المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب مؤسسة حديثة في الشكل عتيقة في المضمون

لحسن ايت الفقيه
aitelfakih_lahcen@yahoo.com

2022 / 10 / 24

ما كان أحد يظن أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب سيصدر عنه ما يمس حقوق بعض موظفيه. لكن هذه المؤسسة الوطنية التي لها ما لها، وعليها ما عليها، لا تبالي بموظفيها يوم يغادرون المؤسسة متقاعدين أو منسحبين طوعا. إن ما يعنيها الحفاظ على الوجه الحديث شكلا، وأما المضمون فلا يزال يحاكي إداريا إحدى المؤسسات في القرون الوسطى.
يستقبل المجلس أصنافا من الموظفين منهم من جيئ بهم ملحقين من مؤسسات أخرى، ومنهم الذين وضعتهم مؤسساتهم رهن إشارة المجلس المذكور، وهناك موظفون ينتمون بالأصالة إلى هذه المؤسسة التي تُعنى بحقوق الإنسان. ليس من الطبيعي أن ألقي حجرة بالبئر التي شربت منها لكني وجدتني أمام امتحان عسير في مواجهة العنف المادي الذي مارسته علي مؤسسة المجلس، العنف الذي غشي أسرتي أيضا. ويمكن لسائل أن يتساءل: كيف لمؤسسة وجدت لتدشن عهد الحكامة في المغرب بعيد إعمال توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، ولم تضمن لموظفيها الانسحاب الهاديء العري من كل ضجيج يوم يتقاعدون؟ لا بد من بث الخلل ونشر ريحه عسى الفرج أن يأتي، وعسى المؤسسة أن تتنبه إلى الخلل.
كلنا يحب أن يرى المجلس الوطني لحقوق حاملا وجها لا شية فيه، وجها مطلوبا لدى كل المؤسسات التي تعنى بحقوق الإنسان، في العالم، والتي ولدت وفق مبادئ باريس. لكن الواقع يخالف المنتظر، للأسف. ومن ينهل من مرارة التدبير الإداري بالمجلس يحق له الصدع بالمأساة، ويحق له التجريس بالضيم. وبعيدا عن التعليل وجب البدء من حيث يجب.
لما أحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب يوم الفاتح من شهر مارس من العام 2011 استبشر المغاربة خيرا لميلاد مؤسسة ينتظر أن تجسد «التزام المملكة المغربية بحماية حقوق المواطنين وحرياتهم وتشبثها باحترام التزاماتها الدولية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها». ولا غرو، فقد جاءت المؤسسة بعيد صيحة حركة 20 فبراير من العام 2011 «لتكريس مسلسل تعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات، وليحل محل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ليكون إحدى المؤسسات الرئيسية المساهمة في عملية الانتقال الديمقراطي بالمملكة، خاصة في مجال تسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد إعادة تنظيمه سنة 2002»، ذلك هو المبتغى، وذاك هو قطب الرحى. لن أفصل القول في المفاهيم نحو دولة الحق والقانون والمؤسسات والانتقال الديموقراطي، وفعلية حقوق الإنسان، وغير ذلك من المصطلحات المبثوثة في خطاب المجلس، وفي الخطاب الرسمي المغربي. أحب أن أتساءل هل المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة بما تحمل المؤسسية من دلالة ووظيفة ولو في حدود احترام موظفيها وضمان حقوقهم؟
ولتأسيس الموقف حسن العودة إلى خطاب المؤسسة، ومنه الذي بُث في موقعها الإليكتروني. إنها «مؤسسة وطنية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها بالمغرب. أحدثت في مارس 2011 لتحل محل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي أنشأ «أنشِءَ... نعتمد النص بأخطائه الإملائية» سنة 1990». يتولى المجلس إعداد تقارير سنوية حول وضعية حقوق الإنسان ويعرضها أمام البرلمان بغرفتيه، كما يقوم بإعداد تقارير موضوعاتية بشأن قضايا مرتبطة بحقوق الإنسان وبمجموعة من الزيارات إلى مختلف أماكن الحرمان من الحرية»، فالغايات المسطرة في إحدى المطويات الإشهارية الموزعة على العموم جميلة غاية، لولا أن العواقب لا تناسب تلك الغايات. وإن ما يصدع به المنتدبون باسم المؤسسة أمام العدسات والكاميرات ولواقط الأصوات لا صلة له بما يجري، في الواقع. ولنأخذ الجواب، أيضا، من النماذج ولو أن التفسير بالنماذج إن هو إلا عجز في التحليل، وإن كان، هنا، يروم درء تفسير الواضحات و«هي من المفضحات» كما يقول فقهاء الدين في المغرب. لذلك فضلت أن تكون تجربتي الخاصة نموذجا.
