قطار آخن 34

علي دريوسي
daryusi@yahoo.de

2022 / 12 / 4

- وأنت أيها الفضولي المشاكس ماذا ستفعل من دوننا؟ سألت هنيلوري.
ـ أعتقد بأني ما زلت أحتاج لبعض الراحة، سأسافر إلى آخن، اشتقت لغرفتي، عضلاتي مُتيبِّسة، سأركض قليلاً في الغابة ثم أنام، سأبدأ حياتي الطبيعية في الغد، اشتقت لعملي.
ـ أرجو أن تشتاق لنا وليس للعمل. قالت هينلوري ممازحة وأردفت:
ـ هل تكلمتما عن تفاصيل الرحلة إلى لندن؟
ـ كل شيء جاهز، وحده مكان الانطلاق قد تغير، سنسافر يوم السبت صباحاً من محطة القطار في مدينة فرايبورغ، سأنام هناك يوم الجمعة، لديّ موعد عمل مهم، ذَكِّرني يا إبراهيم أن أعطيك بطاقة السفر من آخن إلى فرايبورغ، حجزت لك مسبقاً في القطار السريع، كذلك لك يا هينلوري، لا تنسى يا إبراهيم أن تقدم طلب إجازة لأسبوع كامل، ستكون الرحلة الأهم في حياتك.
ـ ما الذي تعنيه بالرحلة الأهم؟
ـ لا شيء، أمزح معك.
ـ ألم تحكي له بعد؟
ـ في الحقيقة أرغب أن أُعرّفك ببعض الشخصيات المهمة، سنلتقي هناك مثلاً "الأمير حسن أدليرهورست"، والد هينلوري وبعض الأصدقاء الآخرين.
ـ من يلتقي بوالدي يدخل التاريخ، تنفتح له طاقة القدر.
ـ هذا ليس كل شيء، نحن هناك في المقام الأول كي نتمتع بالمدينة والحياة.
ـ لا أعتقد أن لدي من النقود ما يكفي لأعيش المتعة في شوارع لندن، ولا حتى اللباس اللائق للقاء شخصيات مهمة.
ـ لقد أخبرتك بأن كل شيء جاهز، لا نحتاج سوى لابتسامتك ومزاجك الرائق، ستجد ملابسك اللائقة بانتظارك في غرفتك بالفندق. قالت سابينه بصوت أمومي.
ـ يجب أن أحضّر نفسي، موعدنا يوم السبت القادم إذاً، في محطة قطار فرايبورغ، دعوني أضمكما، سأشتاقكما. قالت هينلوري ونهضت.
ـ سلام حار لوالدتك. قالت سابينه.
ـ أتمنى لكي الكثير من المرح والمفاجآت الممتعة. قال إبراهيم وضمها إلى صدره.
ـ أترافقني لبضع ساعات في المدينة؟ سألت سابينه، وكأنّها لا تنتظر موافقته.
ـ ما الذي تنتوين فعله هناك؟
ـ حجزت لي ولك موعداً عند الكوافير، سنذهب بعد ذلك إلى المدينة.
ـ أرافقك بطيبة خاطر، شكراً أيضاً للموعد مع الكوافير، إنّه التخاطر، لقد أردت اليوم في كل الحالات الذهاب إلى صالون الحلاقة في آخن.
ـ سرّني أن التخاطر بيننا قد عاد بعد انقطاع.
**

ـ لهذا المحل سمعة جيدة بين الميسورين. همست سابينه.

محل رخاميّ أنيق من طابقين، ولجا من الباب الزجاجي العريض، في الداخل فُوجئ إبراهيم برحابة المكان ونظافته، انتشرت حوالي خمسة عشر كرسياً للحلاقة في الطابق الأرضي مزودة بكل ما يلزم وجاهزة لاستقبال الزبائن، جميع الكراسي خالية، موسيقى "ضوء القمر" للموسيقار "بيتهوفن" تصدح في أرجاء الصالون، موسيقى عذبة مشحونة بالحزن والجمال والمشاعر النّبيلة، والكوافير يجلس في كرسيه الخاص وفي يده كتاب، رجل أنيق يرتدي الأسود، يقترب من نهاية العقد السابع، توقف عن العمل منذ سنتين ولا يرغب بتأجير محله أو بيعه، يجلس في المحل من باب التسلية ولا يعطي موعداً إلا لقلة قليلة من زبائنه الأوفياء. الكوافير الذي يجيد مهنته لا يقل أهمية عن أي كاتب أو رسّام مشهور.

قام الكوافير من مقعده لاستقبالهما، نهض بشعر رأسه الطويل والخفيف وبيديه المرتجفتين اللتين لا تصلحا لكوافير، تأبَّط الذراعَ اليسرى لصديقته سابينه، وباليمنى صافح إبراهيم، عَرَّفَتهما سابينه على بعض، ثم ساعدها على الجلوس في كرسي غسيل الشعر، بينما جلس إبراهيم في أحد الكراسي القريبة من المدخل الزجاجي.

كلب أسود كبير، مشى باتجاه إبراهيم يستشمه، تراجع إبراهيم للوراء كمن يحتمي من خطر مفاجئ يهدده.

ـ لا تقلق، لا يؤذي أحداً، الكلب هو مفتاح الباب إلى المجتمع والعالم الخارجي.

