قطار آخن 43

علي دريوسي
daryusi@yahoo.de

2022 / 12 / 25

حين أعلنت مرافقة القطار عن اقتراب موعد دخول القطار إلى "بانهوف" شتراسبورغ توقف إبراهيم عن كتابة خواطره، فتحت عشيقته عينيها وطلبت منه الإسراع في إنزال الحقائب وسحبها باتجاه الباب ريثما تقضي حاجتها في المرحاض.

على التوازي من نزولهما من القطار لمح إبراهيم دورية حماية الأمن، ثلاث رجال بكامل السلاح والعتاد والجاهزية، خطوات قليلة ويلتقي الدورية الثانية ثم الثالثة.

انتابه شعور بالخوف الممزوج بالأمان والرفض المضاعف للإرهاب.

شعرت سابينه باضطرابه فقالت:
ـ في مدينة شتراسبورغ وحدها هناك ما يقارب أربعمائة من العناصر الجوّالة لحماية الإنسان!

**

مع بدايات القرن الحادي والعشرين بدأت ملامح فكر جديد بالظهور من أجل تعميق الديمقراطية وتثبيت أركان دولة الحق في المجتمعات المتطورة تقنياً والمستندة إلى مبدأ الأكثرية في الحكم. قوام هذا الفكر هو جملة من التحديات المتمثلة بـتحدي العولمة وفتح الأسواق والفساد والرشوة وغسيل الأموال وتجارة الجنس والأسلحة والمخدرات ناهيكم عن تحدي التقنيات المعلوماتية والبناء اللامركزي لهيكلية الاتصالات في شبكة الإنترنيت وتحدي بناء المجتمع الرقمي والأهم من كل هذا هو تحدي الإرهاب العالمي. هذه المجتمعات الإنسانية تجد نفسها اليوم وأكثر من أي وقت مضى مهدّدة بالعمليات الإرهابية التي ينفذها الأصوليون. ولأن حرية الإنسان وحقوق المواطنة هي قضايا مركزية، تسعى هذه البلدان إلى تقوية وإيجاد نماذج جديدة لتحقيق الأمن الداخلي لمواطنيها. إلا أن هذا الشيء يجب ألا يعني أبداً السعي إلى هدم أركان الحريات الأساسية، لأن من يحاول تحقيق الأمن الداخلي على حساب الحريات الشخصية سوف يخسر في النهاية كلتيهما. ولأن التقنيات العظيمة المتواجدة في المجتمعات الحديثة أصبحت بصورة خاصة مهددة بالإرهاب، فإنه ينبغي المطالبة الواعية بتحقيق مبدأ اللامركزية في سوق تأمين الطاقة الحرارية والكهربائية والغازية وتفكيك وهدم المفاعلات النووية ومنشآتها كما ينبغي حماية الجسور المعقدة وأنفاق القطارات المحفورة في الجبال أو تحت البحار ومراقبتها بكافة وسائل الأمان الممكنة.

**

كانت هنيلوري بانتظارهما على رصيف المحطة، عانقاها، أمضوا في المحطة دقائق معدودات ثم غادروها في الساعة الحادية عشر والنصف إلى باريس.

القطار طويل جداً، يجر خلفه ثماني عشر عربة، تتسع كل منها إلى ستة وخمسين مقعداً، جميع مقاعد الجلوس محجوزة مسبقاً، تجاوز عدد المسافرين الألف بقليل، وجدوا أمكنتهم دون تعب، جلست سابينه جانب النافذة باتجاه السفر، جلست هنيلوري مقابلها، بجانب سابينه جلس إبراهيم وعلى المقعد المقابل له جلس شاب أفريقي في عمر المراهقة.

بعد ساعتين وبضع دقائق سيدخل القطار إلى قلب باريس.

القطار سريع وهادئ، لا تشعر حقاً بسرعته العالية التي قد تتجاوز 320 كم/سا، لا تشعر بارتجاجاته واهتزازاته الديناميكية الخفيفة، تَعلمُ فقط أنه يسافر بهذه السرعة حين تنتبه إلى مؤشر السرعة في لوحة التعليمات الفيديوية أو إذا رغب الجالس بجوارك أن يبدأ حديثاً قصيراً معك عن الرحلة ومدتها.

الضيوف المسافرون جالسون في مقاعدهم بكامل الهدوء والراحة والطمأنينة، يقرأون أو يتهامسون أو يلعبون مع أولادهم، يأكلون شيئاً، يشربون ماءً أو يرتشفون القهوة.

بعد عشرين دقيقة سفر فعلت هدهدة القطار فعلها في أجساد المسافرين، منهم من أغمض عينيه مسترخياً متأملاً ومنهم من نام ومنهم من ابتسم بخبث لإثارة جنسية اعترته.

بعفوية مدّ إبراهيم يده اليسرى إلى قضيبه وهمس في أذن سابينه:
ـ أحبك.