أفصحُ، أولا، أني متقاعد لكني بدون منحة التقاعد «المعاش»، لا لشيء سوى أن إدارة المجلس المذكور، تغافلت عن دفع مستحقاتي إلى الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، بعضِها ولم أقل كلَّها، مما دفع الصندوق ليراسلني في الموضوع طالبا مني في وثيقة بتاريخ 29/09/2022 تنفيذ أمر بالدفع «Ordre de versement»، باللغة الفرنسية، يحوي نحوا 19.203،38 درهما ، لتسوية وضعيتي، وإلا لن أحصل على منحة التقاعد. لست أنا هو النموذج ولكن في المؤسسة نماذج أخرى، متقاعدون يتقاضون 1200 درهما، أو 1900 درهما، أو 3000 درهما في أحسن الأحول. إنهم موظفون لا يكسبون أرقام التأجير، ولا سمة لهم تحاكي جميع المؤسسات العمومية، وإني بهم كالذين يعملون في ضيعات زراعية تعود لمغرب ما قبل النظام الرأسمالي.
في البدء كانت مؤسسة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ونُسخت بمؤسسة أخرى اسمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في أجواء ما يسمى «الربيع العربي»، والذي ساهمت فيه حركة 20 فبراير في المغرب بنصيبها. فضل المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن يجمد أوراش المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ذات الصلة بالعدالة الانتقالية المغربية، دون نقدها وتمحيصها. ولقد أضحت كلمة جبر الضرر الجماعي تغير قسمات وجه السيد رئيس المجلس في الولاية السابقة، ولا أحد يدري ما السبب؟ لن أعمق المحراث في الأرض بحثا عن الروث، لا سيما وأن السيد الرئيس السابق، لم يُضمر لي سوءا. ويعنيني أن المجلس الجديد أنقل فعل حماية حقوق الإنسان من الطور الاستشاري إلى الطور العملي، ومن المركزية إلى الجهوية، بناء على توصيات لقاء مدينة العيون يوم 30 من شهر مارس من العام 2010 و31 منه، والفاتح من شهر أبريل الموالي. واستئناسا بخطاب المؤسسة تأكد المبتغى التالي: «ينظر المجلس في جميع حالات حقوق الإنسان إما تلقائيا أو بناء على شكاية ممن يعنيهم الأمر أو بتوكيل منهم. وتتم (تجري) دراسة الشكايات ومعالجتها وتتبع مسارها وإخبار المعنيين بالأمر بمآلها. يتعين على السلطات والهيئات وكافة الجهات المعنية بموضوع الشكاية المحالة إليها من قبل المجلس، إخباره بجميع التدابير التي اتخذتها في موضوع الشكاية التي عرضت عليها داخل أجل تسعين (90) يوما إذا أثيرت حالة الاستعجال من قبل المجلس». أتى المجلس بوجوب الجواب على كل الشكايات المحالة على المؤسسات. ولا غرو، فإعمال حقوق الإنسان من اختصاص الحكومة، لكن المؤسسات الحكومية لا تجيب على إحالات المجلس إلا نادرا وإذا ما حدث أن حررت الجواب فإنه تعبير عن الرفض، وإفصاح ضمني عن العجز في التطبيق، لذلك تظل شكايات المواطنين ملفاتها مفتوحة، ولا أحد يلزم المؤسسات الاجتماعية التي تتخبط في أهوال التخلف على الاعتناء بشكايات المواطنين المحالة عليها من لدن المجلس الوطني لحقوق الإنسان.ولذلك فجل الملفات مفتوحة، والأرشيف في طور الإنشاء «Archive en cours». ويمكن القول، إن المجلس لا اختصاص له في الواقع عدا الإحالات على المؤسسات. وبموازاة ذلك، أدى المجلس دورا فائقا في رحاب السجون، في الشق المتصل بحماية حقوق الإنسان.
