قراءة في كتاب -غرق الحضارات- لأمين معلوف

صلاح الدين ياسين
salaheddineyassine99@gmail.com

2022 / 12 / 11

يُعد هذا الكتاب في جملة الأعمال المميزة، التي صدرت للكاتب والروائي اللبناني، المقيم في فرنسا، "أمين معلوف"، الذي ذاع صيته في الساحة الفكرية، لا سيما بعد صدور كتابه الرائع "الهويات القاتلة"، في أواخر التسعينيات، والذي أدان فيه التصورات الضيقة والمغلقة لمفهوم الهوية، مناديًا بالنزوع إلى تبني منظور أكثر اتساعًا وتركيبًا للهوية، هذا ناهيك بأعماله الروائية والأدبية المميزة. في مؤلفه الجديد الموسوم ب "غرق الحضارات"، موضوع المراجعة هذه، يتأمل معلوف، وقد بلغ خريف عمره، مآل الحضارة البشرية، من موقع المؤرخ والمفكر المتبصر، وبقدر غير يسير من الحسرة والألم، حيث يُشَبه حال حضارتنا البشرية بتلك السفينة التي تبدو، ظاهريًا، وهاجة وساطعة، واثقة من نفسها، وهي لا تعلم بأنها تمضي نحو غرقها وحتفها.
كيف أسهم المشرق العربي في الانحطاط الحضاري الراهن؟
يورد معلوف، في مستهل كتابه، مفردة معبرة للغاية: "حين خبت أنوار المشرق، عمت الظلمات جميع أنحاء العالم". فهو يعتقد أن منطقة المشرق العربي، بوصفها مهد الديانات السماوية التوحيدية، كان يمكن أن تعرف مصيرًا مغايرًا، لو استطاعت الحفاظ على التعايش بين مختلف الأديان والقوميات، مما كان سيجعلها مصدر إلهام للبشرية جمعاء. وفي رأي معلوف، فإن بداية التقهقر الحضاري في المنطقة، اقترن بانهيار النماذج التعددية – الكوسموبوليتية، وتحديدًا في مصر، بعد وصول الضباط الأحرار إلى السلطة، إبان منتصف القرن الماضي، وهو ما آذن بالشروع في تطبيق سياسة قومية ضيقة، قطعت مع الرصيد الكوسموبوليتي الذي راكمته مصر، خلال الحقبة الليبرالية، حين كانت تشكل ملاذًا للمهاجرين العرب، وحاضنةً للأفكار الليبرالية المنفتحة على الغرب. ومع ذلك، أنصف الكاتب شخصية جمال عبد الناصر، الذي بالرغم من هناته، مَثل آخر شعلة أمل لنهضة عربية منشودة.
كما تناول الكاتب، بإسهاب، حدث نكسة 1967، كأحد أهم العوامل المفسرة لحالة اليأس والتخبط التي تطغى على العالم العربي، ذلك أن العرب ما زالوا أسرى التداعيات النفسية للهزيمة الموجعة، خلافًا لأمم أخرى كسبت الرهان، وشقت طريقها بنجاح نحو تحقيق الازدهار والتنمية المستدامة، كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا واليابان بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية. وعطفا على ذلك، فإن تبعات تلك النكسة المشؤومة، لجهة حركة الأفكار، لا تقل خطورة، بحيث أفضت إلى صعود نجم حركات الإسلام السياسي والأصولية الدينية الرجعية، بفعل تراجع جاذبية وتأثير إيديولوجيا القومية العربية، ذات النفس الحداثي التحرري.
ويشدد معلوف على أن النكسة العربية، لا تفسر لوحدها الانقلاب الفكري الذي حدث في المنطقة، فقد أدت الأزمة النفطية في سبعينيات القرن الماضي إلى تراكم فائض كبير من الثروة المادية لدى الدول الغنية بالنفط، مما نجم عنه تحول مركز الثقل الفكري من العواصم الثقافية الكبرى (كالقاهرة وبيروت)، إلى بيئات صحراوية ظلت بمنأى عن تأثير الأفكار الحديثة الوافدة من الغرب (الاشتراكية، القومية، الليبرالية...)، إذ عملت تلك الدول جاهدة على تسخير مواردها المالية، لنشر الأفكار السلفية الوهابية في ربوع المنطقة، والعالم بأسره.
