الفكر في الهُراء

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 1 / 1

نحن كأفراد نمارس التفكير يومياً وفي كل لحظة طوال حياتنا بغرض قضاء حوائجنا المعيشية وإشباع شتى جوانب وجودنا البشري المادية والروحية. كل واحد منا لا يتخذ قراراً في أبسط الأمور إلى أشدها تعقيداً إلا بعد فحص ودراسة متأنية، وموازنة دقيقة بين البدائل المتاحة والجهد والمال المنفق والعائد المتوقع وخلافه، كل ذلك بنفسه وبصرف النظر عن تجارب الآخرين أو أقوالهم ورواياتهم السابقة بخصوص الأمر ذاته. وفي ذلك، نحن نتساوى تماماً مع كل البشر في كل أنحاء العالم، من أشدها فقراً وتخلفاً إلى أكثرها غنىً وتقدماً.

غير أننا، كأفراد، ونحن نفكر ونعيش على هذا النحو الطبيعي والمفيد والمنتج لذواتنا لا نفكر ولا نعيش في فراغ. بل نحن نفعل ذلك من داخل أحواز أو فضاءات افتراضية عملاقة لا يشعر بوجودها معظمنا، لكنها في الحقيقة هي التي تُملي الحدود والضوابط النهائية لكيفيتي الفكر والعيش الفرديين من داخلها، تسعى دائماً إلى ضبطهما وتوجيه مسارهما نحو خدمة الغايات الأعظم للجماعة ككل؛ وفي أثناء ذلك، تؤثر في الفائدة والإنتاجية العامة لفكر الأفراد ومعيشتهم المعتمدة على تفكير كل منهم في مصلحته الخاصة، فإما أن تدعم هؤلاء الأفراد في تدبيرهم سبل حياتهم المادية والمعنوية أو تعرقل مساعيهم بحدود وضوابط لا تمت بصلة لواقع حياتهم الفعلية وبالتالي تعطل- وأحياناً تجمد وتشل- قدراتهم الفردية على قضاء حوائجهم بأنفسهم والدفع بجماعتهم للأمام. نحن نفكر ونعيش داخل حيزين، الفردي والجماعي. وبينما يمضي الفكر والعيش ضمن الحيز الفردي كسائر حالهما في كل الدنيا تقريباً، إلا أن الفكر والعيش الجماعيين ليسا كذلك، إذ يقفان غالباً في تعارض وتضاد تام مع حالهما حول العالم.

على سبيل المثال، نلاحظ أن الفرد المتدين منا المواظب على فروض الدين وتعاليمه، يفعل ذلك في أضيق الحدود وبشكل يحد من خسائره إلى أقل قدر ويعظم من مكاسبه إلى أقصى قدر، بعدما يقرر بنفسه طبيعة ومقدار هذه الخسائر والمكاسب. في العادة لا تستغرق كل الصلوات والعبادات من يومه أكثر من بضعة دقائق. وفي الواقع، فضلاً عن مكسبه المقرر ذاتياً المتمثل في لحظات من الصفاء والخلو النفسي تنعش وتجدد له طاقته وتركيزه خلال يومه المعيشي الصعب، سنجده يستغل حتى هذه المناسبة الروحانية لقضاء حوائجه المادية الأساسية أيضاً؛ هكذا تكتسب دور العبادة ذاتها وظيفة معيشية مادية متمثلة في كونها مراكز ونقاط جذب ثقافية واجتماعية واقتصادية وخلافه. إذا كانت الصلاة تخسره من وقته بضعة دقائق، هو لا زال بمقدوره تعويض هذه الخسارة الطفيفة بمكاسب أكبر حين يوفر له المسجد ذاته الملتقى والمنتدى لتبادل أطراف الحديث بغرض إنشاء وتوطيد العلاقات وتمرير المصالح مع الأصدقاء وجيران السكن والمعارف وذوي الحوائج وغيرهم، وسوق عامر بالباعة والبضائع والحركة والنشاط في محيطه المباشر.

