شهادة للتاريخ ... جامعة البصرة ... تداعيات الحرب العراقية الإيرانية

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 10 / 1

وها أنا أفتح سجل الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها , تعود بي الذاكرة إلى يومها الأول في الثاني والعشرين من شهر أيلول عام 1980 , حيث كنت عائدا من بولونيا صباح ذلك اليوم المشؤوم من واراشو إلى بغداد , على رأس وفد جامعة البصرة , للتباحث مع جامعة كدانسك حول برنامج العمل بينها وبين جامعة البصرة, طبقا لإتفاقية التعاون العلمي والثقافي المعقودة بين بولونيا والعراق. وصلنا بغداد في ساعات الصباح الأولى , وكان علينا الإنتظار في مبنى المطار قرابة ساعة من الزمن للسفر إلى البصرة بحدود الساعة السابعة صباحا . كانت الأمور تسير بصورة طبيعية ,حيث صعدنا إلى الطائرة واغلقت الطائرة أبوابها وتحركت في مدرج المطار إستعدادا للإقلاع, وإذا بنا نبلغ بالنزول من الطائرة والعودة إلى مبنى المطار بدعوى سوء الأحوال الجوية . وبعد مضي نحو ساعة دعينا ثانية إلى الصعود إلى الطائرة ,التي كانت مكتضة بالركاب الذين كان معظمهم من ابناء محافظة نينوى المبلغين بإستلام سياراتهم ,التي كانوا مسجلين عليها لدى الشركة العامة لتجارة السيارات , من ميناء أم قصر .
وصلنا مطار شط العرب في البصرة بحدود الساعة العاشرة صباحا بعد طول عناء سفرة طويلة من وارشو إلى البصرة طوال الليل وبعض النهار , حيث لاحظت حركة أرتال سيارات عسكرية في البصرة على غير العادة دون أن يخطر ببالي ما سيؤول إليه حال البصرة بعد ساعات قليلة . ذهبت إلى بيتي لأخذ قسطا من الراحة والنوم لساعات قليلة , لأستيقظ على دوي صفارات الإنذار حيث بدأت الطائرات الإيرانية بقصف بعض المنشآت الحيوية والعسكرية في البصرة, ردا على قصف الطائرات العراقية للمنشآت العسكرية الإيرانية معلنة بدء الحرب بين البلدين .
وكالعادة لم يكن أحدا منا يتصور أن هذه الحرب ستستمر طويلا , حيث إعتدنا نرى ان الحروب العربية الإسرائلية لم تستغرق في العادة سوى أيام معدودات لتنتهي بقرار أممي لوقف إطلاق النار يذعن له المنتصر, وعادة ما يكون الجانب الإسرائيلي والخاسر الجانب العربي الذي يبدأ بعدها بممارسة كل أنواع التضليل الإعلامي لإمتصاص غضب ونقمة الناس,تارة بإسم النكبة وتارة بإسم النكسة .
لم تأت الحرب العراقية الإيرانية من فراغ , إنما لها جذور تاريخية بسبب سياسات الحكومات الإيرانية المختلفة وتدخلها في الشؤون العراقية , تارة بدواعي الطائفية , وأخرى بإثارة النزاعات الحدودية في مياه شط العرب وبعض المخافر الحدودية , حيث شكلت حدود العراق مع إيران أحد المسائل التي تسببت في إثارة الكثير من النزاعات في تاريخ العراق. ودون الخوض بتفصيلات أسباب الحرب ودواعيها , نكتفي هنا بتداعياتها قدر تعلق الأمر بجامعة البصرة وما لحق بها من أضرار وخسائر فادحة بشرية ومادية على مدى ثمان سنوات .
