بوتين، معزولاً ومرتاباً، يتدثر بزمرة من المستشارين الغلاة

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 12 / 29

لقد شيد الرئيس الروسي منظومة حكم مصممة لتسليمه المعلومات التي يريد سماعها، أسهمت في سوء حساباته حول الحرب الأوكرانية
عند أواخر سبتمبر وبينما كانت القوات الروسية تخسر معركة ليمان، المدينة الصغيرة الواقعة شرق أوكرانيا، رن هاتف الضابط المسؤول على خط الجبهة عبر خط مشفر من موسكو.
كان المتصل فلاديمير بوتين، يأمرهم بعدم الانسحاب.
بدا الرئيس غير مدرك لحقيقة الواقع، وفقاً لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين حاليين وسابقين ومسؤول رفيع سابق في الاستخبارات الروسية. لأن قواته السيئة التجهيز على خط الجبهة كانت مطوقة بتقدم أوكراني معزز بالمدفعية التي وفرها الغرب. بيد أن بوتين شجب أوامر جنرالاته وأمر القوات بالصمود، على حد قولهم.
تواصلت الكمائن الأوكرانية، وفي 1 أكتوبر انسحب الجنود الروس على عجل، تاركين ورائهم العشرات من جثث الموتى وامدادات من الذخيرة لإنعاش خزائن الأسلحة الأوكرانية.
توقع بوتين أن تكون الحرب في أوكرانيا خاطفة وشعبية ومظفرة. وقد استغرق الأمر منه شهوراً حتى يتقبل على مضض بما باتت بدلاً من ذلك مستنقعاً مُكلفاً، ووجد نفسه معزولاً ومرتاباً على سدة منظومة حكم مصممة لتعزيز نظرته العدائية للعالم وحجبه عن الأنباء المحزنة.
خلال الصيف، كانت وفود الخبراء العسكريين ومصنعي الأسلحة تخرج من قاعات الاجتماعات الرئاسية تتساءل إن كان بوتين مدرك لحقيقة ما يجري في الميدان، وفقاً لأشخاص على اطلاع بالموقف. وبينما قد قطع بوتين شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين للحصول على صورة أوضح للحرب، على حد قولهم، يبقى الرئيس محاطاً بإدارة تداهن قناعته بحتمية انتصار روسيا، رغم التضحيات البشرية والاقتصادية المتصاعدة.
"البطانة حول بوتين همها حماية نفسها"، على حد قول إيكاترينا فينوكوروفا، عضو مجلس حقوق الإنسان المعين بقرار بوتين إلى أن أقالها منه في نوفمبر. "قناعتهم الراسخة أنه يتعين عليهم عدم إزعاج الرئيس."
ومن الأخطاء الناتجة قد تشكلت الحرب الروسية الكارثية على أوكرانيا- منذ الأيام الأولى حين صدق بوتين أن جنوده سيُقابلون بالورود، حتى الانسحابات المذلة الأخيرة في الشمال الشرقي والجنوب. بمرور الوقت تفاقم سخط بوتين، الذي لم يسبق له قط الخدمة في الجيش، على منظومة القيادة التي قد شيدها بنفسه للدرجة التي اضطرته إلى أن يصدر الأوامر بنفسه مباشرة إلى خط الجبهة.
تستند هذه المقالة إلى أشهر من المقابلات الشخصية مع مسؤولين روس حاليين وسابقين ومع أشخاص مقربين من الكرملين حدثونا عن رئيس معزول وغير قادر على، أو غير راغب في، تصديق أن أوكرانيا قد تقاوم ببسالة. وأضاف هؤلاء الأشخاص أن الرئيس قضى 22 عاماً يشيد نظاماً يداهنه بحجب أو تمويه نقاط البيانات المثبطة.
تحدث مسؤولون أمريكيون حول صعوبة العثور على شخص من داخل الكرملين له تأثير على بوتين وفي الوقت نفسه غير مُشَّبع بسردية المظلومية الروسية. الرئيس دائم الحديث عن روسيا بمسحة شبه دينية، كحضارة عمرها ألف عام تخوض حرباً مقدسة ستصحح أخطاء تاريخية وترفعه إلى منزلة الزعماء القياصرة الفاتحين أمثال بيتر العظيم.
