السلثردي

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 11 / 21

السلثردي كائن اجتماعي يعيش في بيئة ثقافية ويتغذى على الأفكار والمعتقدات. وجود الجماعة البشرية شرط مسبق ضروري لنشأته، لأنه كائن اجتماعي حصراً، أي لا يمكن أن يوجد خارج جماعة كبيرة من الناس يعيشون حياة وتجمعهم مصالح مشتركة بدرجة أو بأخرى. وحتى يحافظ على بقائه، لابد أن يقتات على الإفرازات والمنتجات الثقافية لهذه الجماعة. وهو ليس له وجود مادي محسوس بذاته. هو سلطة، بل السلطة الأعظم في الجماعة. ولأنه سلطة، لذا يمكن أن يمثلها ويجسدها شخص واحد أو أكثر، أو مجموعة منظمة (مؤسسة) منهم. ولأنه كائن اجتماعي حصراً، لذا هو يحول بالضرورة الشخص الطبيعي الذي يمثله إلى آخر اجتماعي، أو ما يُصطلح عليه ’اعتباري‘- الشخص الذي يكتسب هذه الصفة بحكم وظيفته (صفته) الاجتماعية (الرسمية) معارضة بالصفات الشخصية فقط للأشخاص الطبيعيين.

الثقافة العربية قبل الإسلام لم تعرف شيئاً بهذا المعنى أو مرادفاً له. بل كان أول سلثردي معلوم في الثقافة السائدة اليوم هو النبي محمد، لأنه كان أول من حاول الجمع بين ثلاثية السلطة والثروة والدين في شخص واحد، شخصه نفسه. ومع أنه لم يفلح في الواقع، إلا أن محاولته تلك وضعت النموذج والسابقة لمن سيخلفه، وللثقافة العربية الإسلامية فيما بعد. ثم حاول كل من أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب فيما لم يفلح فيه الرسول- مَرْكَّزَة سلطة الجماعة الإسلامية وثروتها ودينها في شخص واحد أو مؤسسة واحدة. لم يكونا أكثر نجاحاً من سابقيهما، حتى انفجرت الأزمة في جسد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان. لم يكن سبب الفتة يعود إلى التشكيك في أحقيته لتمثيل سلطة المسلمين أو دينهم، حيث كان صحابياً وزوجاً لاثنتين من بنات الرسول (ذو النورين). بل كانت الثروة (بيت مال المسلمين) قد تعاظمت في ذلك الوقت إلى الحد الذي أثار لعاب وضغينة نخبة المسلمين، التي أصبحت لا ترضى أن يستأثر بكنزها وتوزيعها كيفما شاء شخص أو بيت واحد مهما كانت الحجج والذرائع. بعد عثمان لم يعد للسلثردي ممثل أو مجسد وسط المسلمين السنة، لكنه بقي حياً في ثقافتهم ومعتقداتهم.

ما لم يفلح فيه محمد بن عبد الله وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، أفلح فيه بدرجة كبيرة روح الله الخميني، مرشد الثورة الإيرانية. لأول مرة في تاريخه يستطيع الإسلام إعالة شخص اعتباري يتمتع بهذه الدرجة الفائقة من مركزية السلطة والثروة والدين. في الواقع، المرشد الأعلى لا يملك ’كل‘ السلطة والثروة والدين في يده شخصياً أو مؤسساتياً، لكنه يملك ’معظمها‘. وهذا ’المعظم‘ ذاته هو ما لم يسبقه إليه أحد من قبل في كل التاريخ الإسلامي. لكن يظل، كما نرى جميعاً عبر الشاشات، هذا السلثردي المعاصر يعاني من ذات المشكلات والتناقضات والصراعات التي واجهت النبي وخلفائه الراشدين.

قد نرى السلثردي حالة شاذة، عابرة، في سلسال نظم الحكم العربية والإسلامية الممتد منذ نحو ألف وخمسمائة عام، ذلك الذي وضع أساساته معاوية بن أبي سفيان بن أمية في دمشق. في النظام الأموي، تم الفصل بين السلطة والثروة والدين. لم يعد الملك هو نفسه من يملك أيضاً ثروة المسلمين ودينهم. بل وضعت مسافة، متفاوتة من وقت لآخر، بين الثلاثة، حتى لو بقي الملك هو في نهاية المطاف صاحب ’النعم‘ الأعظم في الجماعة كلها، ومن تصدح باسمه دعاءً له كل منابر مساجد المسلمين الخاضعين لسلطته. بقي الملك مركز السلطة والثروة والدين في المملكة، لكن الأخيرتين لم يعودا مجرد وجه آخر للأولى.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World