اتحاد الديمقراطيات الشعبية العربية

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 1 / 21

حُلْم الوحدة يطاردنا ولا يزال منذ عقود عديدة، لكنه لم يبرح قط أدمغتنا لينزل أرض الواقع. وكلما شاهدنا نماذج ناجحة عبر أركان العالم المختلفة، وعرفنا أن ما يجمع بينها في الحقيقة قليل ومتواضع للغاية مقارنة بما لدينا، تملكتنا مشاعر الحسرة والأسى على ماضينا المُهدر وحاضرنا المُتعثر ومستقبلنا المُهدد. وكنا دائماً ولا نزال ننسى أو نجهل حقيقة كوننا بالفعل ربما الرقعة الأعظم وحدة على الإطلاق في العالم كله منذ أكثر من ألف سنة وحتى اليوم. لكننا في الوقت نفسه، ورغم وحدتنا الفريدة من نوعها تلك، لا نزال نقف عاجزين، حاسدين، نادمين أمام نموذج حديث العهد جداً لا تنفك دول الاتحاد الأوروبي تصطاد به أحلامنا ليل نهار، لتُبقى جذوة الحسرة والندامة في مخيلتنا متقدة ومؤلمة.

تريو عرب نايت، أو تريو الريا ض، حفلة غنائية ضخمة أقيمت مؤخراً في العاصمة السعودية الرياض جمعت بين أشهر المغنيين والمغنيات العرب وأعلاهم أجراً ممن يحملون جوازات سفر وجنسيات معظم البلدان العربية من الخليج إلى المحيط. صناعة الغناء والترفيه توحد بين شعوب المنطقة بأكثر مما يوحد أي منطقة أخرى حول العالم. الكلمة الرقيقة واللحن الجميل والصوت العذب تحلق عالياً عبر الأثير وتجتاز التضاريس الوعرة والأسلاك الشائكة على الحدود الفاصلة بين الدول، لتتلقاها آذان الجماهير العربية وتتمايل على موسيقاها أجسادهم وتثير في أفئدتهم المشاعر والأحاسيس الفياضة. هي صناعة شعبية بامتياز، لا تملك حيالها الحكومات وسائل كثيرة لضبطها والسيطرة عليها أسوة بأنشطة شعبية وجماهيرية أخرى. كما أنها اليوم، بفضل التقنيات ووسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي المعاصرة، الأسرع والأكثر انتشاراً وتأثيراً وربحية، ما جعلها تتفوق حالياً على الصناعة الدينية التي ظلت متربعة على القمة الشعبية طيلة العقود الماضية. وربما ذلك تحديداً هو ما قد لفت إليها انتباه الرياض مؤخراً ودفعها ليس فقط إلى أن تحذو حذو عواصم عربية قد سبقتها على هذا المضمار مثل القاهرة قديماً ودبي حديثاً، بل التصميم على تجاوز الجميع أيضاً.

وحيث أن حديثنا هنا لا يزال جارٍ على المستوى الشعبي، فمن عادات الشعوب جميعاً التردد ذهاباً وإياباً في الوقت نفسه، وربما في اللحظة ذاتها، فيما بين طرفي النقيض: المجون والورع، الذنب والتوبة، أو الغناء والدين. أحياناً يتقدم الدين على الفن كما كان الحال عبر منطقتنا حتى سنوات قليلة، ثم في أحيان أخرى تنعكس الآية وتتصدر المشهد مشاعر البهجة والحيوية والمجون والإقبال على ملذات الحياة. لكن في جميع الأحوال يبقى هذان الطرفان النقيضان متلازمين ومكملين لأحدهما الآخر، لا يستغني أحدهما عن الآخر، في جدلية أشبه بتعاقب الليل والنهار دون أسبقية مؤكدة لأي منهما على الآخر. كما الأغنية، لا شك أن الآذان والقرآن والخطب والمواعظ الدينية يجلجل صداها عبر أبواق المآذن وأثير الإذاعات والبث المباشر وكافة وسائل الاتصال، لتغسل وجه المنطقة كلها من المحيط إلى الخليج، على مدار الساعة ودون انقطاع، وتلتقطها آذان المريدين وتُسكرهم ورعاً وخِشية بسحرها تماماً كما ينتشون شهوة وحيوية بسحر الموسيقى. هكذا نحن- في الدين كما في الغناء- متحدون بأكثر مما يوحد أي منطقة أخرى حول العالم. مع ذلك، يبقى الترفيه والدين صناعتين شعبيتين بامتياز، لا تملك حيالهما الحكومات والجهات الرسمية كثير من وسائل الضبط والسيطرة بما يحول دون انتشارهما بسهولة عبر الحدود، سواء كوافدة إلي الإقليم رغم حظر استيرادها أو كمهاجرة منه حتى لو من داخل سجونه ومعتقلاته.