**

كان إبراهيم سعيداً بتصفيفة شعره، سابينه أيضاً، التي شكرت صديقها الكوافير بامتنان وقالت:
ـ إنّها من أحلى القصات التي حصلت عليها في السنوات الأخيرة.
ـ طالما أن الكيمياء بين الكوافير والزبُون متطابقة، يبقى كلاهما راضياً.
ودّعهما الكوافير عند الباب.

خرج إبراهيم من المحل يَتأبَّط الذراعَ اليسرى لحبيبته سابينه وكأنّه أراد تسجيل هدف في مرمى الكوافير، بعد أن تعلّم منه درساً في الإيتيكيت الاِجتماعي.

في الطريق راحت سابينه تحكي لإبراهيم من باب التسلية عن فلم "حبيب الكوافيرة":
ـ واحد من أجمل الأفلام الفرنسية التي حضرتها، فيه أحلى القبل والهمسات والإيحاءات الجنسية على أنغام شرقية، في وقت الظهيرة وخلال ممارسة المهنة. تدور القصة حول "أنتونيو"، الرجل العاشق في الفلم، رجل صقلته مراقباته في مرحلة الطفولة لإحدى الكوافيرات والتي عملت في الحارة التي عاش فيها، عندما كَبُرَ "أنتونيو" رافقته أحلام ومشاهدات الطفولة، بل وجَّهته، تعرّف لاحقاً إلى كوافيرة، أحبّها وأحبّته، وذات يوم انتحرت الكوافيرة من شدة الهيام والولع.

فتحت سابينه حقيبة يدها وأخرجت منها علبة سجائر غارغويل، ناولته سيجارة ووضعت في فمها سيجارة، أشعل لها وله، ثم أرخى ذراعه اليسرى على كتفها والسيجارة في فمه والذراع اليمنى تُعانق الهواء وجلجلت ضحكته.
ـ ما الذي يُضحكك بهذا الصخب؟
ـ تذكرت كلمات لشاعرٍ سوري اسمه "رياض الصالح الحسين".
"ألفَّ ذراعي اليسرى حول كتفك، واليمنى حول كتف العالم، وأقول للقمر: صَوِّرْنا!"
ـ آه كم تتعبني، ما علاقتي أنا بما تهذي به، هل عادتْ موجة الكوكايين؟
وصلا إلى محطة القطار، ألقت نظرة إلى لوحة مواعيد السفر وتمتمت:
ـ سينطلق قطار باتجاه آخن بعد ثلث ساعة من الآن.
ـ أتمنى أن أبقى معك قليلاً.
ـ لا يا حبيبي لا وقت لدي.
ـ معظم أشيائي، حقيبتي، ما زالت في بيتك.
ـ اِعتقني يا إبراهيم، ما زال لدي واجبات كثيرة يجب إنجازها.

أشعل سيجارةً ليأخذ وقته بالتفكير، كان حزيناً لردة فعلها، نظرَ إلى عينيّها بعتبٍ، أحسّ بندمها، اقتربتْ منه، عانقتْه، اعتذرتْ منه هامسةً في أذنه:

ـ لا تحزن يا إبراهيم، أنا متعبة وأنت عليك السفر إلى غرفتك وعملك ودراستك، سنلتقي يوم السبت، لا تشعر بالإهمال وبأنني أبتعد عنك، لا تخف من الظلمة، نحن نقف بالقرب منك، لا تعرف كم أنا فرحة لرحلة لندن، سنكون معاً الوقت كله.
- من تكونين بحق الشيطان؟ ما هي قصتك سابينه؟ لا أعرف شيئاً عن حياتك!
- لا تفكر بحياتي وقصتي طويلاً، أنا لستُ إلّا أقل من اِمرأة بسيطة تحلم بالحياة والحب والسعادة، في كل الحالات كنت قد قررتُ أنْ أخبرك شيئاً عني، لكن ليس شفاهيةً، فهذه نقطة ضعفنا نحن النساء، بل كتابةً، هنا مكمن قوتنا، لا نستطيع أن نتكلم قبل أن نفكر بما سنقوله، التفكير يَتَطَلَّبُ الوقت لأنّه الطريق الوحيد إلى المعرفة، "في التفكير تكمن الخطورة كلها" كما تقول فيلسوفتنا "حنة آرنت". كن صبوراً معي يا إبراهيم، ستجد رسالة طويلة عني في صندوق بريدك، سيحدث هذا قبل موعد سفرنا إلى لندن، أعدك بهذا.

تناولت سيجارته من بين أصابعه، سحبت منها نفساً إلهياً، أعادتها إليه، ضمّت أصابع يدها اليمنى لتصير إسطوانة تخزين، قربّت قبضتها من فمها، نفختْ في داخلها دفء قلبها ورمتْ قبضة يدها، خزان حرارة قلبها، باتجاهه، ثم قالت:

ـ هذه لك، اِلْتقطها، سأحبك دائماً.

عانق إبراهيم رأسها ووجنتيها بين كفيه القويتين، قبّل شفتيها وهمسَ لها:
ـ إلى اللقاء، سأشتاق إليك دائماً.

فتحتْ حقيبة كتفها، تناولتْ منها بطاقة سفر بالقطار من آخن إلى فرايبورغ، ثم أخرجت عدة علب سجائر غارغويل، وضعتها في كيس ورقيّ، قدمتها له وقالتْ:
ـ خذها مني أرجوك، ستحتاجها في الأيام القادمة.
**



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World