نعود بالذاكرة إلى أيام الحرب الأولى , فقد باشرت عملي بوظيفتي مساعدا لرئيس الجامعة للشؤون العلمية في الثالث والعشرين من شهر أيلول عام 1980 بعد عودتي من بولونيا, حيث تعطلت الحياة في جميع مؤسسات ودوائر الدولة ومدارس البصرة ومنها جامعة البصرة التي تعرضت بعض مبانيها في قضاء شط العرب للقصف المدفعي الإيراني المباشر وإحتراق بعض سياراتها . كان عليّ أن أداوم لتصريف شؤون التدريسيين العرب والأجانب العاملين في الجامعة وطمأنتهم على أحوالهم وتيسيرها بالقدر المستطاع . كلف الحزب الحاكم منتسبي جامعة البصرة بأول قاطع للجيش الشعبي في أواخر شهر أيلول عام 1980, بواجبات في مدينة المحمرة بعد إستيلاء الجيش العراقي عليها, حيث تم نقلهم بسيارات مصلحة نقل الركاب ودون تهيئة عسكرية مناسبة لهكذا واجب .
أستؤنفت الدراسة في جميع المدارس والمعاهد والكليات في عموم أنحاء العراق بعد مضي نحو شهرين بعد أن فقد الجميع الأمل بوقف الحرب في القريب العاجل , فكان لابد للحياة أن تستمر وأن يتعايش الجميع مع هذا البلاء حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. إستمرت الحرب ثمان سنوات عجاف إحترق فيها ألأخضر واليابس وأزهقت فيها أرواح بريئة ودمرت منشآت حيوية وأهدرت أموالا طائلة وتعطلت مسيرة التنمية والحياة الآمنة المطمنئة.
إستمر تشكيل قواطع الجيش الشعبي من التدريسيين والطلبة في العطل الصيفية طوال سنوات الحرب الثمان. وفي العطلة الصيفية للعام 1986 إدخل جميع طلبة الجامعات والتدريسيين في معسكرات تدريب تابعة للجيش العراقي , دفعة واحدة تمهيدا لإرسالهم إلى جبهات القتال دعما للمجهود الحربي , إلاّ أنه قد أستغني عن ذلك في اللحظات الأخيرة حيث أكتفي بتدريبهم كقوة عسكرية إحتياطية.ولم تقتصر مشاركة الطلبة والتدريسيين على قواطع الجيش الشعبي , بل كانوا يكلفون بين الحين والآخر بواجبات الدهم والتفتيش عن الأشخاص الفارين من الجيش العراقي, فضلا عن واجبات الحماية والخفارات الحزبية , وبخاصة عند إشتداد المعارك في جبهات القتال .منع التدريسيون من السفر إلى خارج العراق إعتبارا من العام 1981 وطيلة سنوات الحرب .وكلف التدريسيين والطلبة بحملة قص القصب والبردي في الأهوار .
عايشت الحرب ثمان سنين , كنت في النصف الأول منها مساعدا لرئيس الجامعة للشؤون العلمية , وفي النصف الثاني الأقسى والأصعب رئيسا للجامعة حيث كان عليّ العمل وسط ساحة حرب حقيقية بعد أن أصبحت القوات الإيرانية على مشارف مدينة البصرة , وقصفها المدينة بالمدفعية الثقيلة بين الحين والآخر, وبخاصة عند إشتداد المعارك في جبهات القتال أو عند تجدد ما كان يعرف بحرب المدن , حيث يقصف العراق بعض المدن الإيرانية بالصواريخ ويقصف الإيرانيون البصرة بالمدفعية الثقيلة , مما أدى إلى نزوح آلاف السكان إلى المدن الأخرى طلبا للأمن والآمان .
كان العام 1987 الأصعب في تاريخ الحرب حيث أعلنت إيران أنه عام الحسم , داعية أهالي البصرة إستقبال الجيش الإيراني بالورود والرياحيين. أصبح الجزء الأعظم من مدينة البصرة أشبه بمدينة أشباح خاليا من أية مظاهر حياة مدنية , إذ تحول إلى سواتر عسكرية للدفاع عن البصرة لصد أي هجوم إيراني محتمل. إنتقلت الدوائر الحكومية إلى أطراف مدينة البصرة في المنطقة المعروفة بمنطقة الجمعيات , وإتخذ محافظ البصرة مبنى المؤسسة العامة لنفط الجنوب مقرا لديوان المحافظة. وإضطرت الجامعة إلى نقل جميع موجوداتها من أجهزة ومعدات علمية من موقعها في قضاء شط العرب الذي لا يبعد عن منفذ الشلامجة الحدودي أكثر من عشرين كيلو متر, إلى موقع كلياتها في كرمة علي وباب الزبير في عمل بطولي رائع لعدد من تدريسيي وموظفي كليتي العلوم والزراعة ومركز علوم البحار ومركز الحاسبة الألكترونية والمكتبة المركزية , وسط قصف إيراني مستمر لمدينة البصرة دون هوادة , فضلا عن نصبها وتشغيلها دون مساعدة من أحد وبخاصة نصب وتشغيل الحاسبة الألكترونية الذي يتم لأول مرة من كوادر عراقية.