رغم إجراء الاتصالات بين الولايات المتحدة وروسيا بصفة يومية تقريباً، سواء من خلال سفارتي البلدين أو البنتاجون أو وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)، إلا أن تلك المحادثات قد تقلصت، على حد قول مسؤولين أمريكيين، بعدما تبين لهم أن بعض من أوثق حلفاء بوتين باتوا حتى أكثر غلواً من بوتين ذاته.
كل يوم يستيقظ بوتين عند حوالي السابعة صباحاً على إحاطة خطية حول الحرب، تحوي معلومات مُنقحة بعناية لإبراز النجاحات وتمويه الانتكاسات، وفقاً لمسؤول سابق في الاستخبارات الروسية ومسؤولين روس حاليين وسابقين.
منذ وقت طويل بوتين يرفض استخدام الانترنت خشية المراقبة الرقمية، على حد قول مسؤولين روس وأمريكيين، الأمر الذي يجعله أكثر اعتماداً على أوراق إحاطة يكتبها له مستشاروه المُطَّبَعِين أيديولوجياً.
وقد تستغرق التحديثات الآتية من ميادين القتال عدة أيام حتى تصل مكتب بوتين، الأمر الذي يتركه غالباً غير محاط بآخر المستجدات، على حد قول أشخاص على دراية بالأمر. ويرفع القادة على خط الجبهة تقاريرهم إلى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي)، وريث لجنة أمن الدولة السوفيتية (كي جي بي)، الذي يحرر هذه التقارير قبل رفعها للخبراء في مجلس الأمن، الذي بدوره يرفعها إلى أمين المجلس.
لم يرد السيد/ باتروشيف ومجلس الأمن على طلبات التعليق. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن التخطيط المتعلق بما يسميها الرئيس بوتين العملية العسكرية الخاصة مُصنف كسر من أسرار الدولة.
"الرئيس، كما جرت العادة، لديه قنوات متعددة لتلقي المعلومات،" على حد قول السيد/ بيسكوف. "وأية ادعاءات حول تلقيه معلومات مُحرفة لا تتطابق مع الواقع."
لكن يقول مسؤولون روس حاليون وسابقون وأشخاص مقربون من الكرملين إن بوتين لا زال مصمم على تركيع أوكرانيا ولا يمانع من تعبئة كل اقتصاد وسكان روسيا لسنوات طويلة قادمة من أجل هذه الغاية. ولا يُستبعد، إذا ما تراخت شحنات الأسلحة والمساعدات الاقتصادية الآتية من الغرب وخارت المعنويات الأوكرانية، أن يخرج بوتين، في المجمل، منتصراً مما تعد بالفعل أضخم حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
منذ أشهر يحاول بعض المسؤولين الروس والصحفيين والمحللين الموالين للحكومة التحدث شخصياً إلى رئيسهم حول إخفاقات حربه في أوكرانيا، وفقاً لأشخاص على دراية بالأمر.
حين حاول مستطلع آراء شهير الاتصال بمكتب بوتين لعرض استطلاع يظهر تأييداً عاماً أدنى من المتوقع عقب الحرب مباشرة، جاء الرد من مكتبه، "لا داعي الآن لإزعاج السيد الرئيس،" وفقاً لشخص على دراية بالمحادثة.
في يوليو، عندما بدأت صواريخ هيمارس الموجهة بالأقمار الصناعية التي وفرتها الولايات المتحدة تضرب المستودعات اللوجستية للجيش الروسي، استدعى بوتين حوالي 30 شخصية من كبار رجال الصناعة من شركات التصنيع الحربي إلى مقر إقامته في نوفو أوغاريوفو خارج موسكو، وفقاً لأشخاص على دراية بالاجتماع. ثم بعد قضاء ثلاثة أيام في الحجر الصحي والخضوع لثلاثة اختبارات بي سي آر، جلس هؤلاء الكبار عند طرف مائدة خشبية ضخمة، ينصتون للرئيس وهو يحاضرهم حول مجهود حربي كان يعتبره نجاحاً. حكى لهم كيف أن دافع الأوكرانيين لمواصلة القتال لا يتعدى رغبة جيشهم لملاحقة الفارين منه، وفقاً لهؤلاء الأشخاص.
