النظام العالمي الجديد ومستقبل العالم 3-3

راندا شوقى الحمامصى
randa9992001@gmail.com

2023 / 1 / 10

طبقا للعقيدة البهائية فإن الفترة الحالية من المعاناة والصعاب ستبلغ ذروتها في شكل اضطرابات روحية وجسدية واجتماعية وعلى مستوى العالم . هذه الأزمات تشير إلى نهاية المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الإلهية . أشار حضرة بهاء الله إلى تلك الأزمات بما يلي :
" إنا قد جعلنا ميقاتا لكم فإذا تمت الميقات وما أقبلتم إلى الله ليأخذنكم عن كل الجهات ويرسل عليكم نفحات العذاب عن كل الأشطار وكان عذاب ربك لشديد ".
المرحلة الثانية من تقدم البشرية نحو النظام العالمي يمكن ملاحظتها من خلال تحقق "السلام الأصغر" أو "الصلح الأصغر" . وعلى ضوء البيانات الواردة في الكتابات البهائية يمكن القول بأن المرحلة الثانية هذه يمكن اعتبارها توقفاَ مستمراَ للحروب أكثر منه من سلام دائم شامل وعالمي . فالسلام الأصغر هو اصطلاح لوصف السلام أو التقارب السياسي الذي ستصل إليه شعوب العالم من خلال الاتفاقيات الدولية . أما المظهر الرئيسي للسلام الأصغر هو وضع إجراءات دولية للأمن الوقائي لوضع حد للحروب بين الدول والشعوب . ستكون هناك اتفاقية رسمية تدعمها كافة شعوب الأرض مبنية على مبدأ " الأمن الجماعي " و تنص على أن تهب كافة الأمم جماعيا لردع أي معتدي . وفي هذا السياق يقول حضرة بهاء الله :" إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلا عدل مبين".
وشُرح :
" عليهم - قادة العالم - توقيع معاهدة ملزمة للجميع ووضع ميثاق بنوده محددة ، سليمة ، وحصينة . وعليهم أن يعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يحرزوا موافقة الجنس البشري بأسره عليه … كما ينبغي تسخير كل قوى البشرية لضمان هذا الميثاق الأعظم ولاستقراره ودوامه . ويعّين هذا الاتفاق الشامل بتمام الوضوح حدود كل دولة من الدول وتخومها ، وينص نهائيا على المبادئ التي تقوم عليها علاقات الحكومات بعضها ببعض ويوثق أيضا المعاهدات والواجبات الدولية كلها … والمبدأ الأساسي لهذا الاتفاق الرصين يجب أن يكون محدداَ بحيث إذا أقدمت أي حكومة فيما بعد على انتهاك أي بند من بنوده هبت في وجهها كل حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التام ، لا بل إن الجنس البشري كله يجب أن يعقد العزم بكل ما أوتي من قوة على دحر تلك الحكومة . فإذا ما اعتمد هذا الدواء الأعظم لعلاج جسم العالم المريض ، فلا بد أن يبرأ من أسقامه ويبقى إلى الأبد سليما ، مطمئنا ومعافا ".
يؤمن البهائيون بأن السلام الأصغر سيتحقق قريبا بعد نهاية الفترة الحالية من الأزمات والمصاعب والتغييرات الاجتماعية ، وانه لاشك في أن هذه المآسي ستكون ذلك المؤثرالرئيسى في الضغط على الأمم والشعوب لوضع حد للحروب مهما كلف الثمن .
وما السلام أو الصلح الأصغر إلا مقدمة ضرورية للمرحلة الثالثة من ظهور النظام العالمي وهي مرحلة ستتحقق بالتدريج ودعاها بهاء الله بمرحلة " السلام الأعظم ". إن بزوغ هذه المرحلة كما قال حضرته سيتزامن مع ظهور النظام العالمي . ولكن السلام الأصغر سيتحقق بواسطة " شعوب الأرض الغافلة عن ظهور حضرة بهاء الله والتي تنفـذ مبادئه بصورة لا إرادية " . أما السـلام الأعظم فسيتحقـق بعد " الاعتراف بمميزات وأحقية دعوة بهاء الله".وكما يعتقد البهائيون فانه خلال تطور البشرية من مرحلة السلام الأصغر إلى مرحلة السلام الأعظم ستقر الشعوب تماما بدعوة حضرة بهاء الله وستقبل بمبادئه وتطبقها غالبية أفراد الجنس البشري .
