اعتذار واجب للكافرين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 12 / 7

قد لا يعرف أغلبنا، أو لا يريد أن يعرف، أن والد رسول الإسلام كان مشركاً ومات جاهلاً بهذا الدين وكافراً به حتى قبل ولادة النبي الكريم. كذلك كانت والدته وأجداده والكثيرين من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأهله وعشيرته، سواء من أتتهم المنية قبل أن يبلغ النبي عامه الأربعين أو حتى بعد ادعائه النبوة، من شاكلة عمه أبو لهب. في قول آخر، هؤلاء المشركون والكفار هم أنفسهم الذين من مورثاتهم الجينية تشكل المبعوث رحمة للعالمين في لحمه ودمه وهيئته، تربى وسطهم وتعلم منهم كل شيء. أو، لولاهم، ما كان هو.

كذلك الحال مع كل أهل مكة والمدينة وكافة ربوع الجزيرة العربية الذين سيشكلون فيما بعد المسلمون الأوائل، ومن بينهم وعلى رأسهم الصحابة الأبرار والخلفاء الراشدين والملوك والأئمة والفقهاء والعلماء والفلاسفة والكثيرين معهم. جميعهم من دون استثناء يدينون بالكامل في نشأتهم البدنية والنفسية والفكرية والاجتماعية والثقافية إلى آخره لآبائهم وأجدادهم الوثنيين والمشركين مع الله إله آخر، والكافرين بالإسلام سواء لكونهم قد سبقوا ظهوره أو رفضوا التسليم له وظلوا متمسكين بأديانهم. لولا هؤلاء، ما كانوا هم.

يضاف إلى ما سبق أن مكة ذاتها، مع المدينة وكافة المدن والعمران في شبه جزيرة العرب، كانت من إنجازات هؤلاء المشركون والكافرون أنفسهم؛ هم اللذين بنوها وحفظوها من أن يدمرها الأغراب، وأورثوها مع أراضيها سليمة وحرة من الاحتلال الأجنبي معارضة بآخرين كثر حولهم لم يستطيعوا ذلك. بل شمل هذا الإرث أيضاً معالم إسلامية أكيدة مثل الكعبة ومراسم الحج ذاتها، وذات الصلوات الخمس، والصوم عن الطعام والشراب، ورفع الآذان، والركوع والسجود والتسبيح وكل شيء آخر، حتى الإله المعبود ذاته- الله- هو نفسه إله آبائهم الوثنيين الكفرة.

ليس ذلك فحسب. بل قرآن المسلمين ذاته حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، هو من إبداع هؤلاء المشركين الكافرين أنفسهم- لغتهم اليومية والأدبية. حتى لو ادعى المسلمون ابتكار النظم والبناء الجديد، كانت كل تراكيب القرآن ومعانيه ومضامينه وبلاغته لا تزال، بالدليل القاطع، موجودة ونابضة بالحيوية من قبل ظهور الإسلام بمئات السنين. المسلمون الأوائل لم يضيفوا شيئاً جديداً لإرثهم من المشركين والكفرة لأنهم- منطقياً- لم يكن لديهم بعد متسع من الزمن لإضافة شيء، أي شيء. كل ما في الأمر أنهم دثروا إرثهم عن الآباء والأجداد الكافرين بغلاف براق جديد أسموه "الإسلام" بينما بقي الجوهر هو هو نفسه بالحرف والمعنى بالضبط كما كان. هم بالتأكيد سوف يضيفون لمستهم فيما بعد بمرور الزمن، وفق العملية التراكمية المعتادة والمستمرة منذ القدم وسط كافة الجماعات البشرية. لكن إضافتهم تلك لا تعنينا الآن. بل نحن معنيون بالجحود الإسلامي الواضح لكل ما قد سبقه، حتى لو كان جلياً أن لولاه ما وجد الإسلام ذاته. كيف نفسر هذا الردم والتشويه المتعمد والعداء المستحكم من طرف الإسلام ليس لكل ما كان قبله أو عاصره فحسب، بل حتى لكل ما لا يزال في غيب المستقبل ولم يبلغه علم البشر بعد؟!

هذا العداء سافر وقوي في العصر الحاضر. لكن، من جهة أخرى، هل كان موجوداً حقاً بنفس السفور والقوة طوال الحقبة الإسلامية منذ نحو ألف ونصف ألف عام؟! في قول آخر، نحن المسلمون في الزمن الحاضر نناصب المشركين والمرتدين والكفرة، ومؤخراً الملحدين والعلمانيين والمثليين، الكراهية والعداء إلى حد القتل، هل كان أجدادنا المسلمون الأوائل في الماضي مثلنا نحن اليوم يناصبون هذا الصنف من البشر هذا القدر من الكراهية والعداء؟ على سبيل المثال نحن، المسلمون المعاصرون، نعيش مضطرين مكرهين مع أمثال د. مجدي يعقوب، لا نترفع على دراسة أبحاثه والاستفادة من علمه ومداواة أوجاعنا تحت أصابعه ومشرطه، لكننا في الوقت نفسه نأبى أن نترحم عليه أو ندعو له بحسن المغفرة وثواب الجنة لأنه في نهاية المطاف- "كافر!". هل كان المسلمون الأوائل هكذا مثلنا اليوم- جاحدين، ناكرين الجميل، غير شاكرين المعروف للكافرين بدينهم؟



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World