مقاربة معرفية بين العلمانية والدين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 1 / 27

§ العلمانية والدين وجهان لعملة واحدة ونفس العملة- الإنسان
هذا يعني أن كل من العلمانية والدين هما وجهين ملازمين للإنسان منذ نشأته على الأرض، في كون فسيح ومخيف. بهذا المعنى، العلمانية هي رد الفعل الغريزي والفطري بغرض البقاء من جانب الإنسان تجاه عالمه الفيزيقي الواسع والمخيف بعدما اكتشف وجوده هناك. لكنه، بعدما تشكل لديه هذا الوعي الذاتي بوجوده هذا بدأ، في الوقت نفسه، يسأل: كيف أتيت هنا، ولماذا؟! عندئذٍ بدأت تتشكل وتُصقل نقوش وجهه الثاني- الدين.

§ العلمانية والدين ليسا من شروط الوجود
في المدينة حيث أقيم، هناك من الكلاب والقطط عبر الشوارع وداخل البيوت ما قد يناهز ربع إلى نصف عدد السكان. إذا أضفنا إليهم تعداد الطيور المحلقة في سمائها، والدواب والزواحف والحشرات فوق ترابها، وما تخفيه مجاريها وجحورها، سيتحول تعداد البشر إلى نقطة في بحر. فإذا أضفنا إلى كل هؤلاء ما تعجز عيوننا المجردة عن رؤيته من كائنات مجهرية تعيش داخل أجسادنا أنفسنا وعلى جلودنا وفي رؤوسنا وأسرتنا وملابسنا وكل مكان آخر حولنا، سنجد أنفسنا لا شيء تقريباً وسط هذا الكون الشاسع من الكائنات الحية، لدرجة لا يمكن معها رؤية وجودنا إلا تحت المجهر. كل تلك الكائنات الحية وأضعاف لا تحصى قد وجدت وتعيش حياة منظمة ومتطورة ومتكاثرة من دون علمانية ومن دون دين. علاوة إلى ذلك، الوجود الكوني عمره مليارات السنين، وحياة الإنسان فيه قد وجدت وممتدة منذ ملايين السنين، من دون علمانية ومن دون دين. فقط خلال عدة آلاف سنة الأخيرة من تلك الملايين السنين، عندما أَلِّفَ الإنسان العيش والتفكير المنظم المخطط المنتج للحضارة، بدأت معرفته بأشكال بدائية للغاية مما نسميهما اليوم "العلمانية" و"الدين".

§ العلمانية والدين كائنان معرفيان- نظريان
هما من خلق العقل والفكر المنظم قبل عدة آلاف السنين، على وجه التحديد في اليونان القديمة حيث كانت البدايات الأولى للفكر المنظم الممتد معنا حتى اليوم. في الحقيقة، الفكر أقدم بكثير جداً من عمر اليونان، ومنه العلماني والديني، لكنه كان غير منظوم ضمن نظرية متماسكة منطقياً ومستقلة ومتكفية بذاتها؛ كان، في الواقع، بلا روح (فلسفة) وبلا جسد (مؤسسة).

§ العلمانية والدين نظرتان حاكمتان متصارعتان
وحيث أنهما ينتميان إلى الجنس الحاكم ذاته، فلا سبيل إلى التعايش السلمي بينهما إلا بغلبة أحدهما على الآخر. غاية كل من العلمانية والدين حكم العالم، بمعنى فرض تفسيرهما لمجرياته. ولما كان العالم هو نفسه عالم واحد لا يقبل التجزئة، فالصراع بينهما حتمي لا مفر منه، لا ينتهي أو يهدأ إلا بمقدار غلبة أحدهما وتسليم الآخر بالهزيمة والإذعان للأول. لكنه، مع ذلك، ليس صراعاً وجودياً ينتهي بالقضاء على وجود الآخر بقدر ما يستهدف الأسبقية والهيمنة عليه؛ وتقع أشرس وأبشع معاركهما معاً حين تتعادل كفتي ميزان القوة بينهما.

