فصْل من برنامج -الشرق الأوسط الكبير-

الطاهر المعز
husseinahwazy@gmail.com

2022 / 12 / 19

أبعاد الإحتلال الأمريكي لشمال شرقي سوريا
ليس صُدْفَةً أن تتركّز القواعد العسكرية الأمريكية بالشمال الشرقي لسوريا، قريبًا من القواعد العسكرية الأمريكية بغربي العراق، في المناطق السورية الخصْبة، مناطق الإنتاج الزراعي وحقول النّفط والغاز، فالجيش الأمريكي ينهب بشكل منهجي، مُخَطّط ومُنظم، ثروات الشعب السوري الذي يُعاني من الحصار، ويستخدم عائدات النفط السوري لتزويد المعدّات العسكرية الأمريكية بالمحروقات ولتمويل المليشيات الإنفصالية، ودعم الحكم الذاتي الكردي وضمان التقسيم الجغرافي لسوريا، وسبق أن علّق النّاطق باسم وزارة الخارجية الصينية، منذ شهر تموز/يوليو 2021، على سرقة الجيش الأمريكي لنفط سوريا ( الذي انخفض إنتاجه من حوالي 360 ألف برميل يوميا سنة 2012، إلى نحو 90 ألف برميل يوميا، سنة 2021) ووصفها ب"سلوك قطاع الطرق" الذي ينتهك سيادة سوريا، وهي نفس العبارات التي يستخدمها الإعلام السُّوري الذي يُشير بين الحين والآخر إلى قوافل من الشاحنات والناقلات التي تحمل النفط من منطقة شرق الفرات (سوريا) إلى العراق، تحت حماية عسكرية أميركية وكُرْدِيّة، ويُكافئ الجيش الأمريكي الزعامات العشائرية للمليشيات الكُرْدِيّة "الحليفة"، من خلال حمايتها عسكريًّا وتمويل أنشطتها وتسليحها وتدريبها وتغطية احتياجاتها المحلية من الوقود السُّوري المَسْرُوق، لأن "منطقة الحكم الذاتي" تُمكّن الولايات المتحدة من الحفاظ على منطقة النفوذ الأمريكية بين العراق وسوريا، وتشديد الخناق على نظام وشعب سوريا، لأن المواطنين السوريين محرومون من الموارد الحيوية ومُنتجات هذه المناطق المُحْتَلّة، مثل النفط والغاز والقمح والأدوية، وقدّرت قيادات المليشيات الكُردية عائدات النفط والغاز بنحو 156 مليون دولار، أي أكثر من ثلاثة أرباع إيراداتها سنة 2019، ما يُمكّنها من دفع رواتب عناصر المليشيات (الذين لم يُعلن عددهم) والموظفين المدنيين الذين يتضخّم عددهم باستمرار ليتجاوزَ 120 ألفًا، وفق أحد قيادات "قوات سوريا الديمقراطية" (الإسم الإشهاري للمليشيات العشائرية الكُردية)، التي تحصُل على العديد من المساعدات المالية والعسكرية من الدول الإمبريالية التي تُحرّضها على رفض دَوْرات الحوار التي تدعو لها سوريا وروسيا، وسبق أن أكد وكيل وزارة الحرب الأمريكي جوناثان هوفمان أن "قوات سوريا الدّيمقراطية" تستفيد من القسم الأكْبَر لعائدات النفط السوري المسْرُوق، بالتوازي مع تشديد الحصار على الشعب السوري (قانون قَيْصَر) ومع تكثيف الغارات الجوية الصهيونية على الموانئ التجارية السورية (طرطوس واللاذقية) وعلى مصفاة حمص، وهي مصفاة النفط الخام الرئيسية في البلاد.
قدّرت وكالة "سبوتنيك" الروسية إن القوات الأمريكية تستولي على نحو 12500 برميلًا يوميًا من حقول الجبسة و 40 ألف برميل من حُقُول الرّميلان في محافظة الحسكة، حيث يقع أحد أكبر حقول النفط، وأكّدت أن المليشيات الكُرْدية تبيع النفط إلى المجموعات الإرهابية الأخرى التي تدّعي محاربتها، في المناطق التي تحتلها القوات التركية ( ما يُسمّى "الجيش الوطني السوري) وفي إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" (وريثة "القاعدة" و "النُّصْرة")، كما يتجه جزء هام من النفط السوري إلى إقليم كردستان العراق - عبر مَعْبَرَيْ المحمودية وسملكا – ليتم تكريره وإعادة بيعه في سوريا، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، بأسعار مرتفعة، تُعادل دُولارَيْن للتر الواحد من البنزين...
