هل القوة وحدها تكفي؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 11 / 19

في ساعة متأخرة من الليل، طرق الباب بعنف. قام أحدنا مسرعاً، وعاد برفقة أمنية. ماذا تفعلون؟! في هذه اللحظة، كنت واقفاً أمام سبورة والآخر جالساً على مقعد الدرس. أجبتهم: أعلمهم القراءة والكتابة. لكن أحدهم أصر على أن ثلاثتنا كنا نمارس الرذيلة معاً. ثم اقتادونا إلى قسم الشرطة الكائن قبالة المدرسة مباشرة على الجانب الآخر من الطريق. هناك، أوقفونا صفا وانفجر في وجوهنا وابل من الشتائم الحارقة لحياء البشر. ثم سرعان ما تلطخت الكلمات باللكمات والركلات والصفعات، من الأمام والخف والجنبين وفي كل الأنحاء. لكن بقيت نقطة المنتصف، حيث كنت واقفاً، معفية لا يصيبها شيء، شتائم فقط! آهه، هذه من نصيبي حتماً. أتهيئ وآخذ وضع الاستعداد، لكن لا شيء يأتي! استمر الضرب والشتم زهاء ساعة في الجحيم. ثم بعدما شبع المعتدي من شتمنا نحن الثلاثة، وضرب زميلاي فقط، زعق فيهما بالانصراف. انصرفا وبقيت أنا وحدي معه.

لماذا لم يصرفني معهما؟! لماذا لم يضربني؟! كنت كلما صرخ فيِّ بسؤال، انظر في عينيه مباشرة وأجيب من دون تلعثم أو خوف، بصوت مطمئن ومستقيم، بصدق كان يفاجئه ويقيد تفكيره الشرير نحوي. ماذا سيفعل بي؟! بعد عدة لفات من حولي وأنا واقف متسمر كالصنم، استدار نحوي وخاطبني وجهاً لوجه، بلهجة أكثر هدوءً واعتدالاً هذه المرة: أنا لم ألمسك، صح؟ أجبته: نعم. سكت قليلاً. قلت في نفسي ربما هو يفكر لي في عقوبة تشفي غليله مني بعدما لم يفلح في أن يمسك ضدي من الكذب أو التلعثم أو الخوف ما يشفع له بضربي كما فعلي بزميلي. "الآن، سوف تنظف القسم كله، مع الحمامات، وتخليه مراية، دون حبة تراب واحدة. وبعدما تفرغ، تخرج تكنس الشارع كله أمام القسم"، نطق أخيراً. أجبته بهدوء ورضا وطاعة زادت من حيرته: حاضر. وانطلقت بكل همة ونشاط وإتقان أنفذ عقوبتي.

كنت بمجرد أن وقعنا في الفخ أدرك جيداً أنني أمام وحش إذا ما أسأت التقدير والتصرف سيفترسني حتماً. صراع القوة معه سيؤدي إلى نتائج كارثية. هذا جنون، أن تصطدم وأنت أعزل بشخص مسلح، رجل أمن، وداخل قسم شرطة؟! لكنني ظننت أن القوة والسلاح والصفة الرسمية ليست كل شيء. ثمة عوامل أخرى تحكم الموقف الكلي أستطيع تسخيرها لصالحي، ولو على أقل تقدير للتلطيف من حدة ما قد يلحق بي خلافاً لذلك. هذا ما فعلته منذ البداية، وتفاديت الضرب المبرح، وإن لم أتفادى الشتيمة. نتيجة لا بأس بها. استمر. فاجأته بجديتي واخلاصي التام فيما أمرني. بل وأمسكت بزمام المبادرة، من وقت لآخر أباغته بتفاصيل فاتته بحاجة إلى التنظيف. سأنظف هنا، وهناك، ثم هذه، وتلك أيضاً. ينظر مستغرباً ثم يجيب: ماشي، نظفها! أكثر من ذلك، كنت أتعمد التصدي لمهام تفوق قدرتي، تحتاج إلى شخصين على الأقل لتحريكها من مكانها. أحاول ثم أحاول عبثاً أمام عينيه، بصمت وتفان وأنا أعرف مسبقاً أنني لن أقدر؛ لكنها خدعة. أضغط على ضميره واستدر عطفه، حتى ينهض من مكانه مضطراً لمساعدتي. في الحقيقة كنت لا أترك له المجال حتى لا يأمرني بأشياء أخرى، كنت أسبقه وأبادر بها من نفسي. ولم أتركه يهنئ بعشرة دقائق كاملة ممدداً على أريكته أمام تلفازه، لأني كنت أستدرجه إلى مشاركتي في العديد من المهام الصعبة. بطلوع الفجر، كنت قد نجحت في أن أشبع له غروره وأطفئ له نيران غضبه تماماً. عندئذ استدعاني وخاطبني بنبرة الرضا: خلاص كدا كفاية. يمكنك الانصراف الآن. أكدت له إن كان يريد مني أمراً آخر. قال: لا، شكراً، يكفي. قرأت في عينيه الارتواء والشبع بما انتهى إليه الأمر. لكن بالنسبة لي لم يكن الأمر كذلك، بل هي البداية الحقيقية. بمجرد أن أدرت له ظهري وانطلقت حراً إلى الشارع أقسمت بداخلي: الآن دوري، استعد لنيران غضبي.

