القادسية... معركة مفصلية في تاريخ العراق

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 12 / 4

مَعْرَكَةُ القَادِسِيَة أحد معارك الفتح الإسلامي لفارس وقعت في منطقة بمحافظة الديوانية في وسط العراق تعرف بالقادسية, وذلك في الثالث عشر من شهر شعبان 15 هـ الموافق السادس عشر من شهر تشرين الثاني لسنة 636 م ، بين المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص والإمبراطورية الفارسية بقيادة رستم فرخزاد . انتهتْ المعركة بعدَ قتال شديد بين المسلمين والفُرْس، دام أربعةَ أيام وثلاثَ ليال بنصرٍ حاسِم للمسلمين ومقتل رستم. وقد ترتَّب على انتصار المسلمين في القادسية نتائجُ مهمَّة على مجريات الأحداث السياسية والعسكرية , إذ كانت بداية لإنتصارات إسلامية لاحقة في المنطقة، وتحريرها من هيمنة الفرس , ومحو كل آثار الثقافة الفارسية التي كانت تنظر بإستعلاء وإزدراء لثقافة سكانها العرب , حيث أعزهم الإسلام وأصبحوا أسيادا أجلاء في بلادهم . ومن هذا المنطلق يمكن إعتبار معركة القادسية أحد معارك تحرير العراق من السيطرة الأجنبية المتمثلة يومذاك بحكم الإمبراطورية الفارسية المترامية الأطراف حيث كانت تمثل أحد أعظم حضارتين عالميتين في ذلك العصر , بصرف النظر عن دوافع المعركة الدينية , وربما نظر إليها آخرون بإنها إستبدال سيطرة فارسية بسيطرة عرب شبه الجزيرة العربية في إطار الفتوحات الإسلامية تحت غطاء نشر الدعوة الإسلامية .
ونحن بطبيعة الحال لا نميل لهذا الرأي بتاتا , ذلك أن سكان وسط وجنوب العراق ومناطق أخرى كثيرة فيها كان معظم سكانها إن لم يكن جميعهم من العرب ,فقد حكمتها ممالك عربية هي : مملكة ميسان وهي مملكة عربية قديمة، نشأت في جنوب العراق في القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك بعد تفكك إمبراطورية الاسكندر المقدوني. كانت عاصمتها خاراكس, ومملكة الحضرالتي تمركزت في مدينة الحضر إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل على مسافة ( 110 ) كيلومتراً. وتبعد عن مدينة آشور القديمة حوالي( 70 ) كيلومتراً. ظهرت مملكة الحضر في القرن الثالث الميلادي وحكمها أربعة ملوك استمر حكمهم قرابة المائة عام, ومملكة المناذرة التي كانت من أقوى ممالك العراق العربية قبل الإسلام فكانت هذه المملكة هي امتداد للممالك العربية العراقية التي سبقتها مثل مملكة ميسان ومملكة الحضر. كانت مدينة الحيرة عاصمة مملكة المناذرة، تقع أنقاضها على مسافة (7 ) كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من مدينتي النجف والكوفة، وتمتد الأنقاض من قرب "مطار النجف" حتى "ناحية الحيرة" التابعة حاليا لقضاء المناذرة (أبوصخير) . وبذلك تعد معركة القادسية معركة تحرير عربية بغطاء إسلامي للتخلص من هيمنة أجنبية , الأمر الذي يستدعي أن تكون مدعاة فخر وإعتزاز لكل العراقيين .
ولكن نلاحظ تحسس بعض العراقيين المتعاطفين مع إيران , من ذكر القادسية حيث تعود بهم الذاكرة إلى مطلع عقد الثمانينيات من القرن المنصرم , بإندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي أطلق عليها يومذاك قادسية صدام , لإضفاء طابع ديني عليها لمواجهة الجانب الإيراني الذي أجج هذه الحرب بدعاوى تصدير الثورة الإسلامية التي إستمرت ثمان سنين خسر فيها الجانبان خسائر مادبة وبشرية هائلة لا موجب لها . ومن مظاهر هذا التحسس قيام المسؤولين الحالين الموالين لإيران إعادة تسمية محافظة القادسية إلى تسميتها القديمة محافظة الديوانية , بينما أبقت تسمية المحافظات الأخرى التي هي الأخرى أستبدلت تسمياتها القديمة بتسميات تاريخية عام 1969, فمحافظة الحلة مثلا سميت محافظة بابل ,ومحافظة الناصرية سميت محافظة ذي قار, ومحافظة الرمادي محافظة الأنبار وهكذا . الأمر الذي يوحي بميل هؤلاء الواضح حتى في أبسط الأمور إلى دولة أجنبية دون مراعاة لمشاعر أبناء وطنهم العراقيين الذين يعيشون معهم في كنف وطن واحد , بصرف النظر عن المبررات العقائدية التي قد يتذرع بها البعض , فمصلحة الوطن فوق أي إعتبار .
وإيران نفسها تمجد تاريحها الفارسي , فلعل البعض يتّكر الإحتفال الباذخ الذي أقامه شاه إيران محمد رضا بهلوي في منتصف عقد السبعينيات بمناسبة مرور الفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية , بمشاركة الكثير من ملوك ورؤساء دول العالم , متجاهلين التاريخ الإسلامي في إيران تماما , وكذا الحال في نظام الجمهورية الإسلامية , فالأولوية للفرس في كل شيئ في الوظائف والمناصب , وإلاّ كيف نفسر حرمان التلاميذ العرب من التعلم في المدارس بلغتهم العربية , في نظام يدعي الإسلام الذي لغته اللغة العربية , ناهيك عن الفقر والحرمان الذي تعاني منه منطقة الأحواز العربية المحتلة التي تمثل مصدر الثروة النفطية في إيران . ولا يختلف الحال كثيرا في بقية المناطق الإيرانية التي يسكنها الأذريين والكرد والبلوش .
