الديمقراطية في العراق ... تقاسم مغانم أم إدارة دولة ؟

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 10 / 23

يمكن تعريف الديمقراطية ببساطة , بأنها حرية الرأي والمعتقد ونمط الحياة دون أي ضغط أو إكراه , وعدم المساس أو إزدراء معتقدات الإخرين , أو تعكير صفو الأمن المجتمعي تحت أي مسوغ , وضمان سيادة القانون لجميع الناس , وتقبل الرأي والرأي الآخر من منطلق أن الحقيقة ليست حكرا على أحد . والديمقراطية بهذا المفهوم تبدأ وتنتهي بالإنسان كغاية ووسيلة.
إلاّ أن هناك من يرى في الديمقراطية أنها أداة شيطانية لإفساد المجتمع بمنح الناس حريات واسعة للتصرف على وفق إجتهاداتهم ,بدلا من إعتماد الثوابت والمعتقدات الدينية المتوارثة لديهم منذ مئات السنين , حيث باتت تشكل لديهم منظومة قيم وأعراف راسخة يصعب التخلي عنها, حتى وأن أصاب بعضها الكثير من التحريف والتشويه . والأهم من ذلك أن الأحزاب السياسية الدينية وبخاصة الأحزاب السياسية الإسلامية ,لا تجيز أساسا التشريع بحسب ما يرتأيه الناس , إنما تستلزم التقييد المطلق بتعاليم الأديان السماوية على وفق رؤيتها الدينية وتفسيرات قادتها .
وهناك من يرى أنه لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية ما لم يكن هناك توزيع عادل للثروات, كي يتسنى للفقراء الباحثين عن لقمة العيش التفكير بحرية وإبداء الرأي بكل ما يتعلق بشؤون حياتهم , فلقمة العيش أولا فالإنسان الجائع ليس بوسعه إبداء رأيه بحرية في الشأن السياسي. وهؤلاء يرون أن لقمة العيش لن تتوفر ما لم يتم التخلص أو في الأقل الحد من سطوة رأس المال بطريقة أو بأخرى , وبذلك يولون أهمية أكبر للعدالة الإجتماعية أو ما يعرف بالإشتراكية من إهتمامهم بالديمقراطية , لدرجة أن بعض الأحزاب الإشتراكية تذهب إلى أبعد من ذلك بفرض نظم شمولية إستبدادية ,تمهيدا لإرساء قواعد نظام ديمقراطي لاحقا قد يأتي وقد لا يأتي , ولا تتردد بتسمية دول سلطتها بالدول الديمقراطية.والأمثلة على ذلك كثيرة لم يكتب لها النجاح أبدا .
والديمقراطية عند نشأتها الأولى في بلاد الإغريق لم تكن متاحة لجميع الناس , فقد كانت مقتصرة على طبقة النبلاء والأسياد , إذ لا يحق للعبيد أبداء الرأي , فالعبيد ملك أسيادهم لا يملكون حرية أنفسهم , فكيف يكون لهم حرية رأي بمصير مجتمع يتحكم فيه أسيادهم . كما حرمت النساء في الدول الديمقراطية الأوربية من حرية التصويت في الإنتخابات البرلمانية سنين طويلة . وعندما منحت حرية التصويت ,حرمت من حرية الترشيح للإنتخابات , ليسمح لها ذلك لاحقا بعد نضال طويل .
ويرى آخرون وبعضهم مفكرون كبار أن الديمقراطية وبال على الأمة , ذلك أنها تترك مصيرالأمة تقرره غالبية من الأميين والجهلة , حيث لا فرق في الأهمية بين رأي عالم فقيه في العلم والمعرفة , وأمي جاهل لا يفقه شيئا في أبجديات الحياة .
وفي الدول النامية هناك من يعتقد أن الديمقراطية تتيح المجال لتدخل الدول الأجنبية بشؤونها الداخلية نظرا لهشاشة نظمها السياسية وربما العبث بأمنها وإستقراره , لذا توجهت نحو نظم سياسية مختلفة , إتسم معظمها بالإستبداد والشمولية .