طفق المجلس يسير سير السلحفاة في أدائه بدريعة أن قانونه غير ملائم لدستور 2011. هنالك تطوع أحد الأساتذة الجامعيين، وأحد الماهنين التقاة الذين نهلنا قليلا من معرفتهم، فاجتهد في إنجاز مسودة القانون الجديد 15ـ 76، وبصدوره، يوم 22 من شهر فبراير من العام 2018، أعيد تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان. واستعدادا لنزول هذا القانون شرع المجلس يكون أطرا تنقطع للآلية الوطنية للوقاية من التعذيب «MNP»، وهم أطر أريد لهم أن يتموضعوا خارج الآلية، للأسف، رغم هدر الكثير من المال في سبيل تأطيرهم. وأضيف إلى جانب الحماية، في الآداء، الرصَد، في المادة 05 من القانون 15ـ 76.
ولتأسيس موقف على الغاية ،لابد من العودة إلى زمان توظيف الوسيلة، ذلك أن المجلس المذكور عسير استيعاب آدائه بدون فهم الميكيافيلية. بدأ المجلس في ملامسة هيكلته، بعيد إحداثه، دون دراسة معنى الهيكلة ودون الوقوف عند تعريفها، إن هو تمثيلها إلا ترسيمة تمثل مؤسسة من المؤسسات، التي تحتكم إلى المؤسسية، بما هي تصور حديث في التسيير والتدبير، ينظمها نظام أساسي ونظام داخلي. وتتميز الهيكلة بتمثيل توزيع مسؤولي تنفيذ مجموعة من المهام والوظائف المحددة تعاريفها بشكل جامع شامل في النظام الأساسي للمؤسسة ونظامها الداخلي، وذاك هو عين مبتغى المجلس. وتمثل الهيكلة كذلك العلاقات التراتبية داخل جهاز المؤسسة. وكان أولى بالمجلس استحضار المواصفات السليمة للهيكلة أي: النسقية. ذلك أن كل هيكلة لا تحتوي على عناصر النسقية، تعد عديمة الفائدة والجدوى. ومن سمات النسقية العلاقات الوظيفية بين الخلايا، والتكامل فيما بين الوظائف، واحترام تراتبية محددة في النظام الأساسي. ويسهل في النسق الواحد التنقل بشكل آلي ارتدادي من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى، وبشكل مكوكي في اتجاه أفقي، وإن اقتضت العلاقة الوظيفية ذلك، فمن خلية إلى أخرى. وتقضي النسقية، فوق ذلك، التحديد الدقيق للتراتبية واعتماد الكتابية (التحرير الإداري) أساسا للتواصل الإداري. ومما يفسد النسقية سوء التواصل بين الرئيس والمرؤوس، والانفتاح غير المعقلن على أجهزة إدارية خارجية، في غياب نص قانوني مرجعي، أو حاجة وظيفية مبررة. ولما ساءت الهيكلة ضل الآداء الحقوقي القائم على النزاهة والشفافية.
وباختصار، فالهيكلة وسيلة تروم تحسين الآداء، وترشيد استخدام الموارد، وإزالة العراقيل التي تحد من الإنتاج، لذلك يقضي إنشاؤها اعتماد العقلنة، وتجنب الارتجال، في تحديد العلاقات بين المسؤولين أنفسهم وبينهم وبين الاختصاصات، لعصمة المؤسسة من كل زيغ وانحراف.
ويعد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المحدث بموجب ظهير 1.11.19 بتاريخ 25 ربيع الأول 1432 الموافق لفاتح مارس 2011، مؤسسة أحوج إلى هيكلة تعقلن العلاقة بين الوظائف وضمنها العلاقة بين الموظفين تمثيلا يظهر النسقية ويوضحها. وكلما كان افتقاره لتلك الهيكلة قائما كلما ازداد العبث وعمت العشوائية.