ثم استدار بوتين نحو رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري جيراسيموف، الذي قال إن الأسلحة الروسية كانت تصيب أهدافها بنجاح والحرب ماضية وفق الخطة. عندئذ غادر صناع الأسلحة الاجتماع ولديهم شعور بأن بوتين تعوزه صورة واضحة حول الحرب، على حد قول هؤلاء الأشخاص.
ولم ترد وزارة الدفاع على طلبات التعليق.
وفي سبتمبر، اجتمعت مجموعة من الصحفيين والمدونين العسكريين الروس- جميعهم من أشد المؤيدين للحرب- مع الرئيس لأكثر من ساعتين وخرجوا بنفس الانطباع، وفقاً لأشخاص على اطلاع بالأمر.
وخلال ذلك الشهر، اجتمع بوتين بالرئيس الصيني شي جين بينغ في أوزبكستان وأكد له بحزم على أن الحرب كانت تحت السيطرة، على حد قول أشخاص مطلعين بهذا الاجتماع. وفي نفس ذلك الأسبوع تخلت القوات الروسية عن مئات الأميال المربعة من الأراضي التي سبق واحتلتها من أوكرانيا.
وقبيل اجتماع بُث عبر التلفزيون بمجلس حقوق الإنسان المعين من قبل بوتين هذا الشهر، حث مستشار الرئيس ورئيس المجلس فاليري فادييف وأعضاء آخرون في المجلس الحضور على عدم التطرق لموضوعات مثل استخدام روسيا جنوداً مرتزقة لتعزيز قواتها، وفقاً للسيدة/ فينوكوروفا وعضو سابق آخر بالمجلس تمت إقالته قبل ثلاثة أسابيع من هذا الاجتماع.
"قيل لنا إن مهمتنا تنحصر على التحدث مع الرئيس حول أمور عامة، لا حول موضوعات تفصيلية أو مسائل شخصية،" على حد قول السيدة/ فينوكوروفا.
أكد السيد/ فادييف أن المجلس كان قد قرر من نفسه عدم إثارة موضوع الجنود المرتزقة لكنه أضاف أنه لم يوجد حظر على الموضوع. وقال إن الأسئلة نوقشت مسبقاً مع الإدارة الرئاسية، لكنه قال إن فكرة أن أجهزة الدولة تنقح المعلومات قبل عرضها على الرئيس كانت "محض هراء."
لتلقي ما يعتبرها معلومات خام من الجبهة، قد عين بوتين أربعة من ألمع الأصوات المؤيدة للحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي الروسية، وهم مزيج من الصحفيين العاملين بتلفزيون الدولة والمراسلين الحربيين والأبواق الدعائية الموالية للكرملين ممن كانوا يرافقون الجيش، وفقاً لأشخاص على دراية بالأمر. ويُكلف هؤلاء المؤثرون بمهمة مساعدة مجموعة عمل جديدة يديرها الكرملين في إنتاج تقرير شهري حول تعبئة القوات الروسية، وفقاً لمرسوم رئاسي نُشر على الموقع الالكتروني للكرملين هذا الشهر.
منذ مارس، حين بدا بوضوح أن بوتين بدأ يخسر الحرب، والقادة الغربيون يتعجبون كيف لزعيم مهووس لهذه الدرجة بالوضع في أوكرانيا واستعادة المجد العسكري الروسي أن يخطئ على هذا النحو المروع في تقدير قوة أوكرانيا وقراءة قدرة بلاده.
يُقر بعض حلفاء بوتين بقصور المعلومات التي تصل الرئيس ويرجعون الإخفاقات العسكرية إلى سوء التخطيط من قبل المسؤولين الحكوميين. في مقابلة معه قال المشرع البارز من حزب روسيا المتحدة الحاكم المؤيد للحرب كونستانتين زاتولين إن الرئيس "انطلق من فهم ناقص للوضع وفي بعض النواحي غير صحيح بالمرة."
وأضاف أن مخططي الحرب "أساؤوا بشكل واضح في تقدير مدى قوة العدو وبالغوا في تقدير مدى قوتهم أنفسهم."
إن الأمر لم يستغرق من بوتين سوى بضعة أيام لاجتياح أكثر من خُمس مساحة جورجيا في 2008، وأسابيع للاستيلاء على شبه جزيرة القرم في 2014- العملية التي لم تحظى بتأييد وزير دفاعه سيرجي شويغو والسيد/ جيراسيموف، فضلاً عن جهاز المخابرات الخارجية الروسي (إس في آر) وآخرين.