واجهتني في هذه الفترة صعوبات كثيرة , فمن جهة كان عليّ تأمين سير التدريسات وتوفير أفضل فرص التعليم لطلبة جامعة البصرة في ظروف الحرب المعقدة والتي لا يبدو أن لها نهاية في القريب العاجل, ومن جهة أخرى توفير أفضل فرص الحماية لهم وتجنيبهم قدر المستطاع أضرار هذه الحرب المجنونة وفي مقدمتها الحفاظ على أرواحهم , حيث تصر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على ضرورة إستمرار دوام الجامعة مهما كانت التضحيات , إذ يرى المسؤولون أن إغلاق الجامعة أبوابها , إنما يعني سقوط المدينة بأيدي الإيرانيين , ذلك أن جامعة البصرة تمثل أحد أهم معالم مدينة البصرة حضاريا وثقافيا , ويمثل منتسبوها شريحة واسعة ومتنوعة من السكان ليس من مدينة البصرة وحسب بل ومعظم المدن العراقية.
ولمعالجة هذا الموقف الصعب إتخذت مجموعة من الإجراءات لتسهيل عمل الجامعة منها :
1.أن يكون دوام الموظفين بين يوم وآخر, وعدم محاسبتهم على توقيع سجل الحضور والإنصراف بحسب ظروفهم .
2.أن يقتصر دوام التدريسيين على إلقاء محاضراتهم فقط , وحصرها بأقل عدد من الأيام لتقليل تواجدهم في الجامعة والإنصراف لشؤون عوائلهم .
3.التساهل في منح الإجازات الإعتيادية لجميع المنتسبين بحسب ظروفهم وطبقا لإستحقاقهم .
السماح بالمبيت في الجامعة لمن يرغب عند إشتداد حالات القصف على المدينة..4
5.برمجة طلبات نقل التدريسيين إلى الجامعات الأخرى لدراستها والبت فيها بنهاية كل عام دراسي حسب أحقية كل منها .
ولغرض التعرف على ظروف عمل التدريسيين في جامعة البصرة عن قرب وسط دوي المدافع وتساقط قذائفها هنا وهناك وإستمرار التدريسات فيها عام 1987, أمر وزير التعليم العالي والبحث العلمي يومذاك جميع رؤوساء الجامعات وعمداء الكليات بقضاء كل منهم أسبوع معايشة في جامعة البصرة. وبرغم معاناة الجامعة وتدريسييها لم يتم في الواقع إنصافهم جراء تضحياتهم وتفانيهم بأداء الواجب طيلة سنوات الحرب القاسية. كان صمود جامعة البصرة بحق ملحمة إنسانية رائعة .
ولعل أصعب القرارات التي كان عليّ إتخاذها طلب مجلس الجامعة بمفاتحة الوزارة لنقل جامعة البصرة إلى مدينة أخرى عندما كانت مدينة البصرة تتعرض لأشد وأقسى حالات القصف المدفعي الإيراني عام 1987 , وبخاصة أن مؤسسات أخرى قد إنتقلت إلى مدن أخرى , أبرزها الأكاديمية البحرية المجاورة مبانيها لمباني الجامعة في الكرمة التي إنتقلت إلى مدينة الحلة , برغم أن الأكاديمية مؤسسة عسكرية . وأمام إصرار المجلس فقد دعيت أعضائه من العمداء ومساعدي رئيس الجامعة وممثلي التدريسيين ونقابة المعلمين والإتحاد الوطني لطلبة العراق لجلسة مخصصة لمناقشة الموضوع , حيث أصر معظم المتحدثين على هذا الطلب برغم توضيحي لهم أن ذلك لا يقع ضمن صلاحيات المجلس ولا حتى ضمن صلاحيات الوزير , لما يترتب على ذلك من تبعات سياسية تتطلب قرار سياسي من أعلى سلطة في البلد . وللأسف لم يكترث أعضاء المجلس لتوضيحاتي حيث أصروا على التصويت وكان لهم ما أرادوا , عندها طلبت من مقرر المجلس تثبيت إعتراضي على القرار مما أثار فزعهم وخوفهم. وقد اوضحت لهم انني قد مارست حقي شأني بذلك شأن الأعضاء الآخرين ولن أخضع لضغوط أحد عند ممارستي لمسؤوليتي. عندها تراجعوا عن قرارهم .