غير أن هذا الشخص الفرد ذاته لم- ولا ينبغي أن- يسأل نفسه أبداً: لماذا وُجد المسجد أصلاً حتى أذهب إليه؟! أو لماذا هو مخصص للصلاة وليس لنشاط آخر؟! أو ما هي الفائدة العظمى المرجوة للجماعة ككل من تخصيص هذا القدر الضخم من ميزانيتها ومواردها لغرض بناء المساجد وإقامة الصلوات فيها؟ وهل من بدائل أخرى لاستثمار هذه المخصصات الهائلة بعائد أفضل، مادياً وروحياً؟

مثل هذه الأسئلة تخص الحيز الجمعي، والمنوطين بالإجابة عليها هم أفراد النخبة فيها وليس العاديين. لكن أفراد النخبة هؤلاء، عكس الأفراد العاديين، يمارسون التفكير والعيش بطريقة مختلفة كثيراً. في الحقيقة، هم لا يعيشون نفس الواقع الذي يعيشه الشخص العادي ومن ثم يفكر في استغلاله لتحقيق مصلحته الخاصة على أفضل وجه؛ بل هم يعيشون غالباً في واقع نصي افتراضي يحول بينهم وبين عيش الواقع الحقيقي والتفكير في مشاكله وإيجاد الحلول لها بما يخلق آفاق النمو والرخاء للأفراد العاديين والجماعة ككل. هذا الواقع النصي النخبوي يأتي من مصدرين رئيسيين: (1) مراكز الفكر والبحث والتنظير العالمية شرقاً وغرباً ومن كل الاتجاهات؛ (2) التراث الإسلامي، ممثلاً في السلطات والمرجعيات الفكرية القديمة على اختلاف توجهاتها وفي جميع المجالات، من أكثرها تفاهة إلى أكثرها تعقيداً.

على سبيل المثال، خلال الحقبة الاستعمارية عاشت النخب العربية حياتها وفق المعايير الغربية، وفكرت بنفس طريقتها متغافلة تماماً عن حقائق واقعها المختلف، لتنتج بعض القيم والأعراف والمؤسسات الليبرالية والرأسمالية الوطنية على الطراز الغربي التي سرعان ما تلاشت فور رحيل المستعمر. ثم في أعقاب تلك الحقبة، عادت النخب نفسها إلى العيش في نظريات الماركسية واليسار والاستقلال الوطني والاشتراكية والتأميم وخلافه، وفكرت وفق قواعد ومعايير هذه النظريات المستوردة من الشرق هذه المرة، لتسهل نشأة التيارات والحركات اليسارية والاشتراكية التي تُوجت بوصول البعثية والناصرية إلى سدة الحكم. ثم في النهاية، سقطت البعثية والناصرية كما سقطت من قبلهما الليبرالية والرأسمالية، ببساطة لأنهما كسابقتيهما لم تكونا نتاج فحص ودراسة متأنية للواقع بقدر ما كانت استيراد سهل لنصوص سابقة ومكتملة النضج في واقع مغاير. وفي مقابل هذه النخب ذات الميول والتوجهات الغربية والشرقية، تعيش النخب ذات التوجه التراثي حياتها في نصوص الأقدمين والسلف الصالح، تفكر بنفس طريقتهم وفي نفس مشاكلهم، وتعيد إنتاج نفس حلولهم، لكن في واقع مغاير تماماً لا تؤرقه تلك المشاكل ولن تغنيه هذه الحلول الجاهزة القديمة المجترة من حبر مجلدات يناهز عمر بعضها أكثر من ألف عام.

لماذا الفرد العادي الذي يعيش واقعه ويفكر فيه بما يحقق مصلحته الخاصة على أفضل وجه، حين يرتقي إلى مصاف النخبة يسافر بعيداً عن الواقع ويحلق فوق نصوص ومرجعيات لا تمت بصلة لما يراه بعينه في الأسفل؟! ويصبح السؤال أكثر تعقيداً إذا علمنا أن النظريات والنصوص ما لم تستند إلى واقع تصبح محض هراء- مجرد رموز اتصالية (لغوية) لا تحمل أي دلالة أو معنى أبعد مما تشير إليه على أرض الواقع المعاش؟!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World