البصرة... مع كل الحب والتقدير

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2023 / 1 / 23

البصرة مدينة عربية الروح والجسد.. مدينة الفكر العربي .. انها مدينة التاريخ والحضارة.. تاريخها حاشد بالبطولات زاخر بالامجاد.. ناطق بالمكارم .فهي القلعة الاولى من قلاع العروبة والاسلام قامت على اقصى نقطة من صحراء الجزيرة العربية وادنى مكان من البحر. وهي اول حاضرة عربية اسلامية رفعت لواء العلم والفلسفة والتشريع والتصوف والادب, لتزدهر الافاق الحضارية بالعدل والمعرفة والسعادة . كانت البصرة واحدة من سبعة أمصار انبثقت منها أسس الحضارة العربية الإسلامية واغتنت جنباتها ,إلا أنها تميزت من سائر تلك الأمصار بكونها المدينة الوحيدة التي كان إسهامها الحضاري ثمرة لمزاوجة فريدة بين العلم والتجديد والابتكار. وقد أثبتت البصرة عبر تاريخها الحافل بالابتكار والتجديد في العلم والفكر والأدب ,أن تطور العلوم رهن بعدد قليل من العلماء المبدعين الذين لا يهدأ بالهم بترديد ما تعلموه ولكن بتطوير ما تعلموه. يلاحظ المتتبع لتاريخ البصرة إن الجديد المبتكر في الفكر والعلم والأدب كان في الغالب ينبع من إعلام هذه المدينة المتميزة في موقعها والمتفردة في تكوينها الاجتماعي .
ففي مدينة البصرة وضع أبو الأسود الدؤولي أسس النحو العربي مقسما كلام العرب ـ اول مرة في تاريخهم ـ على اسم وفعل وحرف ,وفاتحا بذلك الباب واسعا أمام علم جديد هو علم النحو. ثم برز في هذه المدينة أيضا سيبويه والمبرد وغيرهما ليكملوا ما بدأه أبو الأسود ويضيفوا إليه. وقبل ذلك كانت العرب تتكلم على السماع من دون ان تعرف لماذا ترفع هذه الكلمة وتنصب تلك. وفي مدينـة البصرة وضع الخليل بن احمد الفراهيدي بحور الشعر العربي ـ مبتكرا اول مرة في تاريخ العرب ـ ميزانا علميا باهر الدقة للشعر الذي هو ديوان العرب. وقبل الخليل كانت العرب تنظم الشعر على السليقة من دون قاعدة دقيقة يمكن الاحتكام إليها ,وقد بقيت أوزان الخليل هي المعيار الأوحد لموسيقى الشعر العربي لا يحيد عنها الشعراء على مدى اكثر من ثلاثة عشر قرنا ,حتى خرج عليها شاعر فذ من أبناء مدينة البصرة نفسها تميز بالابتكار والتجديد هو بدر شاكر السياب رائد الشعر الجديد. وفي مدينة البصرة وضع الخليل أيضا أول معجم في اللغة العربية وهو (العين) متبعا فيه أسلوبا فريدا في ترتيب الحروف أكثر منطقية من التسلسل الهجائي أو الأبجدي، يتمثل في قراءتها على وفق مخارجها في الحلق، مبتدئا بالحروف التي تخرج من عمق الحلق (مثل العين) ومنتهيا بالحروف التي تلفظ من الشفاه، (مثل حرف الواو). وفي مدينة البصرة وضع الحريري (مقاماته) التي تعد بحق اول محاولة في التاريخ العربي لتأسيس فن لم يكن معروفا لديهم من قبل وهو فن القصص.
وفي مدينة البصرة، وضع الجاحظ كتابه (الحيوان) وغيره من الكتب، ووضع ابن دريد كتاب الجمهرة والمقصورة، ووضع المبرد كتاب الكامل. ومنها خرج الفرزدق وجرير صاحبا النقائض، وبرز الاصمعي والماوردي، ونبغ الحسن بن الهيثم في علم الرياضيات والبصريات، والف اخوان الصفا رسائلهم المعروفة في الفلسفة وعلم الكلام. وبقيت البصرة، على مدى قرون عديدة، مركزا مهما من مراكز الثقافة والاشعاع الفكري، ويقي معها مسجدها الجامع صرحا علميا يخرج العلماء والفقهاء خلال عهد الامويين وصدر الخلافة العباسية، ذلك ان جامع البصرة لم يكن مكانا لاقامة الصلاة فقط، وانما كان مدرسة علمية يؤمها الدارسون من مختلف أرجاء العالم الإسلامي للتزود بالوان المعرفة على يد علماء أعلام اتخذوا منه مكانا لتعليم العلوم العربية الاسلامية .. فتخرج فيه آلاف الدارسين الذين برزت منهم أسماء لامعة خلد التاريخ أصحابها لما أنجزوه من أعمال فذة وتركوا من اثار نادرة .فهذا صوت إمام الهدى والفضيلة علي بن أبي طالب (ع) يدوي في أرجاء المسجد الجامع، اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .. تفتح أرضا يقال لها البصرة أقوم أرض الله قبلة .. قارئها أقرأ الناس وعابدها أعبد الناس وعالمها أعلم الناس ومتصدقها أعظم الناس صدقة .