سنة الانقلاب الفكري المشؤوم
يفرد أمين معلوف حيزًا كبيرًا من كتابه لإضاءة ما سماه "سنة الانقلاب المشؤوم"، والمقصود هنا سنة 1979، التي عرفت حدوث الثورات المحافظة، بما انطوت عليه من تداعيات وخيمة، بحيث حدت من تأثير الحركات الفكرية، التي ترفع شعار الكونية، سواء في صيغتها الليبرالية، أو التقدمية اليسارية، وأفضت إلى صعود التيار الفكري المحافظ، الذي يبجل الخصوصية والهويات الضيقة. ويمكن الإشارة هنا إلى حدثين دالين، شهدتهما تلك السنة، كان لهما تبعات عالمية سلبية، وهما اعتلاء رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت تاتشر سدة الحكم في بريطانيا، ثم وصول رونالد ريغان إلى رئاسة أمريكا بعد حوالي سنة واحدة. وصولًا إلى الثورة الخمينية في إيران، وما تَرَتب عليها من تبني إسلام أصولي راديكالي، شديد العداء للغرب، لم تتوقف تداعياته عند حدود الجمهورية الإسلامية.
ولعل من أخطر التداعيات المتولدة من الثورة المحافظة، تَصاعُد حدة التوترات والصراعات المرتبطة بالهوية. وهنا يشير الكاتب إلى مفارقة مفادها أن عولمة أنماط الذوق والإنتاج والاستهلاك، لم يواكبها عولمة لأنماط التفكير، إذ يبدو العالم أكثر انقساما، وأقل نزوعا للعمل الجماعي المشترك، وهو ما يتضح في كيفية التعاطي مع قضايا ملحة ومصيرية، مثل أزمة التغير المناخي، التي تضع مصير البشرية جمعاء على المحك. كما يُبرز معلوف إلى أي حد تجعلنا المخاوف المرتبطة بالهوية، على استعداد للتضحية بحريتنا وحقنا في الخصوصية، في سبيل حفظ أمننا الجماعي، مما يتيح للحكومات والشركات الكبرى مراقبة أدق تفاصيل حياتنا، من طريق التكنولوجيات الحديثة.
ومن أجل التغلب على رهاب الهويات المتصارعة، يلح الكاتب على ضرورة القطع مع إحدى يقينيات الفكر القومي المحافظ، والتي مفادها أن "الإمبراطوريات سجن لشعوبها"، وعلى مقتضاها تتم الدعوة إلى منح الجماعات القومية حق تقرير مصيرها، في إطار دولة أمة، وهو الخيار الذي أثبتت التجارب العملية فشله وهشاشته، مثلما يلحظ معلوف، كما هو عليه الحال مع شبه القارة الهندية. وهكذا، يبدي معلوف تحسره على فقدان تصور كوني، ساد لفترة طويلة، مؤداه أنه يمكن لجماعات من أعراق وأقوام وديانات مختلفة، أن تتعايش في إطار كيان سياسي واحد. كما يؤكد مفكرنا على الحاجة إلى وجود قيادة مرجعية، تُلهم العالم لتكريس التعايش الكوني، وهو ما فشلت في تحقيقه الولايات المتحدة، بعد الانتقال إلى نظام الأحادية القطبية في بداية التسعينيات من القرن الماضي. كما يصدق ذلك الحكم الاستنكاري أيضا على الاتحاد الأوروبي، في ضوء بروز إرهاصات تفكك مشروعه الوحدوي، على عيوبه ومثالبه، خاصةً بعد خروج بريطانيا من هذا التكتل القاري.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World