ويعتز الفرس كأي أمة أخرى بكبارمبدعيهم , فها هم حتى يومنا هذا في دولتهم الإسلامية يستذكرون شاعرهم الفردوسي صاحب القصيدة الملحمية الشاهنامة، والتي تعد الملحمة الوطنية لبلاد فارس .وكان الفردوسي قد كرس حياته لإنتاج هذه الملحمة الشعرية المكونة من ( 60 )ألف بيت يحكي فيها قصة الأمة الفارسية منذ فجر الحضارة وحتى سقوط الإمبراطورية الفارسية على يد العرب المسلمين المتوحشين , يمجد فيها الفرس ويحتقر العرب المسلمين الغزاة الذين أطاحوا بالحضارة الفارسية لتحل محلها الحضارة الإسلامية التي يدعى فيها الأن نظامها الإيراني سعيها لتصدير ثورته الإسلامية بوصفه مركز الفكر الإسلامي .
نقول أن إيران كانت على الدوام تضع مصلحتها فوق مصلحة الجميع , ولا يهمها العراق أو سواه إلاّ بالقدر الذي يخدم مصالحها .وتسعى دوما لتوسيع نفوذها بكل الوسائل , ومن يراوده شك بذلك عليه مراجعة سجل التجاوزات الإيرانية للأراضي العراقية البرية والبحرية, وضم بعضها إليها قسرا سواء أكان ذلك زمن سيطرة الدولة العثمانية, أو زمن تأسيس الدولة العراقية بعصورها الملكية والجمهورية المختلفة , حتى أن إيران لم تعترف بالعراق دولة مستقلة حتى العام 1932 أي بعد مضي نحو عشر سنوات من تأسيس المملكة العراقية . وكثيرا ما خرقت إيران الإتفاقات وبرتوكولات ترسيم الحدود. المعقودة بينها وبين العراق , كلما شعرت بضعف الحكومات العراقية لأسباب داخلية خاصة بها , كما حدث ذلك عام 1937 في فترة إنقلاب بكر صدقي , وعام 1958 في أعقاب إنقلاب الرابع عشر من تموز, وفي العام 1969 في أعقاب إنقلاب السابع عشر من تموز.ولا تزال إيران حتى يومنا هذا لا تقيم وزنا للحكومة العراقية وتتدخل بشؤون الحكومات العراقية جهارا نهارا , وتستبيح الأراضي العراقية وتتحكم بمنافذه البحرية وتحرمه من حصصه المائية .
وكما ذكرنا أن من حق الشعوب أن تستذكر جانبا من تاريخها المشرق , ومعركة القادسية تمثل حالة مشرقة في التاريخ العراقي إذ منذ ذلك التاريخ إزدهرت الحضارة العربية الإسلامية في العراق , بتمصير مدينتي البصرة والكوفة .بنيت البصرة كأول مدينة إسلامية خارج الجزيرة العربية، وتم التخطيط لها لتكون واحدة من أكبر، وأشهر مدن العراق، وكانت تدعى «قبة الإسلام»، ومستقر المسلمين بالعراق، بناها عتبة بن غزوان سنة (14 ) للهجرة . كان للبصرة دور كبير في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فقد كانت مساجدها ومدارسها تعج بحركة العلماء، والفقهاء، والأدباء. وخرج منها فطاحل علماء المسلمين، وكبار فقهائهم. واشتهرت بأئمة المعتزلة. وظهرت فيها في القرن الرابع للهجرة مدرسة شهيرة ذاع صيتها في الآفاق، وعرف أصحاب هذه المدرسة بإخوان الصفا. وأطلق على البصرة قبة الإسلام.
وبنيت مدينة الكوفة كثاني مدينة إسلامية خارج الجزيرة العربية عام ( 17) للهجرة إبّان نهضة الإسلام الكبرى، حين كان المسلمون ينطلقون إلى الفتوحات، ، بعد انتصار المسلمين في معارك القادسية والمدائن وجلولاء، فاختاروها لتكون قاعدة ومقرّاً للقيادة . أصبحت الكوفة عاصمة للدولة الإسلامية في زمن خلافة الإمام هلي بن أبي طالب ( ع) , وقامت في الكوفة – منذ ذلك الحين – مدرسة في علوم اللغة، وكان لأهل الكوفة عبر عصور التاريخ باع طويل في الفقه، وفيها أمر الإمام عليّ أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو، كما برع من أهلها جابر بن حيان في الكيمياء، وفي الكوفة ولد أعظم شعراء العرب قاطبة , ابو الطيب المتنبي الذي ذاع صيته في كل مكان .وأختيرت الكوفة ثانية لتكون أول عاصمة للخلافة العباسية قبل تأسيس مدينة بغداد , التي أصبحت عاصمة العلم والثقافة والفكر في العالم قرونا عديدة حتى سقوطها على يدي المغول . والحديث يطول عن إنجازات الحضارة العربية الإسلامية في العراق , ولكن سنكتفي بهذا القدر الموجز .لذا نهيب بجميع العراقيين إستذكار تاريخهم المجيد المشرق , وعدم التقليل من شأن بلادهم لحساب كائن من يكون , فقد تكبو الشعوب في مرحلة ما , لكنها سرعان ما تنهض كالعنقاء من تحت الرماد قوية شامخة لتستعيد حقها وكرامتها .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World