهند ودول إفريقيا.
ومن دون التقليل من شأن ما تم إنجازه في بعض الدول العربية والإسلامية، ومع الأخذ بعَين الاعتبار الجغرافيا السياسية للمنطقة وتأثير وجود إسرائيل في قلب العالَم العربي، نتساءل: لماذا نجحت شعوب العالَم الثالث التي كانت مثلها مثل الشعوب العربية تخضع للاستعمار والاستغلال الغربي كالدول الإفريقية والهند وغيرها في الخروج من دائرة التخلف والجهل ودخول عالَم الحداثة والتطور والديمقراطية، بينما الدول العربية، وباستثناء قلة منها، ما زالت تراوح مكانها، بل وتتراجع مكانتها على سلم التطور الحضاري؟
هل العقل العربي عصيٌ على الديمقراطية، وبنيته وموروثه التاريخي والديني مركَبة بطريقة تجعل دولنا في حالة رفض للديمقراطية؟ هل تحتاج بنية العقل العربي، وخصوصا السياسي، إلى تفكيك ومُراجعة وإعادة بناء.
لماذا العرب يتصرفون كالقُصر الذين يحتاجون دوما إلى من يوجِههم ويقودهم، وإن ولجوا المَسار الديمقراطي تكون ديمقراطيتهم مشوَهة وأبوية وموجَهة من الخارج وسرعان ما تنقلب إلى حكم استبدادي بواجهة ديمقراطية شكلية؟
لا نريد مُمارَسة جلد الذات أو الترويج لليأس وقطع الأمل بإمكانية تغيير حال العرب إلى الأفضل، بل نؤمن بأن دوام الحال من المحال، ولا بد للشعوب العربية أن تتغلب على مشكلاتها وأن تأخذ بناصية الحضارة والديمقراطية يوما ما، ولكنها خواطر وتساؤلات فرضت نفسها ودفعتنا للتفكير بصوتٍ عالٍ عسى ولعل الصوت يصل ويحدُث التغيير المنشود.
من الجيد الإحساس بالمشكلة ومن الجيد أكثر تلمُّس أو وضْع إجابات عن التساؤلات المرتبطة بالمشكلة أو السؤال عن سبب تعثُر العرب وتقدُم غيرهم، ولكن الأهم من كل ذلك هو كيفية تحويل الإجابات إلى استراتيجيات عمل؟ ومَن يأخذ بناصية الانتقال والتغيير؟ هل هي الأنظمة والنخب القائمة نفسها، والتي تماهت مع حالة التخلُف وأَنتجت التخلُف والاستبداد، أو أنظمة حُكم ونخب جديدة بثقافة وعقلية جديدة؟
للمقال مراجع



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World