تشكل تركيا أيضًا تهديدًا تاريخيًّا لأمن سوريا بشكل عام، ولأمْن الطّاقة بشكل خاص، ففي الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أعلن وزير النفط السوري أن تركيا تتذرّع بمحاربة الإرهاب (المليشيات الكُرْدِيّة) لتشن الغارات الجوية التي استهدفت منشآت الطاقة، منها مواقع الغاز والنفط ومحطات توليد الطّاقة، ما تسبب في تفجير الناقلات والآبار وتعطيل معمل للغاز ينتج 150 طنًا من غاز الطهي يوميًا ونحو مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي لتزويد محافظة الحسكة بالكهرباء، وأسفر القصف كذلك عن تلويث المحيط، وتجدر الإشارة إلى احتلال تركيا (عضو حلف شمال الأطلسي) مناطق إدلب وجرابلس والشريط الحدودي الشمالي، فإن هذه السياسة لن تؤدي إلا إلى تفاقم الانقسامات القائمة بين النشطاء التابعين لأنقرة والمحسوبين على واشنطن ، مثل. الإدارة الذاتية الكردية.
قَدّرت وكالة الأنباء الحكومية السّورية يوم 13 كانون الأول/ديسمبر 2022 إن الجيش الأمريكي والمليشيات الكردية التي تدعَمُهُ مسؤول عن نهب 80% من إنتاج النفط اليومي في سوريا، وإرسال حوالي سبعين ناقلة أسبوعيا إلى القواعد العسكرية الأمريكية بالعراق، وخصوصًا إلى موقع "الحرير" العسكري بإقليم كردستان العراق، بحماية طائرات مقاتلة ومروحيات حربية، ومسؤول كذلك عن إتلاف حقول القمح، لتحقيق أحد أهداف الحكومة الأمريكية المتمثلة في حرمان مواطني المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة السورية من النفط والغاز والكهرباء والحبوب والأدوية...
وأعلن رئيس اتحاد الفلاحين في الحسكة إن قوات الاحتلال الأمريكية تُتلف المحاصيل باستمرار وتقدم الحبوب المغشوشة للمزارعين بدعوى أنها "محسنة"، للقضاء على البذور المحلّيّة، وكشَفَ المُزارعون أن البذور الأمريكية تحتوي على نسبة عالية من عدوى الديدان الخيطية التي تُلحق أضرارًا كبيرة لعدّة سنوات، بالتربة...
ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الحكومة السورية جددت - يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2022 - دعوتها للانسحاب الكامل لجميع القوات الأمريكية من المحافظات الشمالية الشرقية للبلاد، والكف عن نَهْبِ المحروقات والمحاصيل الفلاحية والموارد الأخرى من المناطق الشمالية الشرقية لسوريا، وبتعويض جميع الخسائر التي سببتها قوات الاحتلال الأمريكية وقَدّرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية الأضرار التي سببها العدوان الجوي والعمليات العسكرية الأمريكية بنحو 26 مليار دولارًا، فضلاً عن خسائر غير مباشرة بقيمة تفوق 86 مليار دولارا، وأعلنت الحكومة السّورية أن الأمم المتحدة تجاهلت طلبات سوريا المتكررة لوضع حدّ للإحتلال الأمريكي ولنَهْبِ الموارد التي حُرِمَ منها الشعب السُّوري...
أدّى الإحتلال الأمريكي والنّهب إلى رُدُود فِعْل محلية ومُقاومة، وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 2022، حُدوث انفجارات كبيرة داخل القاعدة العسكرية الأمريكية في حقل "العمر" النفطي الذي تحتله الولايات المتحدة في محافظة دير الزور شرقي سوريا، ولم تُصْدِر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بيانًا بشأن الهجوم، طيلة يوم الأحد 18/12/2022، وسبق أن تعرّضت هذه القاعدة الأمريكية لهجمات متكررة آخرها وقع يومي 17 ثم 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، كما تتعرّض القواعد الأمريكية الأخرى في سوريا لهجومات باستمرار، منها قاعدة الشدادي، جنوب محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، وازدادت مثل هذه الهجمات خلال العام الماضي (2021) وتعكس الاستياء الشّعبي المتزايد من الإحتلال العسكري الأمريكي، غير القانوني، الذي يُركز، بالتعاون مع الكيان الصهيوني وقوات دول حلف شمال الأطلسي (فرنسا وألمانيا والدنمارك وبريطانيا...) ومع مليشيات الأكراد، على إغلاق الحدود وإحكام الحصار، ونهب الثروات الطبيعية السورية بذريعة مواجهة داعش، وأكّد مُتحدّث باسم الحكومة الأمريكية عدم وُجُود أي مُخطّط للإنسحاب من سوريا أو إنهاء سياسة الحصار الإقتصادي والسياسي، ما قد يُشير إلى الإمعان في ممارسة سياسة قُطّاع الطُّرُق التي أشار إليها وزير الخارجية الصّيني...