رأى بوتين في عملية القرم نصراً شخصياً له. وأخذت الدائرة الداخلية المحيطة به في الانكماش تدريجياً لتقتصر على مستشاريه الأشد غُلواً، الذين أكدوا له قدرة القوات الروسية لاحتلال كييف في غضون أيام.
"ربما قد نَسِّي بوتين أنه حين كان عنصراً في الخدمة لدى الكي جي بي كان يكذب على رؤسائه،" على حد قول إندريك كانيك، رئيس سابق للتحليلات لدى المخابرات الخارجية الإستونية.

الماكينة الدعائية
لقد ظلت منظومة الخداع الذاتي تتشكل منذ عقود، على حد قول بوريس بونداريف، دبلوماسي متمرس استقال عقب الحرب من منصبه في بعثة روسيا الدائمة لدى مجلس الأمن في جنيف.
وأضاف أن الدبلوماسيين في البعثة قد تعلموا خلال فترة حكم بوتين الممتدة منذ عقدين أن يغذوا موسكو بالرواية التي أرادت أن تسمعها منهم.
كان صغار المسؤولين وكبار المديرين على دراية تامة أنهم لكسب الرضا والترقيات كان يتعين عليهم التضخيم في الأنباء السارة والتهوين من السيئة، خشية إزعاج "البابا"، الكنية المستخدمة للإشارة إلى بوتين وكانت تُستخدم مع القياصرة الروس في الماضي.
كان بمقدور السيد/ بونداريف، مستشار مختص بالحد من التسلح في البعثة، أن يرى أن العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا في 2014 كانت ستُحدث تأثيراً أشد خطورة بكثير مما أدركته القيادة الروسية. لأن إنتاج روسيا من الطائرات من دون طيار كان يعتمد على مكونات أوروبية وأمريكية المصدر. كما كانت هندسة الطيران تستورد عناصر أساسية مثل النايلون من الغرب.
حين أثار السيد/ بونداريف الأمر مع زملاء ممن ربما قد يزعجهم الأثر المحتمل على الجهوزية العسكرية الروسية، كما يتذكر، طُلب منه أن يُغلق فمه. "’قالوا: لا، لن تكون هناك عواقب،‘" كما يتذكر. "ثم جاءت العواقب."
لم ترد وزارة الخارجية الروسية على طلبات التعلق. "يبدو أن الناس على استعداد للحديث عن أي شيء هذه الأيام لمجرد لفت الانتباه العام،" كما كتب متحدث باسم البعثة الروسية في جنيف في رسالة إلكترونية. ورفض تقديم مزيد من المعلومات.
يرفع الدبلوماسيون تحديثات إلى موسكو في برقيات تُطبع بخط مقاس 14 نقطة، كل سطر على مسافة 1.5 سم من التالي. وفي العادة تحتل الأخبار السارة الصفحة الأولى من كل برقية، مع تضمين ومضات وجلة حول الانتكاسات فيما تبقي من الصفحات القليلة القادمة.
"إنكم تدفنون هذه الحقائق غير السارة في بحر من الكثير والكثير من كلمات الإطراء،"، على حد قول السيد/ بونداريف.
ثم تخضع التحديثات المرفوعة إلى الرئيس للتحرير مجدداً من قبل مكتب الكرملين، كما يضيف السيد/ بونداريف: "بالنسبة له، يصبح الأمر أكثر صعوبة بكثير لتمييز ما هو الصحيح مما ليس كذلك."

الثقة الزائدة
لقد غُرست بذور الثقة الزائدة لدى بوتين إزاء كييف منذ عام 2014، حين نصحه كبار مخططي الحرب لديه بعدم الاستيلاء على القرم.
كان المتظاهرون الموالون للغرب قد غلبوا شرطة مكافحة الشغب وسط العاصمة كييف، ما أدى لفرار الرئيس الأوكراني الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش. فاستدعى بوتين رؤساء أجهزته الأمنية إلى الكرملين لوضع خطة لعملية ليلية لإنقاذ يانوكوفيتش والعودة به إلى روسيا.
ثم قبل مطلع النهار بقليل، أطلع بوتين قادته على قراره الاستيلاء على القرم، التي يتحدث أغلب قاطنيها اللغة الروسية، كما ذكر خلال فيلم وثائقي تم عرضه في عام 2015.