يمكن اعتبار النظام الإداري البهائي نظام جنيني للنظام العالمي المستقبلي . فإن مؤسسات وقوانين النظام الإداري البهائي مقدّر لها أن تصبح " نموذج للمجتمع المستقبلي ، وهذا النموذج يعتبر أداة جيدة لتأسيس السلام الأعظم ووسيلة لوحدة العالم وإعلان العدل والمساواة والخير والرفاهية لعموم البشر ".
إن رؤية السلام الأعظم يتوافـق مع رؤيا حبقوق فـي التوراة والتي تشير إلى الزمن الذي " سيعّم الأرض العلم الإلهي وعظمته مثلما يملأ الماء البحر " (سفر حبقوق - إصحاح 2 - آية 14) إنه دلالة على " شفاء الشعوب " الموعود في رؤيا يوحنا اللاهوتي بالإنجيل (سفر رؤيا - إصحاح 22 - آية 2) . هذا السلام لن يأتي بحضارة عالمية فحسب بل بروحانية تشمل الشعوب والقبائل جمعاء . إنه يمثل " قدوم العصر الموعود لكافة أركان الجنس البشري ".
" عندها ستولد الحضارة العالمية وتزدهر وتخلد نفسها ، وستكون حافلة وخصبة بالحياة بحيث لم ير العالم شبهها ولم يتخيلها أحد من قبل . عندئذ سيتحقق العهد الأبدي بشكل كامل وتتحقق الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة السماوية وتتحقق جميع النبوءات التي وردت على لسان النبيين والمرسلين ويتجلى ما تغنى به ذووا البصيرة والشعراء في رؤاهم . وعندها ستنعم الأرض بدين عالمي باله واحد أحد ، ويكون ولاؤهم وإخلاصهم لدين واحد . وعندها ستعكس الأرض،على الرغم من بعض العثرات ، ذلك الجلال والعظمة المتلألئة من سلطنة حضرة بهاء الله الملكوتية … وتصبح الأرض جنة من الملكوت الأبهى وقادرة على تحقيق ذلك المصير العظيم الذي قدّره الخالق لها منذ الأزل بفضل محبّته وحكمته ".
يعتقد البهائيون بأن الإرادة الإلهية تعمل في اتجاهين أو على مستويين . فمن جهة هناك الإرادة الإلهية المطلقة الموجودة في كل مكان والتي تدخل في قلب كل حدث في تاريخ البشرية وتبدو في الظاهر غير ذي بال . إلا أن كل شيء على المدى البعيد يخدم الهدف الإلهي في توحيد الجنس البشرى . ولهذا السبب يدعم البهائيون الكثير من القضايا العالمية والإنسانية ويحاولون أن يستثمروا الجوانب الإيجابية من القضايا الأخرى حتى لو لم يوافقوا على بعض جوانبها .
ومن جهة أخرى ، يؤمن البهائيون بأن دينهم و نظامه الإداري يمثلان حلقة وصل بين المشيئة الإلهية والعالم الإنساني في هذا العصر ، وبه تسري روح الوحدة ونهجها وتتغلغل في شؤؤن البشر . ولهذا يرى البهائيون بأن وظيفتهم الرئيسية هي أن يكونوا بمستوى كمال تلك الأداة الممنوحة من الحق تبارك و تعالى للبشرية . وعندما يبدأ نفوذ هذا الظهور الجديد في التغلغل في جسم البشرية ككل سيأخذ السلام الأصغر بالتحول تدريجيا إلى السلام الأعظم وسيدرك الناس إرادة الله سبحانه وتعالى للجنس البشري ويشهدون تأسيس ملكوت الله على الأرض .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World