ولحفظ ماء وجوههم عطلت أعمال الجلسة لبرهة وجيزة للإستراحة والتداول فيما بينهم . وبعد إستئناف الجلسة عرضت عليهم بديلا مفاده تشكيل وفد برئاستي وإختيار عضوين من أعضاء المجلس لمقابلة وزير التعليم العالي والبحث العلمي لشرح الوضع الراهن في الجامعة , وهو ما تم الإتفاق عليه ولكنه لم ينفذ حيث لم يرغب أيا منهم أن يكون في الواجهة. وما زلت أحتفظ بالتسجيلات الصوتية لذلك الأجتماع التاريخي , حيث كانت التعليمات تقضي بتسجيل إجتماعات مجالس الجامعات صوتيا وإرسالها إلى الوزارة مع محاضر إجتماعاتها , وكذا الحال لإجتماعات مجلس الوزارة الذي إستبدل فيما بعد إلى مسمى هيئة الرأي بعد أن جرد من صلاحيته , حيث كانت وقائع إجتماعاته تسجل بالصوت والصورة.
وبسبب طول مدة الحرب فقد برز ميل لدى بعض الطلبة لتأجيل دراستهم أو الرسوب المتعمد تجنبا لتخرجهم من الجامعة الذي يعني إلتحاقهم الحتمي بالجيش العراقي لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية ,مما إستدعى قيام الوزارة بتعديل التعليمات الإمتحانية بجعل المدة القصوى للدراسة مرة ونصف عدد سنوات الدراسة الطبيعية بدلا من ضعف المدة المعمول بها سابقا , وإلحاق طلبة الصفوف النهائية بالخدمة العسكرية بصرف النظر عن نتائجهم الإمتحانية , والسماح للراسبين منهم في تلك الصفوف أداء الإمتحانات في السنة اللاحقة وهم في الخدمة العسكرية.
لم تكن إدارة الجامعة في هكذا ظروف بالأمر الهين , إذ تتطلب قدرا عاليا من الحكمة والموازنة الدقيقة بين متناقضات كثيرة , فمن جهة كان مطلوب منها أن تستمر تدريساتها في جميع الظروف والأحوال بصرف النظر لما تتعرض له من خسائر بشرية ومادية, ومن جهة أخرى تتعرض هذه الإدارة إلى ضغوط هائلة من قبل التدريسيين للإنتقال إلى جامعات أخرى أكثرا أمنا وإستقرار. وحيث أنه لا يمكن رفد الجامعة بكوادر تدريسية جديدة نظرا لتوقف برامج البعثات والإجازات الدراسية إلى خارج القطر , المصدر الأساس لتوفير التدريسيين,لذا اعتمدت سياسة نصف الباب المفتوح أي السماح بإنتقال أعداد محدودة سنويا من التدريسيين على وفق مبدأ قدم العمل في الجامعة لتقليل تأثير خسارتهم من جهة , وعدم فقدانهم الأمل وما قد يترتب على ذلك من إحباط لديهم .
ومن مفارقات هذه المرحلة صدور أمر رئاسي في العام 1987 بإلغاء الأقسام الداخلية المخصصة لسكن الطلبة من الذكور والأناث من سكنة المحافظات في جميع جامعات العراق, وبيع محتوياتها . وهو إجراء غريب من نوعه حيث من المعتاد في الجامعات توفير السكن المناسب للطلبة بأجور أو بدونها , حيث أن إلغائها ستترتب عليه مشكلات تربوية وإجتماعية جمة وبخاصة للطالبات لاسيما في ظروف الحرب وعدم إستقرار البلاد.