بعد الغناء والدين، وعلى مسافة بعيدة، يأتي الفكر والثقافة، أو الهم النخبوي، في المرتبة الثالثة من حيث الشعبية والقدرة على الإفلات من رقابة وسيطرة الحكام. وهو الآخر، مثل الغناء والدين، منتشر ومفهوم ومؤثر عبر المنطقة كلها، ولو على نطاق محدود ورغم المنع والحظر المتكرر. الكتاب الذي يُطبع في لبنان، مثلاً، يوزع ويُقرأ ويُفهم في كل الدول العربية بلا استثناء، من المغرب حتى قطر والبحرين.

نحن جميعاً نتحدث اللغة نفسها، نغني ونستغفر ونفكر بها. وكل التراث الشعبي من غناء ودين وفكر مبني على اللغة، التي بطبيعتها كائن رمزي افتراضي من دون جسم محسوس لإمساكه منه، ومن ثم تعجز الحكومات العربية عن ضبطه والسيطرة عليه مثلما تفعل مع أنشطة مجتمعية أخرى. لكن، مع ذلك، هل تكفي اللغة وحدها لإقامة الوحدة التي ننشدها وتطاردنا كالكابوس منذ أمد بعيد، وعلى الطراز الأوروبي تحديداً؟

في الماضي كانت الوحدة تُفرض علينا بالغلبة وقوة السيف. القائد الذي ينجح في حشد جيش جرار يزحف به ويوحد غصباً تحت سلطته من حواضر المنطقة وقراها وبدوها بقدر ما يملك هذا الجيش من قوة لإخضاعهم وإبقاءهم تحت السيطرة. وللمفارقة أنه لولا هذا الغزو وسفك الدماء المتكرر طيلة مئات السنين عبر تاريخ المنطقة الحافل بالحروب لما كان قد تراكم لديها هذا الإرث الثقافي والحضاري الضخم والفريد من نوعه. غير أن قواعد هذه اللعبة السياسية الدموية قد تغيرت إلى غير رجعة وطويت صفحتها للأبد في كتب التاريخ مع مطلع القرن التاسع عشر، حين بدأت تتسرب وتتغلغل إلى المنطقة مؤثرات ومفاهيم وممارسات ومؤسسات الدولة الوطنية الحديثة. ومع مطلع النصف الثاني من القرن نفسه، كانت أسس ومرتكزات الدولة الوطنية العربية قد ترسخت عبر المنطقة كلها. وقتها- بعدما طُويت صفحة استخدام القوة- ظن أحد الزعماء العرب أن كلمات خطبه المُلهبة والمُؤججة لمشاعر الوطنية ومناهضة الاستعمار عبر أفئدة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج من ميكروفون الإذاعة كافية وحدها لإقامة الوحدة المنشودة. لكن المحاولة باءت بفشل ذريع وبرهنت له بالدليل القاطع على مدى جهالته وحماقته. الخُطَبْ، مثل الغناء والقرآن والنظريات، هي مجرد كلمات أثيرية قادرة على التحليق عالياً عبر السماء متحررة من كافة القيود، لكنها في الوقت نفسه تبقى غير كافية أبداً وحدها على أن تخلق واقعاً جديداً على الأرض، أو حتى تغير ما هو قائم. في المقابل، كانت جامعة الدول العربية واقعاً حقيقياً مُؤسساً على الأرض وقادرة على أن تخلق جديداً وتغير من القائم. لكنها كانت ولا تزال مجرد نادي عضويته حصرية على الحكام ونخب المتنفذين المتحالفين معهم لتسوية الحسابات وإبرام الصفقات فيما بينهم، وبما يخدم مصالحهم الضيقة.

