سوريا، أَنْتِ هُنَا؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 11 / 16

بعد حرب، وُضِعت تحت الاحتلال. هاجت وماجت إلى أن نالت استقلالها وسيادتها وغادرتها القوات الأمريكية. ثم اجتاحتها داعش حتى مشارف بغداد، وأعلنت كردستان الاستقلال. لكنها نجت، وبقيت هنا، بصحبة الأمم. قبل أيام اقتحم بعض الأنصار المنطقة الخضراء في قلب العاصمة واحتلوا البرلمان، أكلوا وشربوا وتغوطوا وناموا، ثم خرجوا يتقاتلون من حوله. كل مرة قد يخيل للشامت أو المتربص أنها الأخيرة أخيراً، بعد آلاف السنين منذ حمورابي. لكنها في كل مرة سرعان ما تلملم أطرافها وتنهض صارخة في وجه الجميع: أنا هُنَا.

لما داهمت جبهة تيغراي أبواب عاصمته أديس أبابا، لم يمنع وشاح نوبل أبي أحمد من ارتداء بزته العسكرية والخروج لقتالهم بنفسه. وقتل ونكل وشرد وأجرم بأبشع مما فعلوا، ودحرهم. وحين دُعي إلى الجلوس معهم على طاولة واحدة، جلس وتحدث، بل واتفق معهم بصفته الممثل الشرعي والوحيد للأمة. في الحرب والسلام، برهن أحمد للجميع أن إثيوبيا هُنَا.

في لبنان دولة مُعَطلة ومُفْلسة، أو بالأحرى عدة دويلات أو ضواحي متنافرة دائمة الخلاف والشد والجذب الذي يصل حد الاقتتال فيما بينها من حين لآخر. لكنهم جميعهم موجودون على الأرض، يتصارعون فيما بينهم أحياناً ويختلفون كثيراً ويتفقون نادراً. كلهم يجمعهم وطن واحد، ويجلسون بين الشد والجذب على مقاعد متصلة بعضها بعضاً داخل القاعة نفسها. حتى لو ظلوا مختلفين أمد الدهر، طالما جمعهم الوطن نفسه، والقاعة نفسها، ستبقى لبنان دائماً هُنَا، منارة الوطن العربي وملتقى العالم.

في ليبيا واليمن لا توجد سلطة مركزية منذ أكثر من عقد من الزمن. والسودانيون يرفضون القبول بحكم العسكريين ويتظاهرون اعتراضاً ضدهم في الشوارع منذ عدة أعوام. لكن في هذه البلدان الثلاثة كل الأطراف والفرق داخل أرض الملعب، وأي منهم لم يستطيع أن يحسم المباراة لصالحه بعد. هذه هي المسألة الحقيقية: أن يبقى اللاعبون في أرض الملعب ويلعبون معاً، مهما كان أسلوب اللعب خشناً وعنيفاً ومنتهكاً للقواعد والقوانين. مهما طال أمد المباراة حتماً سيجلسون معاً حين ينال منهم التعب والإعياء، وسيبحثون مجبرين عن مخرج من النفق المظلم، وإلا هلكوا جميعاً.

كان داعمه الرئيس قد سقط مغشياً عليه للتو، وعدوه اللدود يزأر مغتراً بقوته في فناء منزله. ظن الجميع أنها نهايته لا محالة، لكن الأسد لم يخف، بل خرج وشارك في عملية إخراج صدام حسين من الكويت ونجا بنفسه. لم يكن حافظ الأسد أقل شراسة ووحشية من نجله بشار، لكنه بالتأكيد كان أكثر حنكة ودهاء. وقد أخفق الابن في كل ما برع فيه الأب. في النهاية، نحن في الشرق الأوسط، قلب العالم النامي، حيث الفقر والمرض والديكتاتورية والوحشية وانتهاك حقوق الإنسان وكل الرذائل في أبشع صورها. كل ذلك معتادين ومتكيفين عليه منذ آلاف السنين، لدرجة أنه أصبح جزء أصيل من ثقافتنا وصفاتنا وجيناتنا الوراثية. وهو في كل الأحوال لم ولا يمنعنا من أن نحيا ونستمتع ونلهو بحياتنا، ونقيم الولائم والأعياد والمناسبات السعيدة والأفراح والليالي الملاح ونأكل ونشرب ونسرف ونتبرج ونتبهرج ونتزوج وننجب ونتكاثر بمعدلات تفوق مثيلاتها في أي بقعة من العالم. الشرق الأوسط غابة، قواعد العيش فيها بدائية وقاسية والبقاء فيها دائماً للأقوى؛ لكنه يظل غابة مفعمة ونابضة بالحياة والحركة، والفوضى والقلاقل والاضطرابات والمجازر والأحداث الجلل التي قد يشيب لها ولدان العالم الهادئ والمستقر والمتحضر.

بشار حرق الغابة، ليبقي وحده مكشوفاً من دون شجرة يحتمي أو يستظل بها وقت الحاجة، من دون عشب أخضر يركض عليه ويمتص صدمة تعثره، ومن دون أحد يشاطره اللعب. وبينما كان والده حاذقاً في الإمساك بخيوط اللعبة وتحريكها بما يخدم مصالح بلاده، تسببت سياسات بشار الخاطئة في أن يتحول هو نفسه إلى مجرد دمية بلهاء تمسك بخيوطها أياد أجنبية وتحركها لخدمة مصالحها الخاصة. لقد دمر بشار بلده، وشرد شعبه، وشتت معارضيه في كل بقاع الأرض وبقي وحده هناك يطل علينا بين الفينة والأخرى ليذكرنا بحال غراب البين الذي ينعق فوق خراب موطنه.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World