وعلى الرغم من وجاهة هذه الأراء في بعض جوانبها , فأن نظام الحياة الديمقراطي يبقى أفضل النظم التي عرفها الإنسان عبر التاريخ وأقلها ضررا . ولتحقيق قدرا معقولا من الديمقراطية لابد من توافر عدد من الشروط الموضوعية نوجزها بالآتي :
1.بيئة سياسية آمنة ومستقرة .
2. مجتمع يتمتع بقدر معقول من التعليم .
3. القبول بمعطيات الديمقراطية ونتائجها .
4. حصانة مجتمعية من التدخلات الخارجية .
5. إشاعة ثقافة ديمقراطية مجتمعية .
وبعد هذه المقدمة الموجزة عن الديمقراطية نعود بالحديث عن الديمقراطية في العراق , حيث جاء بالمادة (1) من الدستور : " أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي . وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" . وجاء في المادة (5) : السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية" . وفي المادة (6) : " يتم تداول السلطة سلمياً عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور .
فهل يا ترى حقق العراق منذ غزوه وإحتلاله عام 2003 وحتى يومنا هذا , قدرا معقولا من الديمقراطية ؟ , تحت يافطة الديمقراطية التي كان يبشر بها المحتلون ومن تحالف معهم. للأسف يشير واقع الحال إلى خلاف ذلك تماما , إذ إن ما تحقق ما هوى إلاّ فوضى عارمة في جميع مجالات الحياة ,وليتها كانت فوضى خلاقة كما خططت لها الإدارة الأمريكية , بل كانت فوضى مدمرة لكل شيئ جعلت من العراق دولة فاشلة بكل المعايير وعلى جميع الأصعدة . وهذا أمر طبيعي لا يثير الإستغراب , ذلك أن النظم الديمقراطية ليست يضاعة تستورد , بل بناء تشيده أيادي وعقول مؤمنة بالديمقراطية قولا وفعلا , وهذا لم يكن متحقق في عراق 2003 , ذلك أن جميع الأحزاب والجماعات السياسية التي دخلت العراق في أعقاب غزوه وإحتلاله , لا تفقه من الديمقراطية سوى أنها سلم لتسلم مقاليد السلطة ونهب مواردها . ولو أنها كانت تؤمن بالديمقراطية لكان الأولى بها ممارستها في حياتها الحزبية الداخلية بإختيار قيادتها ورسم سياساتها , بدلا من إتكاء قادتها على نفوذها العشائري حيث يتوارث الأبناء عن الأباء مواقعهم القيادية في أحزابهم وكأنها ضيعة خاصة بهم , وتتكأ أحزاب أخرى على نفوذ عوائلها الديني دون منازع وتحت غطاء من القدسية التي لا تجيز لأحد إنتقادها أو مساءلتها . وكما يقول المثل الدارج فاقد الشئ لا يعطيه .
ولكن هناك من يعتقد أن قدرا من الديمقراطية قد تحقق بعد العام 2003 , بدليل أن هناك أحزاب متعددة تمارس أنشطتها السياسية بكل حرية وليس حزبا واحدا يمسك مقاليد السلطة دون منازع, ومجلس نواب يصلاحيات تشريعية واسعة , منتخب اعضائه عبر إنتخابات نيابية تجرى في مواعيد دورية منتظمة , وهناك رئيس جمهورية منتخب من قبل مجلس النواب لمدة معينة , الذي بدوره يختار رئيس الوزراء الذي عليه إستحصال مصادقة مجلس النواب على هذا الإختيار, وعلى رئيس الوزراء إستحصال مصادقة مجلس النواب على تشكيلته الوزارية . وبذلك لم تعد هناك في العراق سلطة مطلقة لرئيس الحمهورية قد تمتد مدى الحياة كما هو الحال في الدول ذات النظم السياسية الشمولية بدعاوى الشرعية الثورية .
