الهيمنة الأوروبية قديماً وحديثاً

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2022 / 11 / 14

كانت، في منتصف الألفية السابقة على الميلاد، مجرد حفنة من المدن الدول المستقلة متناهية الصغر دائمة التناحر والاقتتال فيما بينها. على حدودها الشرقية، كانت إمبراطورية فارسية عتية عمرها آلاف السنين تملك من الجغرافيا والثروات الطبيعية والبشرية، ومن العراقة والتاريخ والكبرياء، آلاف أمثال ما ادعته مثل تلك المدن الدول المستحدثة، عديمة الأصل، والمشرذمة. رغم ذلك، وقف الكبرياء الفارسي عاجزاً عن إخضاع أهالي تلك المدن لسيطرته، وظلت الحروب والمناوشات متبادلة بين الطرفين حتى حصل ما لم يكن في حسبان أحد على الإطلاق: هذا الذباب اليوناني نال من الفيل الفارسي حتى أرداه أسيراً في حظيرته. كان ذلك بعدما تمكن الإسكندر الأكبر المقدوني من توحيد المدن اليونانية تحت سيطرته وخرج بهم في جيش امتلك من أسباب القوة ما يكفي ليس لقهر الإمبراطورية الفارسية فحسب، بل لاجتياح العالم بأسره.

كان العالم قبل ذلك عامراً منذ آلاف السنين بكثير من الإمبراطوريات التقليدية القوية، في مصر والصين والهند والهلال الخصيب وبلاد فارس وأماكن أخرى. لكن أي منها لم تحقق، وحتى لم تحلم أن تحقق، ما حققه الجيش اليوناني تحت قيادة الإسكندر. كأن المدن الدول اليونانية احتوت شيئاً ما لم يكن له وجود من قبل، سراً ما تفردت به عن كل من سواها وأعطاها من مقومات القوة ما مكنها من أن ترسم خطاً قاطعاً لتاريخ البشرية ميز ما أتى بعده عن كل ما قد سبقه. منذ ذلك التاريخ انقسمت المعمورة فعلياً إلى شطرين متعارضين ومتنافرين- تقليدي قديم مثلما ظل قائماً قبل آلاف السنين من ظهور المدن اليونانية والإسكندر، وآخر نهض فوق أسس ومبادئ جديدة وضعت بذرته المدن اليونانية وثبت أركانه جيش الإسكندر، ثم جاء الرومان ليزيدوا البناء رسوخاً وقوة وعلواً؛ منذ ذلك التاريخ انتقل بلا رجعة مركز الثقل والهيمنة في شؤون البشر والعالم من الحضارات القديمة في مصر والصين والهند وفارس- ولاحقاً روسيا- ليحط في أوروبا. لأول مرة في التاريخ أصبح للعالم ’غرب‘ بعدما ظل آلاف سنين طويلة كله ’شرق‘ فقط، وانتقلت إلى هذا ’الغرب‘ راية قيادة البشرية.