التعاون العسكري والدور الوظيفي للكيان الصهيوني:
يندرج الإحتلال العسكري الأمريكي لشمال شرقي سوريا ضمن مُخطط يشمل منطقة شاسعة، تمتد من لبنان (وفلسطين المحتلة) إلى إيران، مرورًا بالخليج والعراق واليمن، ففي إيران لا تخفي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دعم وتدريب وتسليح عناصر مليشيات الإنفصاليين الأكراد الذين يشنون هجومات عسكرية داخل إيران، انطلاقًا من الحدود العراقية، خصوصًا منذ سنة 2009، حيث تحولت منطقة غربي آسيا، منذ الإحتلال الأمريكي للعراق، في نيسان/ابريل 2003، إلى مختبر لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" (أو الجديد) الذي يتضمن تقسيم سوريا والعراق وإيران والسودان ومصر، وخلق كيانات أثنية وطائفية متحاربة بإشراف أمريكي صهيوني (وتركي أحيانًا)، وفي هذا الإطار تحولت مدينة أربيل العراقية (إقليم كردستان) إلى "مَرْكز" للإستخبارات الأجنبية، يدعم بعضها أحزابًا ومنظمات انفصالية كردية إيرانية مُسلّحة، متمركزة في شمال العراق، وهي المليشيات التي يستهدفها القصف الجوي الإيراني أحيانًا، ففي نهاية شهر أيلول/سبتمبر وبداية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2022، قصفت الطّائرات الآلية الإيرانية مواقع بعض المليشيات لمدة 13 يومًا متتاليًا، بحسب مجلة "ذا نيويوركر" التي تُتابع الوضع بهذه المنطقة، منذ سنة 2006، ونشرت سلسلة مقالات عن إشراف الإستخبارات العسكرية الأمريكية والصّهيونية على تدريب المعارضة الإيرانية المسلحة (مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني الإيراني) ودعمها بالمال والسلاح، وساعدتها على تنفيذ عمليات توغل سرية عبر الحدود العراقية الإيرانية...
أتاحت الاضطرابات الأخيرة والمستمرة بإيران فرصةً للضغط الأمريكي والأوروبي على النظام الإيراني (مُباشرةً وبالوكالة)، بواسطة حزب الحياة الحرة الكردستاني والأحزاب الانفصالية الكردية الأخرى لتكثيف أنشطتها التخريبية (فضلا عن عمليات التهريب ونشاط الأسواق الموازية)، انطلاقًا من المناطق الجبَلية على الحدود بين إقليمَيْ كردستان العراقي والإيراني، بدعم كبير من للحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني (العراق) وقوات "التحالف" (القوات الأمريكية بشكل أساسي) والإستخبارات الصهيونية التي كثفت نشاطها في شمال شرقي سوريا، انطلاقًا من إقليم كردستان العراق...
في أوكرانيا:
بالإضافة إلى الإعتداء على سوريا وإيران، ورغم العلاقات المتطورة مع النّظام الرّوسي، كثّف الكيان الصّهيوني نشاطه في البلدان المُحيطة بروسيا، سواء لمّا دعم جيش جورجيا ضد روسيا سنة 2008، أو عبر دعم اليمين النّازي في أوكرانيا منذ انقلاب شباط/فبراير 2014، ما يُبيّن مَتانَةَ العلاقات مع الولايات المتحدة، ودَوْر الكيان الصّهيوني كقاعدة للإمبريالية في الوطن العربي، وكقوة ضاربة ضد أي مُنافس أو خَصْم أو عَدُوّ للإمبريالية الأمريكية، وفي هذا الصّدد أوردت وكالة الصحافة الفرنسية يوم 16 كانون الأول/ديسمبر 2022، نقلاً عن صحيفة "هآرتس" الصهيونية خبرًا عن تكثيف المساعدات الإستخباراتية الصهيونية لأوكرانيا، بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي، رغم ادّعاء الحياد في الحرب بين روسيا وأوكرانيا (ومن ورائها حلف شمال الأطلسي)، وترى الصحيفة الصهيونية "هآرتس" (16/12/2022) هذا التّعاون بمثابة ردّ فعل على الدّعم الإيراني لروسيا...



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World