قطار آخن 41

علي دريوسي
daryusi@yahoo.de

2022 / 12 / 19

عشت منذ طفولتي حياة مقزِّزة، عشت تجارب مرة تجعل النفس مريضة، تترك الشخص يموت ببطء، وكي لا يرى الناس شخصيتي الحقيقية وما أنا عليه فعلاً، رحت أختبئ وراء الكعب العالي والملابس والمجوهرات والمكياج والسجائر.

لم يُسمح لي أن أحلم بتحقيق شيءٍ أتمناه لنفسي، لم يسألني أحد أبداً ما الذي أرغبه، مرت سنوات قبل أن أستطيع الإجابة على هذا السؤال. كنت أرى نفسي مثل كلب رُبي جيداً كي يتبع الآخر دون أن يسأله، لهذا لم أحصد احترام الآخر لي. لم أحتقر زوجي ولا عشيقي المُدمن لأنهما تعاملا معي بدونية وقسوة، في مثل هذه الحالات لا يوجد من يتحمل الذنب لوحده كما اليد التي لا تستطيع أن تصفق لوحدها، عند وقوع المشاكل يتحمل كلا الطرفين قسماً من المسؤولية، الطرف الأول الذي يسمح للآخر بمعاملته بشكل سيء والطرف الثاني الذي يعامل الأول بشكل سيء!

تعلمت النهوض، أصبحت اليوم أنظر للناس بعيونٍ مختلفة، أشك في كل شيء، تعلمت كيف يجب أن أمتلك قوة وسلطة أكبر من قوة وسلطة الجاني، تعلمت من تجربتي أن أهتم بنفسي أكثر، تعلمت كيف أبقى صامدة، كيف أرفض تمثيل دور الضحية وكيف أمضي قدماً إلى الأمام.

تعلمت الهدوء مهما كانت الأمور التي لا تعجبني كثيرة ومتنوعة وبشعة وثقيلة، كرمى للحياة الكبيرة التي تستحق أن تُعاش مهما كانت الظروف.

أعتقد أنك قد لاحظت منذ لقاءاتنا الأولى نقاط ضعفي وحاولت أن تعاملني ككلب، لم أشعر باحترامك لي، لا أعرف فيما إذا كان هذا الشيء سيئاً أم جيداً، صحيحاً أم خاطئاً، لأنني ببساطة أسمح بذلك أحياناً دون أن أدري وأصبر عليه ضمن مساحة محددة!
اليوم أعرف تماماً ما هي أمنيتي، ما الذي يمكن أن أتمناه لنفسي، أحزرت بما أفكر به؟ أتمنى أن لا أُعَامل ما حييتُ ككلبة، عاملني كامرأة شريكة لك، أتمنى أنْ تثق بي، أنْ تحبني كما أحبك وألا تتهمني بتعددية العلاقات، الإنسان كائن مُضَلَّع، لكل منا زواياه وأضلاعه وارتفاعه ومحيطه ومساحته وحجمه.

لا أريد أن أتذكر الماضي أكثر، أريد أن أبدأ من جديد، لديّ الرغبة أن أترك نفسي على سجيتها، أن أتوقف عن ضبط نفسي، أن أهدأ وأرى المزيد مما يخبئه القدر لي.

ماذا ترغب أن تسمع بعد كي تكتمل رسالتي؟
هل بقي أن أحكي لك عن أخي "نوربيرت" مثلاً؟ ولماذا صار اسمه "الأمير حسن أدليرهورست"؟

**

"أدليرهورست" هي قلعة "آلموت" أو "عش النسر"، تبعد حوالي مائة كيلومتراً عن العاصمة طهران، من يزر طهران بإمكانه زيارة أطلال القلعة أيضاً، ما تبقى من الحصن المتواجد بوسط جبال "ألبرز" جنوب بحر "قزوين" هو الخراب فقط.

سمّى أخي "نوربيرت" نفسه "الأمير حسن أدليرهورست" تيمُّناً بالولِيِّ الصَّالح شيخ الجبل "حسن الصباح". غيّر دينه منذ سنوات حين هاجر إلى موسكو عن طريق عائلة "نزاريّة" سورية الأصل، كان قد تعرّف إلى أحد أبنائها خلال دراسته في المدارس الداخلية الألمانية. صار من أنصار المذهب "النزاريّ"، يَحُجّ قلعة الحشاشين كما يَحُجّ المسلم البيت الحرام.

أخي "الأمير حسن أدليرهورست" رجل مُقْعَد منذ عدة سنوات.