لنحو ألف سنة استمرت الهيمنة على العالم أوروبية المنبع والمضمون، حتى ظهور الإسلام ودخول أوروبا إلى حقبة العصور الوسطى أو ما يسميها البعض عصور الظلام. يدعي بعض المؤرخين أن الظلام الذي خيم على أوروبا لنحو نصف ألف عام كان يعزى في المقام الأول لتقليد ثقافي شرقي أصيل- الدين. لأن أوروبا كانت تحتل الشرق، كان لابد أن تأخذ منه ربما أكثر مما قد تعطيه. ومن ضمن ما أخذت، اعتنقت المسيحية، وهي دين شرقي يجسد بامتياز المبادئ والمفاهيم السائدة في الثقافة الشرقية، ثقافة العالم القديم. وترتب على ذلك حقبة طويلة من هيمنة الكنيسة وتسلطها على الحياة الأوروبية بشتى تفاصيلها، الأمر الذي أورثها ضعفاً بعد قوة. في هذه الأثناء ظهر في الشرق أيضاً دين جديد آخر- الإسلام. يقول المؤرخون أن هذا الدين الجديد نجح في بداياته في أن يقتبس بعض من نفس عناصر القوة التي مكنت اليونانيين والرومانيين من الهيمنة على العالم. استوعب الإسلام عبر علمائه الكثير من علوم ومفاهيم التراث اليوناني-الروماني القديم وعرف كيف يوظفها لخدمة أغراضه. مستفيداً من التراث الأوروبي، تفجر الإسلام في قوة جبارة حاصرت أوروبا ذاتها من كل الجهات؛ وبعدما تملكت منها روح المسيحية الشرقية، انسحبت أوروبا من العالم وانحبست على نفسها في وضع دفاعي بعدما جردها العرب المسلمون من كل إمبراطورتيها بالخارج وابتلعوا حتى قضمات ضخمة من القارة ذاتها شرقاً وغرباً وجنوباً، حتى كادوا يضربون العمق الأوروبي في مقتل.

لكن، مثل الفرس زمن المدن الدول اليونانية الصغيرة، عجز العرب المسلمون عن إخضاع قلب أوروبا لسيطرتهم. بل استفاد الأوروبيون أنفسهم من تراث العلماء المسلمين، المستمد بدرجة كبيرة من الإرث اليوناني- الروماني، ليعيدوا اكتشاف تراثهم القديم، الذي شيدوا منه ما عرف باسم ’عصر النهضة‘. خلال ذلك العصر، تحررت أوروبا من جمود الكنيسة وسلطة رجال الدين المستمدة من المسيحية كوعاء للثقافة الشرقية جلبوه معهم من مستعمراتهم، وأعادت بناء مجتمعاتها وفق المبادئ والقيم التي جسدتها أثينا وروما القديمتين. وكما كان مصير الإمبراطورية الفارسية من قبل، خرجت أوروبا من عصر النهضة لا لكي تخضع كامل الإمبراطورية الإسلامية لسيطرتها فحسب، بل لكي تجتاح العالم بأسره. أحيا الغرب تراثه الفكري وتحرر من قبضة الدين، وانطلق في التأسيس لنوع من الهيمنة لم يعرفه العالم من قبل.

بعدما خلعت عباءة الدين واستردت مبادئ حرية الفرد والعقل التي وضع بذرتها اليونانيون القدماء في مدنهم الدول المتناهية الصغر، وبفضلها أخضعوا الإمبراطورية الفارسية والعالم القديم لسيطرتهم في الماضي، خرجت أوروبا من عصر الظلام ولديها نهم لا يشبعه حتى ذلك العالم المعلوم حينها. بل أخذت تبحث وتستكشف وتؤسس لعالم جديد كليتاً ضمن لها التفوق والهيمنة حتى يومنا هذا. خلقت أوروبا لنفسها كياناً جديداً أقامته على نفس الأسس اليونانية-الرومانية التي قدرت مبادئ الحرية والعقل فوق الطاعة والتقليد، لتصل بحدود الجغرافيا الأوروبية المتناهية الصغر مقارنة بالحضارات القديمة إلى حدود غير مسبوقة من قبل على الإطلاق. انطلق الأوروبيون بقارتهم الضئيلة الحجم ذاتها نحو جغرافيا شاسعة ومترامية ومفتوحة في مستعمرات اكتشفوها مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا وغيرها.

لم تتحقق هيمنة أوروبا على العالم قديماً وحديثاً بفضل ضخامة مساحتها وثرواتها الطبيعية والبشرية أو حضارتها الممتدة لآلاف السنين. كل ذلك كانت قاصرة فيه بشدة مقارنة بجيران آخرين إلى الشرق منها. لكنها تفردت على الجميع بملكة لا يزال كل من هم إلى الشرق منها يمنعهم كبريائهم الحضاري من الإقرار بها: حرية الفرد والعقل.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World