كنا الثلاثة نخدم خفراً (بوابين) مقيمين بثلاث مدارس بمدينة الزاوية الواقعة غرب العاصمة الليبية طرابلس. وكنت على علم بخلاف أحد زميلي مع رب عمله (مدير المدرسة)، إذ كان زميلي يريد المغادرة ليشتغل بحرف المعمار حيث الأجر أعلى، لكن مديره يرفض ويصر على أن يأتي ببديل مكانه قبل أن يمنحه الإذن بالمغادرة. مجرى الأحداث فسر نفسه في مخيلتي. لابد أن هذا المدير كان قد ترك توصية لدى أحد أفراد الشرطة بتأديب مستخدمه، وكنت وزميلي الآخر ضحايا بمحض الصدفة. الهدف، إذن، هو هذا الشرطي الذي تعدى حدود سلطته الأمنية وأساء لنا من دون جرم، علاوة على مدير المدرسة، المحرض وصاحب المصلحة الأصلي وراء كل ما حدث. أريد حقي أولاً، وحق زميلاي إذا استطعت وساعداني.

انتظرت حتى انتهى الطابور وانتظم العمل المدرسي في يوم جديد، ثم توجهت إلى مكتب مدير المدرسة حيث أعمل، وهو رب عملي. حكيت له ما حدث، لكن من منظور التأليب والتحريض المدبر لكي أوصله إلى استنتاج مفاده أن الإهانة لم تطالني أنا وحدي، بواب مدرسته، بل هو أيضاً معي وبصفة شخصية. الجميع- خاصة منافسه مدير المدرسة الأخرى- يعلم جيداً أنني أعمل لديه، فماذا يعني أن يعتدي عليَّ بهذا الشكل؟! وكلما خذلتني حيلتي الذهنية، لجأت إلى الضرب بكل قوة على أوتار العاطفة إلى حد الصراخ والعويل مثل النساء الثكلى والأطفال المذعورين. المهم، نجحت في تحويله إلى قنبلة غضب موقوتة. انطلق خارجاً من مدرسته، بينما أنا في مخيلتي أحضر للخطوة القادمة.

في القاعة الرئيسية بقسم الشرطة نفسه حيث قضينا الليل، كان المأمور برتبه رائد أو عقيد على ما أتذكر يتوسط الحضور. زهاء 20 شخصاً، هم كبار المدينة وأهل الحل والربط في كافة شؤونها، خاصة التعليمية منها. وفي طرف القاعة، وقفنا نحن المصريون الثلاثة. وليس ببعيد منا، وقف ذلك الوحش الذي كاد يفترسنا قبل ساعات لكن هذه المرة، بين يدي رؤسائه، في وضع نقيض لما كان بالأمس. قلت لنفسي: جاءت لحظتك. وكانت تستلزم هذه المرة الهدوء والبلاغة وضبط الانفعال. عزفت هذه المرة على أوتار كبريائهم وكرامتهم ونخوتهم، حين يهان وسطهم وتحت أيديهم الضعفاء والأغراب بينهم. قيم الأعراف الدينية والقبلية الأصيلة في مجتمعاتنا العربية، هل تجيز ذلك؟ ضغطت حتى احتدم النقاش الهادئ إلى جدل صاخب، كل يبرئ نفسه من هذا الخزي ويلقي به بعيداً عنه، وصاحبنا وحش الأمس يعوي مذعوراً ويقسم بالله كاذباً أنه لم يلمس أي منا بسوء. كلما كذبته، استدار نحوي: هل لمستك؟ أجبت، لا، لم تلمسني. لكنك ضربك زميلاي ضرباً مبرحاً. لكنه يعاود الإنكار، ويسألهما. ولدهشتي، ينكران هما أيضاً ويصدقان على كلامه، أنه لم يلمسهما. كما أنكر زميلي أصل المشكلة أن تكون هناك مشكلة من الأصل بينه وبين رب عمله، أو أنه يريد ترك العمل لديه. لحظتها، أتاني صوتاً آمراً متوسلاً من رب عملي أنا: "خلاص بقا يا مجيد كفاية كدا. أنت عايز تولعها ليه. ما قلنالك يا أخي حقكم علينا." سَكتُ.

أظن الجهل حال بيني وبين استرداد الحق كيفما أردت. كنت أعرف أنهما حتى لو أقرا بوقوع ضرب مبرح عليهما، لن ينالا أكثر من مجرد اعتذار شفهي. وما كان بقدرتي أن أحصل على أكثر من ذلك في ظل الظروف. لكن، لو كان أصل المشكلة أقر بالخلاف بينه وبين رب عمله، وأن الأخير ربما هو من وشى به لدى رجال الشرطة، كنت سأستطيع بسهولة في مثل هذا الظرف أن أخلصه من براثن هذا المستخدم القاسي. لكنه خذلني وكذَّب ادعاءاتي. أحياناً يكون الجهل عدو الإنسان الأول. في كل الأحوال، أثبتُ للمعتدي خطأه، حتى لو أنكر. ومن يومها، كلما مررت به وجدت منه تحية احترام وتقدير متبادل، ومناشدة بالاسم لاحتساء الشاي معاً. أصبحنا أصدقاء. ولا أعتقد أن المدير الذي استغل سلطته ضد مستخدم ضعيف سيكررها ثانية، بعدما نجحت في أن أحشره في ركن القاعة يتصبب عرقاً على مقعده كلما لكمته بتهمة الوشاية والتحريض على استعمال القوة ضد غرباء أبرياء، على مرآي ومسمع من كل وجهاء مدينته.

فكرت في نفسي وأنا عائد من الجلسة العرفية: نحن البشر نعيش وسط حيوانات تفوقنا عدداً آلاف المرات، جميعها كانت وحوشاً برية روضها واستئناسها أجدادنا، لدرجة أنها أصبحت تشاطرنا منازلنا وحتى فراشنا. ولا نزال نحبس النمور والفهود والأسود والأفيال داخل الأقفاص والمحميات الطبيعية، ليس خوفاً منها بقدر ما هو خوف عليها من الانقراض على أيدي البشر.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World