الجامعة حرم آمن

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 11 / 19

يقصد بالحرم لغويا , الملاذ الآمن او المكان المقدس , فالمسجد الحرام في مكة المكرمة مثلا حرم آمن , وكذلك المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة , والحرم القدسي الشريف بمدينة القدس في فلسطين . ونظرا لمكانة العلم وقدسيته في التراث العربي الإسلامي , أعتبرت دور العلم بمثابة دور العبادة حرما آمنا , يمارس فيها العلماء والطلبة طقوسهم العلمية في أروقة الحرم الجامعي , بأمن وآمان دون خوف أو وجل من حاكم أو سلطان . شهدت المعاهد والكليات العراقية قدرا معقولا من الحريات الأكاديمية طيلة فترة الحكم الملكي وفترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم قائد إنقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 الذي أطاح بسلطة النظام الملكي . كانت المدارس والمعاهد والكليات خلال الحقبة الملكية والحقبة الجمهورية مصدر إزعاج للحكومات العراقية , منها تنطلق المظاهرات الطلابية المعادية لتلك الحكومات. كما إن أغلب قادة الأحزاب السياسية السرية الثورية يومذاك ( الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الإشتراكي وحركة القوميين العرب وتنظيمات صغيرة أخرى) من طلبة الكليات . وتحضى هذه التظاهرات بتعاطف وتشجيع ومشاركة الكثير من أعضاء الهيئات التدريسية .
وعلى الرغم من حدة بعض هذه التظاهرات وتعطيلها للدراسة وتعكيرها لصفو الأمن وما تحمله من مخاطر للسلطات الحاكمة , فأنه يلاحظ عدم إقتحام قوات الأمن والشرطة أي مدرسة أو معهد أو كلية بقوة السلاح لفض تلك التظاهرات والإعتصامات ,مع أنه كان بمقدورها فعل ذلك بسهولة , إحتراما منها لمكانة الجامعة بوصفها حرم آمن لا يجوز أن تسود أجوائها قعقعة السلاح , بل إكتفت قوات الشرطة والأمن ومخبيرها السريين بملاحقة نشطاء المتظاهرين خارج الحرم الجامعي, وتقديمهم لما كان يعرف بالمحاكم العسكرية العرفية التي عادة ما تشكل في ظروف الإضطرابات السياسية .
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى الإضرابات الطلابية عام 1962 التي إنطلقت من كلية الطب ببغداد التي لا تبعد سوى بضعة أمتار عن وزارة الدفاع العراقية , مقر الزعيم عبد الكريم قاسم , وعلى مقربة من آمرية الإنضباط العسكري في الباب المعظم وهي الجهة المسؤولة عن ضبط أمن بغداد , حيث إستمرت تلك المظاهرات عدة أسابيع تؤججها أحزاب التجمع القومي وعلى رأسها حزب البعث العربي الإشتراكي , لتمتد بعدها إلى بقية كليات جامعة بغداد ضمن مخطط تلك الأحزاب للإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم بإنقلاب عسكري كان يجري الإعداد له بتعاون جهات عديدة داخلية وخارجية لا حاجة للدخول بتفصيلاتها هنا . إن ما أردنا قوله هو أن مظاهرات خطيرة كانت تحدث في الحرم الجامعي على بعد أمتار من قيادة رأس النظام تهدد النظام برمته ,وبرغم ذلك لم تقتحم قوات النظام الحرم الجامعي للقضاء عليها , الأمر الذي سهل لتلك القوى المعادية, الإطاحة بالنظام السياسي القائم يومذاك بإنقلاب عسكري دموي نفذ في الثامن من شباط عام 1963راح ضحيته أرواح آلاف الناس , بما فيهم عبد الكريم قاسم وأركان نظامه ومناصريه.
ومنذ ذلك الحين بات الحرم الجامعي مباحا ومستباحا من القوى الأمنية متى ما شاءت وكيفما شاءت , إذ لم تعد هناك حرمة للجامعة بل أن قوات الأمن ومخبريها السريين والعلنيين باتوا يجوبون ويمرحون فيها علنا . كان هناك في كل كلية مسؤول امني يرتبط بمسؤول أمن الجامعة الذي بدوره ينسق مع مديرية الأمن العامة من خلال ضابط أمني محترف مخصص لهذا الغرض . لذا لم تشهد أروقة الجامعات أية تظاهرات إحتجاجية ضد السلطة بأي شكل من الأشكال , حتى ولو كانت مظاهرات مطلبية غير سياسية , بل إقتصرت المظاهرات على تلك المظاهرات المؤيدة للنظام السياسي الحاكم بحسب توجيهات السلطة الحاكمة فقط .
حضر النظام السياسي الحاكم كل أشكال العمل السياسي في قطاعي التربية والتعليم والتعليم العالي عدا حزب البعث العربي الإشتراكي . لا يعني الحضر إلزام الطلبة والتدريسيين بالإنتماء لحزب البعث العربي الإشتراكي , بل يعني عدم إظهار أي شكل من أشكال المعارضة تصريحا أو تلميحا, لسياسات الحزب أو الدولة إطلاقا . ويفضل إظهار التأييد من منطلق الشعار الذي رفعه النظام أن العراقيين جميعا بعثيون وإن لم ينتموا , لاسيما أنهم جميعا قد كلفوا بأداء الخدمة العسكرية سواء ضمن قوات الجيش العراقي أو الجيش الشعبي, بصرف النظر عن إنتمائهم للحزب من عدمه وزجوا جميعا بجبهات القتال طوعا أو كرها .
وبعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , نجم عنه إنهيار تام بكل مؤسسات الدولة العراقية في عملية فوضى عارمة , أسموها بالفوضى الخلاقة , وقدر تعلق الأمر بقطاعي التربية والتعليم فقد إنهار هذان القطاعان تماما , وكأنهم أرادوا يذلك عودة العراق إلى عصر ما قبل التاريخ بتعطيل كل أشكال الحضارة , ذلك أنهم مدركين تماما أن التعليم ولا شيئ سواه يمكن أن يفضي إلى أي تقدم . ولم تعد هناك جدوى من الحديث عن الحرم الجامعي ,إذ لم تعد هناك قدسية او أية حرمة للعلم والعلماء بعد أن تفشىت الشعوذة وعم الجهل والتخلف في كل مكان , فلا عجب أن ترى المهوال يردح في قاعات مناقشة رسائل واطاريح طلبة الدراسات العليا في بعض الجامعات وكأننا في قاعات أفراح, أو يتعرض بعض الممتحنين لتهديدات أو إهانات من بعض ذوي الطلبة في قاعات المناقشة لعدم منح ذويهم الطلبة درجة إمتياز أو جيد جدا في ظاهرة غريبة لم تشهدها الجامعات من قبل أبدا .ولم تعامل الجامعات على أنها منابر للفكر الحر المبدع الخلاق ,بل مراكز للمحاصصة الأثنية والطائفية طبقا لمضامين النظام السياسي القائم حاليا في العراق .
جاء في المادة (38) من الدستور العراقي , تكفل الدولة وبما لايخل بالنظام العام والآداب :ً
أولا : حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانيا : حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر .
ثالثا ً : حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون.
لكن واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك تماما , إذ أن التعبير عن الرأي محفوف بالكثير من المخاطر سواء أكان ذلك داخل أروقة الجامعات أو خارجها , قد تودي بحاة الفرد من قبل مليشيات الأحزاب والكتل السياسية المسلحة , أو بعض زعماء العشائر أو أصحاب النفوذ الإجتماعي تحت أي مسمى . أما التظاهرات بأنواعها التي كفلها الدستور , فهي أشبه بالمسرحيات البهلوانية التي بات يتسلى بها السياسيون , غير مكترثين بها إطلاقا بعد أن إطمأنوا إلى سلطة نفوذهم المالي والسياسي القائم على الولاءات الطائفية أو العشائرية أو الطائفية .وقد حدثت أكثر من مرة مواجهات مسلحة بين قوات الأمن والمتظاهرين راح ضحيتها أرواح من الجانبين , كما رافقت بعضها أعمال شغب وتخريب لبعض الممتلكات العامة والخاصة .
لم تكن الجامعات العراقية منابرة حرة للفكر اوالثقافة يوما على الإطلاق , إذ لم يكن مسموحا لها تد اول الفكر الذي لا يتوافق وطبيعة نظمها السياسية السائدة في كل مرحلة بأي شكل من الأشكال, ففي حقبة حكم النظام الملكي مثلا لم يكن مسموحا تداول الفكر الماركسي وكل أشكال الفكر اليساري في أروقة الجامعة إطلاقا, ولا يسمح لمكتباتها إقتناء الكتب والإصدارات التي تتناول هذا الفكر أبدا . وشهدت الجامعة إنفراجا نسبيا لمدة قصيرة في حقبة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم حيث أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه لتداول جميع الأفكار وإصداراتها المختلفة ونشرها بكل حرية . أعقبتها فترة حظر صارمة بمنع تداول الكتب والمطبوعات ذات الصبغة اليسارية بعامة والكتب الشيوعية بخاصة وجميع الإصدارات التي لا تتوافق مع مزاج الحكم السياسي السائد يومذاك , ناهيك عن ما يتعرض له من يتداول هذه الأفكار .كانت هناك لجان فحص لجميع إصدارات الجامعات وفحص كل ما يردها من مطبوعات تعرف بلجان السلامة الفكرية للتأكد من خلوها من كل ما يتعارض مع فكر النظام السياسي السائد .
وقد شهدت الجامعات في عقد السبعينيات من القرن المنصرم , حملة طرد وإبعاد الكثير من الأساتذة الجامعيين بمختلف التخصصات العلمية ونقلهم إلى وظائف هامشية في دوائر الدولة المختلفة , بدعوى حماية الجامعات من تأثيراتهم السلبية بسب عدم سلامتهم الفكرية, فأي منطق مفلوج هذا ؟ . وشهدت الجامعات حملة طرد أخرى أشد وأقسى من سابقتها في أعقاب غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , تمثلت بفصل الكثير من أساتذة الجامعات في إطار سياسة إجتثاث البعث سيئة الصيت , لا لسبب قيامهم بأعمال يحاسب عليها القانون , بل بدعوى إعتناقهم لفكر حزب البعث العربي الإشتراكي المحضور . فما أشبه اليوم بالبارحة عندما أبعد الكثير من الأساتذة بتهمة إعتناقهم الفكر الماركسي , وأبعد اليوم من أبعدهم بالأمس . وهكذا هو حال الجامعات معاناة فكر وعقيدة في كل عصر وزمان .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World