بعض منجزات عراق ما بعد عام 2003

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 10 / 7

نستعرض بإيجاز بعض منجزات الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ العام 2003 والتي يحلو لمناصريها بالحكومات الديمقراطية التي تسلمت السلطة عبر صناديق الإنتخابات , والتي لم يجني منها العراق سوى المزيد من الفقر والمرض وتفشي الفساد والجريمة في جميع مفاصل الحياة , فا هي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تشير إلى أنهناك ( 9 ) ملايين مواطن أي نحو ربع عدد السكان البالغ عددهم (41 ) مليون نسمة ، تحت مستوى خط الفقر,
ويشير مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، إلى إن نسبة الفقر في البلاد بلغت( 30%) . كما يشير تقرير صادر من مكتب منظمة الأمم المتحدة اشتركت في إعداده منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" وبرنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي، إلى تضاعف معدل الفقر في العراق في العام 2020، حيث أعتبر ( 40%) من السكان فقراء وفق مؤشرات البنك الدولي .وتعد محافظات الجنوب طبقا لمسح وزارة التخطيط , المحافظات الأكثر فقراً ، حيث يصل المعدل العام للفقر فيها إلى 35%، وتعد محافظة المثنى هي الأكثر فقراً، بنسبة فقر وصلت ( 50%)، تليها محافظات ذي قار والديوانية وميسان، بنسبة فقر تصل إلى ( 49% ). بينما تبلغ في إقليم كردستان نحو ( 6-8% ).
تتضمن إستمارة مسح الفقر التي أعدتها وزارة التخطيط ,أسئلة مرتبطة بحياة الانسان اليومية، والخدمات الصحية التي يحصل عليها، وكيفية الحصول على الخدمة، مثلاً بمراجعة مركز صحي أم طبيب خاص، والتكلفة اليومية والشهرية التي يخصصها المواطن للجانب الصحي، وسؤال عن التعليم ومستوياته في الأسرة الواحدة، وكيفية الحصول على التعليم، مثلاً هل يذهب الأطفال في المرحلة الابتدائية إلى مدارس خاصة أم حكومية أم غيرها، وكذلك طبيعة السكن هل هو إيجار أم ملك، ونوع البناء للمنزل وهل هو في منطقة عشوائية، وكذلك كلفة الغذاء، وآلية تخلص الأسرة من النفايات، هل هي عن طريق البلدية أم اشتراكات خاصة، والكهرباء أيضاً، هل يكون عن طريق المولدة أم يعتمد فقط على الكهرباء الوطنية، وغيرها .
حددت وزارة التخطيط معيارا لقياس الأسرة الفقيرة أو الفرد الفقير من عدمه، بتحديد خط فقر بمبلغ شهري قدره ( 115 ) ألف دينار بالنسبة للفرد الواحد" . ويذكر أن سعر صرف الدولار الواحد رسميا أكثر من 180 ألف دينار عراقي وبفوق ذلك كثيرا في السوق التجارية . أي أن خط الفقر المعتمد في العراق أقل من دولار واحد , بينما تحدد المعايير الدولية خط الفقر بدولار ونصف وما دون في اليوم الواحد.