ولم يعد الإعلام إعلاما حكوميا ,إذ أن هناك عددد كبير من الصحف والمجلات والقنوات الفضائية غير الحكومية. كان عدد الصحف اليومية والأسبوعية قبل العام 2003 لا يزيد على ( 9 ) صحف، ليصبح عددها (171) صحيفة يومية وأسبوعية عام 2003، لينحسر الآن إلى (21 ) صحيفة . وزيادة عدد الصحف لا تعد بالضرورة مظهرا من مظاهر الديمقراطية كما يتصور البعض , فقد تكون مظهر من مظاهر الفوضى والإنفلات الإعلامي .وعلى أية حال يكفي أن نشير هنا إلى أن العراق يصنف الآن واحدا من أخطر البلدان في ممارسة العمل الصحفي على مستوى العالم، إلى جانب سورية والصومال وباكستان . يشير نقيب الصحفيين العراقيين إلى إن أكثر من (500 ) صحفي قتلوا في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم.
يبلغ عدد القنوات الفضائية أكثر من ( 70 ) قناة , معظمها مملوكة لأحزاب سياسية , ويفوق هذا العدد من القنوات عددها في أي من دول المنطقة حيث أن معظمها إن لن تكن جميعها قنوات حكومية في تلك البلدان. ولا يعني أن هذا العدد الكبير من القنوات الفضائية العراقية قد خدم موضوع الديمقراطية في العراق, بل العكس من ذلك تماما حيث أسهمت هذه القنوات بزيادة حدة العنف وكل أشكال الحقد والكراهية والإحتقان السياسي بين فئات المجتمع المختلفة , لما تبثه من برامج وسموم طائفية وأثنية مقيتة .
وهذه جميعها تبدو ظاهريا بأنها مؤشرات نظام سياسي ديمقراطي لا غبار عليه . لكن واقعها يؤشر خلاف ذلك تماما , حيث أسست بيئة فساد مالي وأخلاقي بغطاء ديمقراطي مهلهل زائف , أتاح لكبار الفاسدين الأفاكين ممن إمتهنوا السياسية بإرتداء عباءات ملونة دينية وطائفية وأثنية , مستخفين بعقول الناس البسطاء بدغدغة مشاعرهم الدينية والأثنية الصادقة , عبر وعود معسولة بحياة معيشية أفضل وتوفير فرص عمل لهم وخدمات تعليمية وصحية , ليكون العراق في مصاف الدول المتقدمة بعد بضع سنوات , بالقضاء على كل أشكال الفقر والمرض والجوع التي عانوا منها سنين طويلة بسبب الحروب وما رافقها وأعقبها من حصار ظالم .
وبعد إن إنتهى مفعول وعود حقن تخدير الناس التي لم تعد تجدي نفعا , إذ لم يلمسوا منها سوى المزيد من الفقر والمرض وفقدان الأمن , بينما ينعم ساساتهم وعوائلهم ومناصريهم بحياة مرفهة ,دون أي إكتراث بما آلت إليه أحوال الناس من بؤس وشقاء . إنتخابات تجرى وحكومات تتبدل وكل يغني على ليلاه والحال ما زال هو الحال , إن لم يكن أسوأ من سابقه . خرج الناس بمظاهرات عارمة قيل لهم أنها حق مشروع كفله الدستور للتعبير عن مطالبهم , ولكنهم لم يجدوا آذان صاغية لسماع مطالبهم حقا , إذ لم يعد ممن آلت إليهم السلطة التي أحكموا قبضتهم عليها ونجحوا بتفتيت الناس , يخشون هذه المظاهرات مهما علا صوتها وإزداد صخبها وتلطخت الشوارع بدماء متظاهريها .
يمتاز النظام الديمقراطي في العراق بصفات فريدة من نوعها على صعيد النظم الديمقراطية في العالم , نوجزها بالآتي :
1. ديمقراطية ذات أنياب شرسة , حيث تمتلك أحزابها المتصدية للمشهد السياسي منذ العام 2003 , أذرع مسلحة خاصة بكل منها تحت مسميات مختلفة , تأتمر بأوامر قادتها حصرا ولا أحد سواهم , بينما تتقاضى تخصيصاتها المالية من الحكومة, ويفترض أنها قانونا تأتمر بأوامر رئيس الوزراء القائد الهام للقوات المسلحة , لدرجة أن مقر رئيس الوزراء والمنطقة الخضراء قد تعرضت لضربات عسكرية من بعض هذه الفصائل أكثر من مرة , دون أن تتمكن الحكومة تحريك ساكنا .