وهذا ما ظهر جليا للقاصي والداني في حسن إستقبال وكرم ضيافة أهل البصرة , لجميع الوافدين إليها من دول الخليج العربي بمناسبة إقامة بطولة خليجي 25 على أرضها المعطاء , متناسية كل أحداث الماضي ومآسيه وبرغم أن حال أهلها لا يسر عدو أو صديق , حيث يكابدون بشق الأنفس من أجل كسب قوتهم ومعيشتهم اليومية .
وفي تاريخها الحديث غدت البصرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واحدة من المراكز التجارية المرموقة في العالم بسبب التغيرات الهائلة في التجارة الدولية، وخاصة في تجارة الخليج العربي. وظلت محتفظة بالزعامة التجارية طيلة فترات التاريخ اللاحقة .وها هي اليوم تحث الخطى لإستعادة ألقها ومجدها التليد ,فحري بجامعة البصرة .. جامعة بصرة الخير والعطاء, أن تتحمل مسؤولية إستعادة البصرة لدورها الريادي في الثقافة العربية , بروح جديدة ونهج جديد في مد الجسور مع كل من يهمه أمر الثقافة والفكر والأدب في بلادنا الناهضة بإذن الله. بها, عبر مزاوجة واعية بين النظرية المتطورة والممارسة المثمرة من خلال حركة الواقع بكل تحولاته خدمة للمجتمع ومؤسساته المختلفة, وأن تتطلع دوما إلى تخليد هذه المدينة العريقة .
عانت البصرة كثيرا في العقود الأخيرة , بسبب الحروب والصراعات التي دارت فيها وعلى مقربة منها , جعلت منها مدينة خاوية على عروشها , بعد أن كانت درة الخليج وأجمل ما فيه , يؤمها أهالي الخليج للراحة والإستجمام والتمتع بمناظرها الخلابة . وبرغم ما تتمتع به البصرة من أهمية ستراتيجية للعراق بكونها المنفذ البحري الوحيد له , وإطلالته الوحيدة على الخليج العربي , وتحاذي ثلاث دول هي إيران والكويت والمملكة العربية السعودية , وهي المصدر الرئيس لثروته النفطية , إلاّ أنها عانت وما تزال تعاني من الإهمال والحرمان , وهذا ما لمسته وعايشته في البصرة التي عشت فيها نحو ربع قرن من الزمان, حيث كان يتعذر فيها على ساكنيها شرب المياه الصالحة للشرب , إذ يذكر أحد محافظيها الذي تولى إدارتها عام 1991 في تصريح له منشور بمجلة ألف باء العراقية يومذاك, أنه وجد البصرة تشرب من مياه مجاريها بسبب إختلاطها بمياه الصرف الصحي . وما زالت البصرة حتى يومنا هذا تشكو من نقص مياه الشرب وملوحتها , فضلا عن تلوث بيئتها بسبب كثرة المقذوفات الحربية التي تعرضت إليها وعدم معالجتها بالسرعة اللازمة, الأمر الذي أدى إلى إنتشار الأمراض السرطانية بين سكانه بصورة غير مسبوقة وبمعدلات تفوق مثيلاتها في المحافظات العراقية الأخرى , كما ساءت أحوالها البيئية أكثر بسبب الإنبعاثات الغازية من منشآتها النفطية التي يفترض الإستفادة منها , بدلا من هدرها وتلويث البيئة .
لم تنصف البصرة أبدا على مر العصور , على الرغم من مكانتها الحضارية المتميزة , وكونها أحد ثلاث ولايات ( بغداد والموصل والبصرة ) التي تشكلت منها دولة العراق الحديث, لم يتبؤ أي مواطن بصري منصب رئاسة الوزراء في مختلف العهود أبدا , بخلاف ما عليه في المحافظات الأخرى , بغداد والموصل وذي قار وبابل وصلاح الدين وكربلاء وغيرها , ويندر توليهم مناصب قيادية في الدولة ,على الرغم من مشاركتهم الواسعة في أنشطة جميع الأحزاب السياسية بتوجهاته المختلفة , إن لم يكونوا في طليعة معظمها وتكبدهم الكثير من الخسائر المادية والبشرية , فهم أول من يضحي وأخر من يستفيد.
ولعلها المرة الأولى التي تحضى فيها البصرة , بتنظيم نشاط رياضي خارجي مرموق بهذا المستوى الرفيع, بمشاركة دول الخليج العربي , بعد أن تم تشييد ملاعب ومرافق رياضية تليق بهذا الحدث الرياضي , على أمل رفع الحظر الدولي عن إقامة المسابقات الرياضية الدولية في العراق بدواعي أمنية . ويتوقع أن يؤدي النجاح الباهر بتنظيم " خليجي 25 " الذي أبدعت وأجادت فيه البصرة , إلى فتح الطريق لرفع الحظر الدولي المفروض على العراق .
لقد أكد هذا الحدث الرياضي لمن كان يساوره شكا , وحدة العراقيين وتلاحمهم وحبهم للعراق بصرف النظر عن إنتماءاتهم القومية والدينية والطائفية , وفشل كل محاولات أعداء العراق, تفريقهم وشق صفوفهم بدعاوى باطلة لا تمت للعراق والعراقيين بصلة . فهنيئا للبصرة الفيحاء التي وحدت العراقيين بهذا الحدث الذي أدخل البهجة والفرح في النفوس التي أتعبتها النزاعات العبثية المفتعلة , وبورك كل جهد مخلص لخدمة العراق وشعبه . وألف تحية حب وتقدير للبصرة المعطاء ثغر العراق الباسم أبدا بإذن الله.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World