استحضرت الهيكلة الوظيفية المقترحة للنقاش يوم 05 من شهر يوليوز 2013 ضمن عناصر ما يسمى «برنامج تعزيز القدرات الهيكلية» عرض على رؤساء اللجان الجهوية للنقاش. والمقصود بها التخطيط أو العمل ببرنامج يمتد على ثلاث سنوات. وركز البرنامج على الموارد البشرية باقتراح إعادة انتشارها، وتقريب المؤهلات مع المنصب، ووضع برنامج التكوين المستمر، وحث البرنامج على ضمان الجودة بوضع نظم التسيير وإعداد التقارير، والمراقبة الداخلية. وفي الحسبان التمويل بتخطيط الميزانية، وتنويع الموارد، وتنظيم التدبير المحاسباتي والمالي. ولم يغفل البرنامج آلية الربط وتنسيق العمل التي عدها في المجلس الوطني لحقوق ولجانه الجهوية والتي في حاجة إلى التأطير، وتوحيد المعايير والاشتغال وفق مشاريع وبرامج ينقطع لتفعيلها الأطر الإدارية والأعضاء. فالمراد وضع هيكل تنظيمي قابل للإعمال وقائم على الترشيد وربط الاختصاص بالاستراتيجية. فالخطاب على مستوى الشكل سليم، لكن لا أحد يعلم لمن هذا التصور؟ وإن كل ما يمكن الإقرار به بروز حسيسِه بعيد إنشاء مؤسسة «المدير التنفيذي»، وهي مؤسسة لا مرجع لها في القانون المنظم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان. ومنذ وقتها بات يسُمع صوت البرنامج المذكور، ومنذ وقتها أعطيت للمدير صلاحيات الأمين العام عمليا، سؤلا في إزاحة الأمين العام السابق جانبا، لأنه اختير من الصف الديموقراطي التقدمي، ومنفتح على كافة الموظفين، وعلى كافة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وكما سلف ذكره فمؤسسة المجلس تميل إلى تجاوز ذلك الماضي، الذي يشان به وجه المغرب الحديث، وإظهار الشكل الحداثي، شكل الحكامة. حمل «المدير التنفيذي» مشروع التنظيم في الهيكلة الوظيفية، ورغم المجهود الشخصي لذلك المدير وسلامة قصده، فقد ثبت أن المشروع متعذر تنزيله على الوجه، وفوق ذلك لم يُدمج المدير الميكيافيلية الجديدة، في مشروعه.
ومن الغايات المستطرة شكلا ترجمة المهام والرهانات الإستراتيجية، وتعزيز طاقم المستشارين التقنيين لدى رئيس المجلس وأمينه العام وتقويته، فكان إحداث حاشية تُجدد كلما جئ برئيس (ة) جديد (ة) وأمين عام. ولولا أن عريت تلك الحاشية من مؤسسة الحاجب لجاز القول، إن مؤسسة المجلس تحاكي المؤسسات التقليدية المغربية في القرون الوسطى، مؤسسة تنهل نهجها من كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي.
لنواصل الحديث في الغايات نحو «اشتغال الأعضاء ومجموعات العمل بمنطق المشاريع، وتعزيز مقاربة التدبير وفق مقاربة الجودة والمراقبة الداخلية»، فضلا عن إدارة الموارد البشرية! وتعزيز وظيفة الخبرة التي تنقطع لها مديرية الدراسات. وضمن هذه الغايات جيء ببعض التقنيين لا علاقة تربطهم بحقوق الإنسان، غير أنهم أكثر نطقا بالفرنسية وأكثر جهلا لكتابتها ورسمها، ولسرعتهم وارتباكهم أطلق عليهم أحد الماهنين لقب «الطائرات»، وهل يسهل حماية حقوق الإنسان والنهوض بها بالطائرات؟. واستصحب التنظيم كذلك توحيد هيكلة اللجان الجهوية وتعزيز قدراتها، بما هي آليات جهوية، فعم التكوين، وذاك مجهود حسن لاشك فيه. وأما الانسجام والتكامل بين المجلس ولجانه الجهوية فلم يتحقق، إلى حدود يومه، وكاد الوضع يتمثل في فسيفساء من التجمعات العشوائية تحمل سمة «اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان». مكثت اللجان تنظم أنشطتها وفق هواها رغم ما سطره اجتماع مراكش يوم 05 من شهر مايو (أيار) لسنة 2012، الرامي إلى التنسيق. وأما توحيد المعايير والمساطر، وتنظيم بنيات التواصل، وإعادة تركيز مهمة الحماية وهيكلة وظيفة النهوض، فهي أوراش لاختبار فرضيات وضعت اعتباطيا.