§ العلمانية والدين طاقتان عظيمتان للعمران والدمار
قد نشأّ في ركاب الحضارة البشرية، وتطورا معها. وعلى مر التاريخ، ظلت الغلبة والأسبقية بنسب متفاوتة من عصر لآخر للدين على العلمانية عبر المعمورة كلها. ولم تغلب العلمانية وتحكم نظريتها إلا منذ بضع مئات السنين فقط، وفي بقعة محدودة من العالم فقط. ولأن الدين يقوم على تقييد قدرات العقل الفردي ورهنها لدى حلقة ضيقة من النخبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ظل الدين طوال التاريخ البشري لا يتعدى حجم القوة التقليدية القادرة على العمران والدمار، لكن ضمن حدود محسوبة وتحت السيطرة غالباً. في المقابل، تقوم العلمانية على تحرير العقل الفردي لكي يستكشف بنفسه قدراته الذاتية والعالم من حوله، بما يفجر طاقات فردية وجمعية بلا حدود للعمران والدمار، عجز الدين طوال آلاف السنين الطويلة من حكمه وهيمنته عن الإتيان بمثلها. فإذا كان الدين في قدمه وتقليديته أشبه بالنار اكتشفها الإنسان وسخر لأغراضه طاقة احتراقها منذ فجر التاريخ، العلمانية حديثة ومتطورة أشبه بعلوم الذرة وتوليد الطاقة النووية منها. قدرة الدين دائماً وأبداً محدودة في العمران والدمار مقارنة بالعلمانية التي قد غيرت وجه العالم بالكامل في غمضة زمن، وتستطيع نسفه من الوجود كليتاً في أقل من طرفة عين.

§ الدين لا يوصل أبداً إلى الديمقراطية، بينما العلمانية قد تفعل إذا ما توفرت الشروط المواتية
طيلة عمره الممتد حتى اليوم، لم يقدم الدين سابقة واحدة لقدرته على تأسيس أو صون ديمقراطية؛ ولن يفعل أبداً، لأنه يرسخ حكم القلة إلى حد تغييب الأغلبية الجماهيرية. في المقابل، خلال بضع مئات السنين الماضية فقط، كانت العلمانية هي المسؤولة عن تفجير ثورات جماهيرية غير مسبوقة في التاريخ مثل الثورتين الفرنسية والبلشفية، اللتان قدمتا نموذجاً مصغراً لما تملكه الجماهير من طاقات لا محدودة، وما ينتظر العالم من عمران أو دمار غير مسبوقين إذا ما أُحسن أو أُسيء استغلالها. بعد صراع دموي ومروع، ولما توفرت شروط أخرى لا غنى عنها لتوجيه هذه الطاقات الجبارة نحو العمران والرخاء، نجت أوروبا الغربية من حربين عالميتين وأرست تقاليد الديمقراطية والرفاهية وحقوق الإنسان. في المقابل، ولعدم توفر الشروط اللازمة الأخرى، لم تنجح البلشفية وكل الثورات الجماهيرية المنبثقة منها في تأسيس أي ديمقراطية، بل حكم أقليلة مثل الدين لكن ذو قوة ديكتاتورية وقمعية لم ينتج الدين لها مثيلاً طوال آلاف السنين.

§ العلمانية والدين باقيان طالما بقي الإنسان
هما وجهان- نظرتان للعالم- للإنسان نفسه، وجودهما من وجوده وبقائهما من بقائه. هكذا لا يطرح السؤال: أي منهما نختار أو عن أي منهما نستغني؟ لأنهما باقيان معاً ولا يمكن لأحدهما الوجود من دون الآخر. بل السؤال الصحيح: لأي منهما تكون الغلبة والأسبقية، في حيواتنا الشخصية وحياتنا العامة؟ أي منهما الحاكم الملزم قانوناً، وأيهما الطوعي المتروك لحرية الاختيار؟
،،، قد يُتبع ،،،،



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World