مالت باتجاهه وهمست:
ـ تأثير الكلمات الجميلة على المرأة كتأثير الشفّاط (جهاز السحب) على الغبار، كلاهما لا يستطيع تفادي دائرة الجاذبية. سأحضر لنا قهوة، ألا ترافقني؟

كانت سابينه قد شعرت بدورها برطوبة لزجة بين فخذيها.

مشت أمامه بخطوات مُتزنة وحركات مُنسجمة بين مقاعد الركاب كعارضة أزياء. كانت تقوده خلف مؤخرتها الرجراجة من عربة إلى عربة وهي تبحث بعينيها عن مرحاض لذوي الاحتياجات الخاصة.

أخيراً بلغت هدفها، فتحت باب المرحاض، جذبت إبراهيم إلى الداخل، وأرتجته.

رفعت تنورتها إلى ما فوق خصرها، انحنت أمام المغسلة، أمسكت بحافتها، بدت مثيرة بسروالها الداخلي وبجوربها الأسود الواصل إلى أعلى فخذيها المكتنزتين.
ـ لا تخف ولا تتردد، الوقت قصير، أنا جاهزة.

بعد أن وصل النشوة واستشعر بالاسترخاء تمتم إبراهيم وهو يرى وجهه السعيد في مرآة المغسلة:
ـ ترويض حصان بريّ وركوبه أسهل من إرضاء امرأة.

**

بينما أخذت هنيلوري وسابينه تتحادثان بصورة طبيعية عن الشعر والأظافر والأحذية والملابس انشغل إبراهيم بموبايله، تصفّح بريده الإلكتروني ليجد فيه عدة إيميلات من أصدقاء له. قرأ بعضها.
كان أول ما قرأه إيميلاً من هدى في سوريا، صديقة قديمة له:

أتَنَقَّل كالفراشة الملّونة من مسابقة إلى أخرى، شُغْلي الشاغل منذ عَشر سنين، منذ إنهاء الدراسة وحتى الآن هو البحث في الجرائد كل يوم عن أية مسابقة ثم التّسجيل فيها، لكن الله ما أَنْجَحَ أموري حتى الآن في أية مسابقة وظيفيَّة رياضيَّة أم أدبيّة، لعلّها مرحلة اِنْتقاليَّة، إنه يحكم بيننا في ما نحن فيه نتسابق ولا يهْدي من هو حياديٌ منا!

أما عن الأخبار العامة في الوطن الغالي فأطمئنكَ بأنه ما زالت أعياد واحتفالات التحرير والتصحيح في أوجّها، احتفالات خلابّة تزامنت ويا للفرحة مع احتفالات الجماهير بممارسة الديمقراطية في انتخابات أعضاء البرلمان، أقبلت الجماهير الكادحة على صناديق الاقتراع بكل ما في الدنيا من حرية وفرح حقيقي، كنا نتمنى أن تكون معنا في هذا الجو الديمقراطي الجميل، لكن وللأسف راحت عليك، هذا كل ما عندنا في الوطن.
للأسف لا أستطيع مغادرة الوطن وأنصحك ألّا تعود إليه. والآن جاء دورك، لتخبرني عن ألمانيا.

**

أما الإيميل الثاني فقد جاء من محمد، صديق الطفولة والمراهقة:

صديقي إبراهيم،
أبعثُ لكَ كومة حُبّ من مدينة "جدة" في المملكة العربية السعودية.

كنتُ أعمل في المشفى الوطني في لاذقية العرب مثل الجحش، أذهب إلى الدوام مئة ساعة في الأسبوع، أرجع إلى البيت من أجل النوم، الفحوصات سيئة، النتائج تتعلق بالرشاوي والحاجة، المستقبل بعد الاختصاص غير مضمون، لا عمل ولا شهرة ولا عيادة ولا منزل، حسبتها جيداً، فوجدت نفسي هنا في السعودية، لقد سافرت إلى جدة للعمل هناك بعض الوقت، لتأمين القليل من المال، أنت تعرف كم هي الأمور سيئة، هنا في جدة أستطيع أن أجمع في سنتين ما لا أستطيع توفيره في بلدي خلال عمري كله! جدة هي من أفضل مدن الشرق إطلاقاً! لا يجبر المرء فيها على شيء، سواء شاب أم صبية، أعمل الآن في مشفى ضخم جداً، من أكبر وأعقد المشافي، اسمه مستشفى "سلمان الفقيه"، لا يوجد نوع من التحاليل أو الفحوصات والعلاجات إلا وتوجد فيه، إنه عبارة عن مجسّم طبي صغير لجميع مشافي العالم، اللغة الرسمية هي الإنكليزية، المشفى متعدد القوميات، يوجد الكثير من شباب بلدي في المشفى، أطباء وموظفون، أيضاً فتيات، عندما تمشي في الشارع، تظن نفسكَ في الفيلبين، أنا مبسوط ومكيف، أعيش في شقة حلوة.
لن أعود إلى البلد وأنصحك ألّا تعود أبداً. والآن جاء دورك، أخبرني عن حياتك في ألمانيا.

**



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World