2.معظم قادة الأحزاب ممن يتولون مواقع قيادية في الدولة ,هم من الوافدين من بلدان أخرى ممن يحملون جنسياتها ولا يحق لهم دستوريا تولي هذه المواقع , وكأنهم جاءوا إلى العراق للعمل لبعض الوقت لنهب ما يكفيهم من المال العام , لتأمين عيش رغيد لهم ولعوائلهم التي تركوها في تلك البلدان بعد نفاد صلاحيتهم في السلطة والعودة إلى البلدان التي أوفدتهم .
3. صمم النظام الديمقراطي في العراق على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية , بحيث يضمن لكل حزب حصته من مغانم السلطة ونهب المال العام , بحسب عدد أعضاء نوابه في مجلس النواب , وبذلك ضمن النظام سكوت جميع الأحزاب عن مفاسد السلطة الذين هم جزءا منها .
4. شكلت أحزاب السلطة لجان إقتصادية لجباية الأموال من الوزارات التي تحصل عليها بموجب نظام المحاصصة . لذا تباع المناصب الوزارية والمواقع القيادية في سوق النخاسة السياسية , والتي تستلزم من الوزارات إستحصالها من خلال صفقات الفساد التي تجرى في تلك الوزارات والمواقع .
5. يتعذر كشف صفقات الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين التي يتحدث عنها الجميع ليل نهار , وتشكل المجالس التحقيقية دون جدوى , والسبب بات معروفا وواضحا للعيان , ذلك أن الجميع مشارك فعليا بعمليات الفساد بقدر أو بآخر , مما يلزمهم بالتغاضي عنها ربما بإستثناء بعض صغار الموظفين . ولعل صفقة الفساد الأخير في الهيئة العامة للضرائب بسرقة كبار المسؤولين فيها ودوائر أخرى , المتمثلة بسرقة ملياري وثمان مائة مليون دولار أمريكية فيما وصف بسرقة العصر التي تمت في وضح النهار بعملية مخطط لها بعناية ومؤمن لها مسالكها , والتي يتوقع أن يسدل عليها الستار بعد فرقعة إعلامية فارغة بعد تبادل الإتهامات بين الفرقاء السياسيين لا تقدم ولا نؤخر , وربما إصدار أوامر قضائية بحق متهمين يقال أنهم هربوا خارج العراق .
وخلاصة القول أن عملية غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لم تسفر عن قيام نظام حكم وطني ديمقراطي بأي شكل من الأشكال كما يحلو لمناصريه ترديده بمناسبة أو بأخرى , بل نجمت عنها فوضى لا خلاقة أدت إلى هدم أركان دولته التي مضى على تأسيسها نحو قرن من الزمان , ونهب ثرواته وكنوزه الحضارية وتفتيت نسيجه الأجتماعي وهدم منظومته الإجتماعية وإنتهاك أعرافه وقيمه الأخلاقية , والعودة به إلى مجاهل التاريخ البدائية حيث أطلقت العنان للغرائز وتعطيل العقول , ناهيك عن تشريد ملايين العراقيين مهاجرين خارج بلدهم أو نازحين للعيش في خيام خارج مدنهم باحثين عن لقمة العيش , وقتل وجرح مئات الآف من العراقيين , وبذلك خرج العراق من تصنيف الدول النامية الساعية لرقي وتقدم شعوبها, حيث بات يصارع من أجل البقاء والتخلص من أدران الفساد وعبث العابثين وتدخلات القوى الأجنبية .
وأخيرا نقول أن لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين حقيقيين يؤمنون بشعوبهم وحقها بالحياة الحرة الكريمة دون منة من أحد ودون إتكاء على الأجنبي أيا كانت دعاواه .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World