أعلنت وزارة التخطيط مطلع العام 2020، أن نسبة الأمية في العراق بين السكان الذين تزيد أعمارهم عن ( 10 ) أعوام، وبحسب آخر مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء، بلغت ( 13 % ). تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى وجود ( 12 ) مليون شخص أمي في العراق . ويشير نقيب المعلمين العراقيين إلى : "ثمة جملة أسباب تقف وراء تفشي الأمية بهذا الشكل المخيف، أهمها عدم استقرار البلد واضطراب أوضاعه السياسية والأمنية والاقتصادية، واتساع نطاق الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع العراقي وشرائحه، وعدم تفعيل قانون إلزامية التعليم النافذ لحد الآن، وبالتالي عدم كبح نزيف التسرب من المدارس العراقية, فضلا عن أن النمو السكاني في العراق مرتفع جدا ما يسبب ضغطا متواصلا على البنى التحتية التعليمية المتهالكة أساسا، حيث ثمة أعداد كبيرة من الطلاب والمدارس لا تتسع لهم بل وتزداد نسبتهم سنويا". ويذكر أن العراق كان قد غادر الأمية تماما عام 1979 ونال شهادة تقديرية من منظمة التربية والعلوم ( اليونسكو ) لنجاحه بالتخلص من آفة الأمية أحد أبرز معوقات التنمية , فضلا عن كون التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان . احتل المرتبة ( 22 ) على مستوى العالم منتصف الثمانينيات في مستوى التعليم . بينما يشير البنك الدولي إلى أن مستويات التعليم بالعراق الآن هي من بين أدنى المستويات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .
تشير إحصاءات رسمية إلى أن مدارس العراق تشهد تسربا جماعيا للتلاميذ في المرحلة الابتدائية بمعدل ( 360 ) تلميذا وتلميذة في اليوم الواحد , وتقدر منظمة اليونيسيف أن هناك نحو (3) ملايين طفل عراقي خارج المدارس. ويعزى هذا التسرب لأسباب مختلفة منها اتساع رقعة الفقر، وكثرة العائلات اليتيمة التي فقدت معيلها جراء الحروب والانفجارات، وغياب الدعم المادي لأبناء العائلات المتعففة، فضلا عن المشكلات النفسية الناجمة عن تفكك الأسر وظاهرة الطلاق والمشكلات العائلية. وقد أدى تسرب التلاميذ من مدارسهم إلى تفشي ظاهرة عمالة الأطفال , حيث تقدّر مفوضية حقوق الإنسان نسبة عمالة الأطفال في العراق ( 2 %)، أي نحو( 800 ) ألف طفل، وهو ما يُعتبر مخالفاً لقانون العمل. وتعتبر المفوضية أنّ ممارسة الأطفال العمل تشكّل خطورة عليهم بحكم طبيعة وظروف العمل الصعبة، محذّرة من تعرّضهم للتحرّش بكل الأنواع، واستغلالهم من قبل عصابات التسوّل والاتجار بالبشر والمخدرات وغير ذلك .
أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق ، مطلع شهر حزيران من العام 2021 ، أن "نسبة الإدمان على المخدرات قد تصل إلى ( 50 %) وسط فئة الشباب، كما أن النسبة الأكبر للتعاطي تصل إلى( 70 %)، في المناطق والأحياء الفقيرة التي تكثر فيها البطالة ", كما أعلنت المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في وزارة الداخلية العراقية في شهر أيلول ، أنه "خلال سنة ونصف السنة، تمكنت المديرية العامة من إلقاء القبض على أكثر من ( 11 ) ألفا، من مروجي وتجار المخدرات منهم ( 5 ) آلاف متعاط، وهذا مؤشر خطير ". ذكر قسم شرطة البصرة أن( 97%) من متعاطي المخدرات، الذين تم القبض عليهم في 2018 كانوا عاطلين عن العمل، وبلغت أعمار ثلثيهم ( 25 ) عامًا أو أقل؛ وذكرت محكمة استئناف البصرة أن( 90%) من المعتقلين بتهمة تعاطي المخدرات في الفترة نفسها تقريبًا كانوا عاطلين عن العمل. ولسوء الحظ، لا توجد أرقام رسمية موثوقة، لكن تصريحات المسؤولين تشير إلى أن مشكلة المخدرات عسيرة جدًا في بعض المدن؛ فعلى سبيل المثال، صرح محافظ الديوانية أن نسبة تعاطي المخدرات بين الشباب قد وصلت إلى( 40%) بحسب بعض تقديرات المؤسسات غير الحكومية.
ويذكر أن العراق كان حتى عام 2003، بشكل عام بمنأى لحد كبير عن ظاهرة إدمان المخدرات والاتجار بها، بفعل القوانين العقابية الصارمة والرادعة، التي كانت معتمدة ضد المتعاطين والمتاجرين بها، والتي كانت تصل لعقوبة الإعدام. وتعزى حالة تفشي ظاهرة المخدرات إلى الشعور بالإحباط الشديد واليأس والبؤس وإنعدام فرص العمل لدى شريحة واسعة من فئات المجتمع المختلفة وبخاصة الشباب بإنسداد آفاق الحياة الرحبة لبناء حياة كريمة آمنة ومستقرة لهم , بسبب آفة الفساد ونهب المال العام المستشرية في جميع مفردات الحياة دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل بالتخلص من هذا الكابوس الثقيل . يبدو أن الحكومة العراقية عاجزة عن معالجة مشكلة المخدرات المتنامية في البلاد بسبب الفساد وضعف النظام الأمني . ولا يوجد في المستقبل المنظور ما يشير إلى كبح الفساد، وستبقى نسبة البطالة مرتفعةً إن لم تكن في ازدياد، وسلطات إنفاذ القانون أضعف من أن تعالج تهريب المخدرات والمتاجرة بها.
ومن مظاهر تفكيك المجتمع العراقي ألأخرى التي أفرزتها مرحلة ما بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , إنتشار صالات القمار والملاهي الليلية في المنطق السكنية التي أغلقت بشكل كامل في عام 1990، تطبيقا لقانون العقوبات لعام 1969 ، الذي ينص على ان جميع أشكال المقامرة غير قانونية، ويمكن لأي شخص يمارس أنشطة القمار أن يُغرم أو توجه له عقوبة السجن، واغلقت معها محال الخمور ، لكنها بقيت مفتوحة في محال بيع بالمفرد المختوم حينها . ويقال أن هذه الصالات تديرها عصابات مسلحة تتحرك بغطاء حكومي، بعد أن منحتها وزارة الداخلية إجازات لحمل السلاح لحماية نفسها. وهي غطاء لغسيل أموال يديرها أجانب من أوكرانيا وتركيا وقبرص ولبنان، وشخصيات فاسدة ضالعة بتهريب النفط والمخدرات والسلاح والرقيق، ويمتلكون أموالا طائلة . ياتت هذه الصالات والملاهي تهدد المجتمع العراقي بالتفكك وتزيد من نسب الجرائم والاحتيال وتعاطي المخدرات.
هذا غيض من فيض منجزات الحكومات المنبثقة عن غزو العراق وإحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن تحالف معها عام 2003 التي صدعت رؤوسنا بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وبناء عراق حر مزدهر ينعم شعبه بالأمن والآمان والعيش الكريم , وإذا به بات يعاني اليوم من شظف العيش وإنعدام الأمن وسطوة عصابات الجريمة المنظمة وتفشي الفساد وإنهيار منظومته الأخلاقية .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World