وقتها حذر وزير الدفاع والمستشارون بوتين من مغبة هذا القرار. لكن الرئيس، لقناعته بأن أعداء روسيا الغربيين كانوا يسعون لانتزاع أوكرانيا من الفلك الروسي، رفض نصيحتهم، وفقاً لأشخاص على دراية بهذا الأمر.
ثم عقب نصر خاطف ومن دون دماء تقريباً، حلقت شعبية بوتين وفقاً لاستطلاعات الرأي فوق 80%. وعقد الكرملين مقارنات بين هذه العملية التي لم تستغرق سوى أسابيع وبين الهزيمة المؤلمة التي مُنيت بها روسيا القيصرية أثناء حرب القرم التي دامت لسنوات خلال القرن التاسع عشر.
وفي أوكرانيا، تسببت الحرب في إنهاء التعاطف مع موسكو وساعدت هذا البلد في بلورة هوية وطنية موحدة. كما ساعدت كييف على تحديث وتوسيع جيشها، والتخلص من آخر رواسب العقيدة السوفيتية لكي تقتدي بأنظمة قيادة من طراز الناتو.
هذا التحول على ما يبدو لم يلفت انتباه بوتين.
في 2018، ألقى بوتين، الذي بدأ يتحدث عن روسيا كقوة عسكرية مساوية للولايات المتحدة، خطابه السنوي عن حالة الاتحاد من أمام شاشة تعرض أسلحة نووية تضرب ما بدا أنها ولاية فلوريدا الأمريكية. "ما من أحد أنصت في الماضي إلى روسيا،"، على حد قوله. "حسناً، الآن انصتوا."
داخل الكرملين، كانت معظم استطلاعات الرأي التي تصل بوتين تجريها الأجهزة السرية بنفسها، أو جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي)، إلى حد استبعاد منافذ استطلاعات الرأي الخاضعة لسيطرة الكرملين لكن المستقلة اسمياً مثل مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام ومركز إف أو إم، التي لم يكن عملها خالياً من العيوب، وفقاً لأشخاص على دراية بالأمر. الاستطلاعات التي يجريها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي تتخطى إدارة بوتين وتوضع فوق مكتبه مباشرة، على حد قول هؤلاء الأشخاص.
كان بوتين يصبح أكثر انعزالاً ولا يستشير سوى حلقة متقلصة من الحلفاء القدامى. لذا حين جمع سيرجي كيرينكو، رئيس السياسة الداخلية في الكرملين، الفريق الرئاسي الكامل معاً في 2019، أخذ بوتين يحاضرهم لساعات حول السيادة الروسية وآرائه الشخصية. "غادروا ولديهم شعور بأنه كان يتحدث إلى نفسه،" على حد قول مستشار سياسي في الكرملين تحدث مع عدد من مسؤولي الإدارة بالقاعة.

’الدائرة الصغيرة‘
حين تفشى كوفيد في 2020، انسحب بوتين حرصاً على صحته من مقره المعتاد في ضواحي موسكو إلى منتجع ناء قرب بحيرة فالداي، على مسافة 250 ميل من العاصمة، وإلى المقر الرئاسي الصيفي في سوتشي على البحر الأسود.
هناك، قضى وقتاً طويلاً مع صديقه القديم وقطب الإعلام يوري كوفالتشوك، الذي كان يحتجر صحياً بالجوار، وبلور الاثنان معاً نظريتهما حول فكرة مشتركة لاستعادة أمجاد روسيا، وفقاً لأشخاص على علم بهذه العلاقة.
ثمة مسؤولون آخرون، من بينهم المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، كانوا يتحدثون معظم الوقت إلى بوتين عبر شاشات الفيديو، وفقاً لأشخاص على دراية بالأمر. وقد رفض السيد/ بيسكوف التعليق على هذه المزاعم.
في كلمة في أبريل، صرح رئيس وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) بيل بيرنز بأن "دائرة المستشارين حول بوتين ضاقت وداخل تلك الدائرة الصغيرة ليس مما يفيد الترقي الوظيفي قط أن تشكك في تقديره وإيمانه شبه الهستيري في أن قدره هو أن يستعيد المجد الروسي."