ربما نحن ننسى أو نجهل حقيقة أن أوروبا قد ظلت طيلة آلاف السنين قبل الميلاد وبعده، وحتى منتصف القرن الماضي، مسرحاً لأشرس الحروب وأكثرها عدداً وأطولها عمراً وأشدها فتكاً وأبشعها دموية وخراباً، انتهاءً بالحرب العالمية الثانية قبل نحو 70 سنة فقط. كما ننسى أو نجهل أن الاتحاد الأوروبي لا يتعدى عمره اليوم 30 عاماً (وُلد في 1 نوفمبر 1993) من جملة هذه السنوات السبعين التي صمتت خلالها أصوات المدافع والانفجارات. ولم نسأل أنفسنا: ما الذي قد استجد على أوروبا خلال هذه السنوات السبعين الأخيرة من عمرها، وعلى وجه التحديد العقود الثلاثة الأحدث منها؟

كانت أشكال الديمقراطية النخبوية، الإقصائية شائعة وممارسة بالفعل عبر أجزاء متعددة من أوروبا قبل زمن طويل من ميلاد فلاسفتها العظماء سقراط وأفلاطون وأرسطو. لكن هذا النوع من الديمقراطية المغلقة والضيقة، مثلها مثل الحكم الاستبدادي المطلق، لم تفلح لا في توحيد القارة بالشكل الذي هي عليه اليوم ولا في تجنيبها ويلات الحروب المدمرة كما جرت عاداتها منذ القدم. وكانت الحرب العالمية الأولى والثانية الأكثر شراسة ودموية عبر تاريخ البشرية كله، لا يفصل بينهما سوى أعوام قليلة فقط. ثم بعد الحرب الثانية وربما بسببها، بدأت الديمقراطيات الأوروبية الأرستقراطية تشهد تغيراً جوهرياً في بنيتها الهيكلية- اتسعت لتشمل كل المواطنين دون أي تمييز على أساس الجنس أو العرق أو لون البشرة أو الدين أو اللغة أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو خلافه. عندئذ حصلت أخيراً جماهير غفيرة من البيض الفقراء والنساء والسود والملونين والدهماء والغوغاء من مجانين الفن ومجاذيب الدين، جنباً إلى جنب وعلى قدم المساواة التامة مع النخب الأرستقراطية والبرجوازية والفكرية، على حقوق المواطنة والمشاركة الكاملة في العملية الديمقراطية. في قول آخر، نشأت لأول مرة في أوروبا بعد آلاف السنين من ولادة الديمقراطية في أثينا، وعبر عمرها الممتد والمتقطع حتى تفجر الحرب العالمية الثانية، ما نسميها اليوم الديمقراطية الشعبية، الشاملة التي تستوعب السواد الأعظم من العامة المستبعدين في السابق من معادلة الحكم والسياسة. وكان هذا النوع الشعبي من الديمقراطية على وجه التحديد والحصر هو ما أطلق طاقات المجتمع المدني عبر الأقطار الأوروبية، التي ظلت تتفاعل وتنضج داخل حدود دولها الوطنية على مدار أربعة عقود، لتتمدد خلال الثلاثة الأخيرة وتصب في نهر الاتحاد الأوروبي المشترك في بروكسيل.

حلم وحدتنا لن تحققه لنا القوة كما دأبت في الماضي، ولا كلمات الأغاني والصلوات والشعارات التي يتردد صداها عالياً عبر سماء المنطقة. مهما غنينا وصلينا ورددنا الشعارات وقرئنا الكتب نفسها، كل ذلك لن يقربنا خطوة واحدة من حلم وحدتنا، ولا يحمل أكثر من بشرى سارة على أن تراثنا الثقافي والحضاري المتراكم بحد السيف عبر تاريخنا الماضي لا زال نابض بالحياة ومفعم بالطاقة والحيوية. لابد من تغيير قواعد اللعبة السياسية، ليصبح نفس هؤلاء المجانين والمجاذيب طرفاً فاعلاً فيها، وليست حكراً على بعض النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسلطة. وهذا لا يحققه سوى ديمقراطية شمولية وشعبية، تحرر طاقات المجتمع المدني. من دون ذلك، سنظل نرقص مع الأغاني ونؤدي الصلوات ونقرأ الكتب فُرَادى خلف أبواب مغلقة، بعيداً عن الفضاء العام الذي يبقى فقيراً وهشاً وخاوياً من كل حراك عدا أجهزة الدولة الأمنية والنخب المتحالفة معها.

لا وحدة عربية حقيقية وفعالة من دون منظمات مجتمع مدني حقيقية وفعالة داخل كل دولة عربية أولاً؛ ولن توجد منظمات المجتمع المدني الحقيقية والفعالة داخل أي دولة عربية من دون أن تترسخ فيها مبادئ وممارسات الديمقراطية الشعبية أولاً، ولفترة ليست بالقصيرة من الزمن. بخلاف ذلك، سنظل نحلم ونتحدث عن وحدة ضائعة طول العمر، دون جدوى.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World