والهيكل التنظيمي ما هو في الواقع إلا إعادة الهيكلة. ذلك أن هناك مجموعات وظيفية كائنة ومستقرة في الهيكل التنظيمي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، منها ما أزيح جانبا نحو شعبة الحقوق الجماعية والشؤون الجهوية ومنها ما ظل قائما وخضع لبعض التعديل بتغيير الاسم، أو هو في حاجة إلى التعديل كالحماية والرصد، والمالية والموارد البشرية واللوجيستيك، والتواصل. ومن الشعب ما يستدعي توليدها كوحدات وظيفية مستقلة كالنهوض. كاد الحديث عن إعادة الهيكلة يعني إعادة انتشار الموارد البشرية وتأهيلها يعني إقحام مؤسسة المجلس بموظفين جدد وإزاحة المناضلين السابقين جانبا، ووضع قواعد للانتقاء والتوظيف، والتدوير إن اقتضى الأمر ذلك.
ومن المؤاخذات على الهيكلة الجديدة التي سُمع الخبر عنها مع ميلاد مؤسسة «المدير التنفيذي»، في الولاية السابقة، على المستوى المركزي، أن منها ما هو مطابق لنص الظهير الصادر يوم الفاتح من مارس من العام 2011، نحو المجلس الوطني لحقوق الإنسان «المادة 32» من الظهير المنظم للمجلس، ومؤسسة الرئيس «المادة 34»، والأمين العام «المادة 50»، والوحدات الوظيفية: النهوض والرصد والحماية، والآليات الجهوية لحقوق الإنسان «الباب الأول من الظهير المذكور». وهناك ما يوافق النظام الداخلي للمجلس المذكور، رئاسة المجلس «المادة 3»، والأمانة العامة «المادة 8»، واللجان الجهوية «المادة 16»، المالية والموارد البشرية (المادة 66) الحماية والرصد «المادة 66»، التعاون «المادة 66»، الدراسات والتوثيق «المادة 66»، العلاقات الخارجية والتواصل «المادة 66». وهناك ما يشاقق كلا القانونين الداخلي والأساسي. فمن ذلك إسناد شأن هيئة الإنصاف والمصالحة إلى الأمين العام، وهو شأن يخص حماية حقوق الإنسان والرصد، ومن ذلك الفصل بين شأن التواصل والعلاقات الخارجية وهو شأن موحد في المادة 66 من النظام الداخلي تحت اسم «شعبة التواصل والعلاقات الخارجية». وهناك في ترسيمة الهيكلة التي أنقلت إلي شفويا من لدن أحد الأصدقاء التقاة، توحيد «التواصل والعلاقات العامة»، وتوحيد «التعاون والعلاقات الخارجية». وإن هذه المشاققة، وإن كانت غير مؤثرة على الهيكل الوظيفي للمجلس، فإنها تبدو وكأنها لا تعكس ما هو مضمن في النص. ويلاحظ في ترسيمة الهيكلة كذلك بعض النقص والزيادة.
فمن مواطن النقص ما يلي:
ـ غياب بعض التفسيرات من ذلك مدة الانتداب والولاية بصدد مؤسسة الرئيس والأمين العام والمجلس الوطني لحقوق الإنسان واللجان الجهوية. وقد دأبت الهيكلات على الإشارة لأمد الآداء.