كان من أبرزهم أمين مجلس الأمن، السيد/ باتروشيف، الذي قد ظل يعمل مع بوتين منذ كانا ضابطين صغيرين في الكي جي بي في لينينجراد. إن الولايات المتحدة، على حد قول السيد/ باتروشيف، "تفضل لو كانت روسيا لم توجد من الأصل."
وكلما ضاقت الدائرة، كلما غاص بوتين أكثر في أوهامه، مقتنعاً بأن الولايات المتحدة كانت تنشر أسلحة نووية في أوكرانيا، على حد قول مسؤولين أمريكيين على اطلاع بالأمر. ويفتقد كل من جيراسيموف وشويغو، اللذين يمكنها الوصول إلى بوتين، إلى قدرة التأثير عليه للتلطيف من آرائه، كما أضاف هؤلاء المسؤولون.
في يوليو 2021، نشر بوتين مقالة تاريخية من 6.917 كلمة حول الأمة الأوكرانية، كتبها أثناء عزلته بجوار السيد/ كوفالتشوك.
ومن داخل أوكرانيا، كان ثمة رجل أعمال على صلة بالكرملين يخبر بوتين بما كان يريد سماعه. هذا السياسي الأوكراني المدعوم من روسيا، فيكتور ميدفيدتشوك، جعل من بوتين الأب الروحي لابنته داريا. وطوال سنوات ظل السيد/ ميدفيدتشوك يحظى بقناة خاصة للتحدث إلى الرئيس مباشرة- خط هاتفي برقم روسي وتطبيق اتصال آمن يسميه الأوكرانيين كريمليوفكا، إشارة إلى الكرملين، وفقاً لرئيس مكتب المدعي العام الأوكراني الأسبق يوري لوتسينكو، الذي سبق له التنصت على هواتف أشخاص على صلة بالكرملين في مجرى تحقيق حول إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية فوق أوكرانيا عام 2014.
أكد السيد/ ميدفيدتشوك لبوتين أن الأوكرانيين يعتبرون أنفسهم روس وسيستقبلون الجنود الفاتحين بالورود، على حد قول شخصين مقربين من الكرملين.
ولم يتسنى الاتصال وطلب التعليق من السيد/ ميدفيدتشوك، بعدما أُلقي القبض عليه في أوكرانيا ثم أُطلق سراحه ليذهب إلى روسيا كجزء من صفقة لتبادل الأسرى في سبتمبر.
في هذه الأثناء كان جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يكيل بيانات الاستطلاعات لإقناع بوتين بأن الأوكرانيين سيرحبون بالجنود الروس، وفقاً لسكرتير مجلس الأمن الأوكراني أوليكسي دانيلوف وشخص مقرب من الكرملين. وقد اتضح وجود استطلاعات رأي أخرى كانت مُفبركة بالكامل، على حد قول السيد/ دانيلوف.
لم يرد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي على طلبات التعليق.
كان التخطيط للحرب يقع على عاتق جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أكثر من الجيش، وفقاً لضابط استخبارات روسي سابق وشخص مقرب من وزارة الدفاع. وقد أبقت الوزارة على ساعات العمل الاعتيادية خلال الأسابيع الموصلة إلى الحرب، من دون الشعور بالحاجة إلى إعلان حالة التأهب.
وكان المتحدث باسم بوتين، ديميتري بيسكوف؛ ووزير خارجيته، سيرجي لافروف؛ ورئيس الأركان، أنطون فاينو؛ ورئيس السياسة الداخلية، السيد/ كيرينكو، لا يعلمون جميعاً بخطط الحرب، وفقاً لأشخاص على دراية بالأمر.
ثم بعد خمسة عشر يوماً في الحرب، بعدما أخفق هجومه الخاطف على كييف، كان بوتين يجلس متجهماً على كرسيه المطلي بماء الذهب بينما وزير دفاعه يطلعه حول سير الحرب عبر رابط فيديو في اجتماع بُث عبر التلفزيون.
"سيادة الرئيس، كل شيء على ما يرام وفق الخطة،" على حد قول وزير الدفاع شويغو. "هذا هو ما نُبلغ به سيادتك بصفة يومية."
______________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي:
https://www.wsj.com/amp/articles/putin-russia-ukraine-war-advisers-11671815184?mod=hp_trending_now_article_pos2



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World