كان أحد ضحايا تلك المصيبة المُروِّعة التي حدثت في بلدة "إشيدي" التابعة لإقليم "سكسونيا السفلى" في ألمانيا. في الثالث من يونيو لعام 1998 وقع في هذه البلدة حادث قطار "إنتر سيتي إكسبريس" على السكة الحديدية بين هانوفر وهامبورغ، حادث هو الأسوأ على الإطلاق في تاريخ ألمانيا وتاريخ القطارات السريعة إلى الآن.

أعتقد أن هذا هو التاريخ نفسه الذي دخلتَ فيه إلى ألمانيا كما أخبرتني، أليس كذلك؟ يا للمصادفة!

ماتَ يومها أكثر من مئة إنساناً وتشوَّه أكثر من خمس وثمانين شخصاً في هذه الجريمة النكراء. لا تزال الصور الرهيبة للحدث الجريمة في رأسي حيّة، لا سيّما صور العربات الخلفية التي دُمرت تماماً. لا زلتُ أرى قدميّ أخي شبه المقطوعتين والمُغمّسْتين بالدم أمام عينيّ، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الجريمة.

بالتأكيد دفعت شركة القطارات حتى الآن أكثر من ثلاثين مليون يورو تعويضات للمنكوبين، لتلقي العلاج الطبي، للصيانة والرعاية والمعاشات التقاعدية، لكن هل يكفي المال للتكفير عن جريمة بحق الإنسان؟

بعد تعرضه إلى كارثة القطار التي فقد فيها قدرته على المشي انشغل "الأمير حسن أدليرهورست" بتقنية القطارات وصار يفهم في البناء الميكانيكي للقطار مثل أي مهندس ميكانيكي مختص، بالإضافة لإدارة أعماله ودراساته حول الأديان بشكل عام والمذهب " النزاريّ" بصورة خاصة، ألَّف كتاباً مصوّراً عن أهم كوارث قطارات السكك الحديدية عالمياً وأسبابها وآليات حدوثها. توصّل من خلال كتابه إلى خلاصة مفادها:
"كوارث القطارات ليست قضاء وقدر بل هي جرائم غبية".

بالمناسبة الأمير يهديك السلام، أرسل لك كتابه المصوّر عربون صداقة راجياً منك الإطلاع وتقديم النقد، سبق وتحدثت طويلاً عنك معه، حكيت له عن شخصيتك وإنسانيتك وشفافيتك، عن دراستك للدكتوراه، في الحقيقة لم أستطع أن أشرح له حول مجال بحثك في الجامعة، قلت له فقط أنك تعمل في مجال التصميم الميكانيكي، ضحك الأمير وقال: التصميم عباءة فَضْفَاضَة، كاِمرأة كثيرة اللَّحمِ طويلَة الجسمِ. ثم سألني إذا كنتَ قد زرت في كلية الهندسة محاضرات حول علم المواد والتكنولوجيا النانوية وتطبيقاتها، سأكون مسرورة جداً لو تشرح لي باقتِضابٍ عن النقاط الرئيسية في بحثك، وكذلك عن مدى اهتماماتك في مجال الهندسة النانوية. وسألني أيضاً عن سبب اختيارك لألمانيا وجامعاتها وأضاف: أليس من الأفضل له لو يجري بحوثه العلمية في جامعة بريطانية وباللغة الإنكليزية؟

أعتقد بل أجزم أنه قادر على تأمين منحة دراسية لك تحت إشراف علمي ممتاز في جامعة "بريستيل" أو جامعة "باث"، يملك الأمير أصدقاء مميزين من الأساتذة المختصين في مجال الهندسة الميكانيكية.

شيء ما يحرّك الأمير باتجاه مساعدتك!

إبراهيم، ما رأيك بهذا الاقتراح؟
بإمكاننا ـ إن أحببت ـ أن نناقش اقتراح الأمير ونحن في القطار من فرايبورغ إلى لندن.

هنا أصل إلى نهاية رسالتي الطويلة.

الآن أنت تعرف كل شيء عني وأنا ما زلت لا أعرف إلا القليل عنك.
أرجو ألا تنسى أن تحرق أوراق هذه الرسالة بعد قراءتها.
قبلاتي لك.
آخن، الواقع في 24 ـ 02 ـ 2002
**

أشعل إبراهيم سيجارته الخامسة، شعر بنسيم المساء، نظر إلى الأوراق بين يديه، أعاد تقليبها، قرأ بعض العبارات مرة ثانية، ثم بدأ بتثقيب الكلمات برأس سيجارته المُتوقِّد، اتسعت دوائر الثقوب، أشعل عود ثقاب وأحرق الكلمات.
**



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World