ـ عدم وضوح العلاقة الإدارية والوظيفية بين الرئيس والأمين العام: فهل وظيفة الأمين العام تقتصر فقط على «مساعدة الرئيس في مهامه»، و«تنفيذ قرارات المجلس بعد المصادقة عليها»، و«تسيير إدارة المجلس»، و«إعداد الوثائق والمستندات المتعلقة باجتماعات المجلس» وفق (المادة 51) من الظهير المنظم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان؟ وإذا كان الأمر كذلك فما بيانها في الترسيمة؟ وفوق ذلك ما دور الأمين العام بعد ميلاد مهمة المدير التنفيذي؟
ـ عدم وضوح العلاقة الإدارية بين رئيس(ة) اللجنة الجهوية والمركز. وبمعنى آخر، ما الوحدة الوظيفية التي يمكن أن تأمر الرئيس(ة) علما أنه (أنها) عضو المجلس الوطني لحقوق الإنسان؟
ـ عدم وضوح العلاقة بين رئيس (ة) اللجنة على المستوى الجهوي والمدير(ة) التنفيذي(ة). ولقد نتجت عن تلك العشوائية تعيين مدير تنفيذي واحد لموظفين اثنين بالجهات.
ـ غياب مكتب التنسيق وفق ما نصت عليه المادة 52 من الظهير المنظم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ومن مواطن الزيادة وهي سنة حسن إن كانت فرعية ومدعمة لوظائف الأركان. وأما إن كانت إنشاء جديدا، يخدم مصالح ضيقة، فإنها تستلزم تعديل النظام الأساسي. ذلك أن الزيادة في الوحدات الوظيفية يعني الزيادة في الوظائف غير المنصوص عليها، وذلك مجانب لروح المؤسسية، نهجا وفلسفة.
تراءت زيادة «المدير التنفيذي» على مستوى المركز، وعلى مستوى الجهات، والهدف من هذه الزيادة على مستوى المركز «تاكتيت» لتقييد مؤسسة الأمين العام. ويبدو أن هذه الزيادة فرعية، ذلك أن وحدة المدير التنفيذي الوظيفية بما هي وحدة الكاتب العام، أو المفتش العام، في المؤسسات الأخرى، لا خلاق لها غير أنها جعلت مؤسسة المجلس ذات رأسين الأمين العم والمدير التنفيذي. فالأول منصوص عليه في الظهير والثاني زيادة. ولقد نتج عن سوء الهيكلة توقيف أجر موظف، في الولاية السابقة، مما دفعه لينسحب من المؤسسة غضبا، وجرت مراودته أن ينصف بواجب 50 ألف درهم لكنه رفض تسلمها، للآن، ومن سوء الهيكلة وقتها إزعاج موظفة لتنسحب انسحابا هادئا من المؤسسة.
ولُمست الزيادة كذلك في مقترح وحدة «الافتحاص»، وهي وحدة لم تسلم وظيفتها من النقد والتمييز. فهل يرأسها فاحص فيكون الأمر يتعلق بالافتحاص الداخلي؟ وهل هي وحدة تُجري الافتحاص وتعين مكتب خبرة. فمن يقوم بالافتحاص؟ وهل لها سلطة القرار، أم أنها وحدة وظيفية تحرر تقاريرها وترفعها للأمين العام؟ إذا كانت مجردة من سلطة القرار فإنه من المفيد - ولكي تكون الوحدة زيادة فرعية – إلحاقها بالأمين العام، ولم تظهر تلك الوحدة في الواقع. وأما وحدة الجودة والمراقبة فهي إنشاء وتصور وهمي.
ومحصل القول جاز وصف أمرها أنه يتعلق بإعادة الهيكلة ما دام الكثير من الوحدات الوظيفية قائما أيام نشاط المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. وفوق ذلك، فأي هيكلة لا تحتكم جملة وتفصيلا للنظام غير ذات جدوى. وللأسف لا يحق لك أن تواجه أهل الرأي هناك بما يفيد: إنكم تبخسون الناس أشياءهم، وإن آداءكم تراجع عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. هنالك، كان أولى بكم إجراء تقييم لتحديد مواطن الضعف، إنهم يواجهونك إننا رؤساء جرى تعيينا بظهير، فمن أنت لتناقش هذا الشأن؟ إنهم رؤساء اللجان والموظفون عبيد يشكون الازداء والتهميش، وذلك ما لم يدركه رئيس المجلس الوطني السابق، أو على الأقل يميل نفسيا إلى تحقيق قطيعة بين المؤسستين رغم أن العلاقة علاقة استمرار، وبتعبير الظهير المنظم للمجلس الجديد. وذلك ما لم تدركه رئيسة المجلس في الولاية الحالية. ولقد حسُن اللجوء إلى الإعلام ليعلم الجميع سمة المؤسسة والأهوال التي تتخبط فيها. وبمنطق التاريخ فإن العلاقة تراكمية تصاعدية، لم يذركها ذلك المناضل الماركسي، الذي جيء به غافرا له ما تقدم من ذنبه، وتغافل عن مراجعة قانون الدياليكتيك، فأسس لهيكلة لا يزال ريحها يزكم الأنوف.
ومما ضعف من الآداء وخاصة في العلاقة بين المركز والجهات ندرة الكتابة. فالمؤسسة شفاهية، والتسيير يستهلك الهاتف «ألو السي فلان، بغينا، وبغينا، وبغينا، ألو فلانة، إنك كذا وكذا). وغير خاف أن التحرير أساس التواصل الإداري، وكل إدارة تبتعد عن الكتابية يمكن عد آدائها يعود إلى القرون الوسطى. صحيح أن التواصل الشفاهي عن طريق الهاتف يعبر عن وثوقية لا مثيل لها، وثوقية ورثها المغاربة عن الأعراف الأمازيغية بالوسط القبلي، لكن الشفاهية غير سليمة، بالمرة. وما أكثر القضايا التي عولجت أحسن المعالجة لكنها غير موثقة، وجل الأشغال بالمؤسسة غير موثقة، إذا استثنينا التوثيق السمعي البصري، في أحسن الأحوال. وإذا تجولت مستطلعا ما يجري في اللجان الجهوية لن تجد توصية واحدة يمكن نقلها للمجتمع المدني. فالآداء يجري على شاكلة الجمعيات. واما الشكايات فطالما ترفع من تحتُ لتصل من هو متربع على كرسيه من علُ، ولا خبر عن مصير الشكايات. ومن اللجان الجهوية التي لا تسجل شكايات المواطنين ومنها التي شغلت موظفيها إبان الحجر الصحي (الأمر يتعلق بلجنتين)، وإن العمل إبان الحجر الصحي معناه ضرب القيم الكونية. تلك هي بعض الملاحظات، التي تأكد من التطبيق حصولها.
وباستثناء الحماية التي تطور آداؤها بالممارسة لأنها عمل دؤوب، وباستثناء التكوين الذي استفاد منه أطر الحماية لم يطور المجلس نفسه في الهيكلة والآداء. فقد جيء بأطر غير ذات كفاءة وخاصة في قسم الموارد البشرية مما نتج عنه زلة الموارد البشرية، وحصول هفوات مما حتم على السيدة رئيسة المجلس، في الولاية الحالية، إجراء تغيير في الموارد البشرية في بحر شهر يناير من العام 2022، وأحدثت مديرية الجودة ونظم المعلوميات ونزلت مديرية الدعم والموارد، لتبدأ بزلة ذهب ضحيتها موظف جيء به من التعليم وقُيد منساقا مع العبث بإحدى جهات كاظما غيظه، ولما اهتدى إلى الانسحاب متقاعدا وجد نفسه ضحية الموارد البشرية، ولم ينج الموظفون الآخرون من شطط قسم الموارد البشرية الذي راكب تجربة في التسويف والكلام المعسول. وإذا لم تهتد السيدة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الولاية الحالية إلى الاستمرار في كسح المواضع المتعفنة فإن الزلات ستعظُم. فلا أحد يتصور موظفا أحيل على التقاعد فوجد نفسه في الشارع بدون منحة التقاعد. كيف نتصور حدود الانتهاك إذا علمنا أن ذلك الموظف رب أسرة تتكون من ستة أبناء؟ وكيف نتصور أن ذلك الموظف دعم المؤسسة بآدائه الفائق؟ للحديث بقية.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World