ورب ضارة نافعة فقد كان قرار إلغاء الأقسام الداخلية حلا لإختناقات جامعة البصرة الحادة بسبب فقدانها لمباني كلياتها في قضاء شط العرب التي تمثل نحو ثلث مجمل مباني الجامعة بسبب تعرضها الشديد للقصف المدفعي الإيراني وإضطرارها لإخلاء الموقع بأكمله ,حيث قامت الجامعة بتحويل الأقسام الملغاة إلى كليات الزراعة والعلوم والآداب والقانون والفنون الجميلة ومركز علوم البحار ومركز الحاسبة الألكترونية ورئاسة الجامعة.ألغي قرار إلغاء الأقسام الداخلية في عقد التسعينيات , مما إضطر الجامعات إستئجار بعض المباني لإسكان طلبتها القادمين من المحافظات الأخرى. كما ألغيت وسائط النقل الجماعي التي كانت متاحة لمنتسبي الجامعة وبيعها دون مبرر .
صدر أمر رئاسي بدمج منظمة الإتحاد الوطني لطلبة العراق بمنظمة شباب العراق, بمنظمة واحدة بإسم طلبة وشباب العراق , وهي بذلك خرجت عن كونها منظمة طلابية معنية بشؤون الطلبة فقط.وصدر أمر رئاسي آخر يقضي بقيام الطلبة بإنتخاب طالب قدوة في كل شعبة دراسية كل عام . يقصد بالطالب القدوة الطالب النموذج في السلوك والتصرف والأداء الدراسي الذي يفترض أن يقتدي به الطلبة الآخرون . كما صدر أمر رئاسي بإلزام كل كلية تخصيص مكان معين مناسب يستطيع فيه كل طالب كتابة ما يشاء في أي موضوع يشاء دون حسيب أو رقيب تحت باب ما أطلق عليه بالجدار الحر, وهو أشبه بالنشرات الجدارية التي كانت سائدة في المدارس لتشجيع الطلبة على الكتابة في المواضيع السياسية المختلفة , مع الفرق الواضح أن على عمادات الكليات ورئاسات الجامعة الرد على كل ما يكتب في الجدار الحر قدر تعلق الأمر بها , ورفع القضايا الأخرى إلى الجهات الأخرى قدر تعلق الأمر بهذه الجهات . ولم يكن لهذه الممارسات قيمة تذكر على صعيد الواقع .
شهدت هذه المرحلة إجراءات أمنية مشددة , حيث منع السفر إلى خارج العراق بإستثناء الإيفادات الرسمية وفق ضوابط أمنية مشددة , حيث كانت تدقق من قبل مسؤول أمن الكلية والجامعة, فضلا عن التنظيمات الحزبية المنتشرة في جميع الكليات داخل الحرم الجامعي.توقفت البعثات والإجازات الدراسية إلى خارج العراق , وتعطلت الكثير من مشاريع الجامعات.وخلاصة القول أن الجامعات لم تعد حرما آمن يحظر فيه حمل السلاح , بل بات حمل السلاح أمر إعتياديا ومنتشرا في أروقة الجامعات لا يثر إهتمام أحد , من منطلق أن للقلم والبندقية فوهة واحدة .
شهدت هذه المرحلة ما أطلق عليه بالثورة الإدارية , تمثلت بتحويل جميع المستخدمين العاملين في دوائرالدولة المختلفة بصرف النظر عن مؤهلاتهم بما فيهم ممن لا يجيدون القراءة والكتابة إلى موظفين , وبذلك إنحسر دور النقابات العمالية, حيث لم يعد لها وجود للعمل في دوائر ومؤسسات الدولية الخدمية والإنتاجية على حد سواء والتي تمثل مجمل النشاط الصناعي والإنتاجي في العراق . كما صدر قرار بتمليك جميع المسؤولين في الدولة بدرجة مدير عام صعودا, سيارات خاصة بأسعار رمزية في حالة إستغنائهم عن السواق الحكوميين,يحق لهم بيعها بعد مضي سنتين على تملكها وتزويدهم بسيارة أخرى. وصدر قرار رئاسي يجيز بيع الدور السكنية المملوكة للدولة وإعطاء أفضلية الشراء لساكينيها,لذا حاول بعض التدريسيين ممارسة الضغط على رئاسة الجامعة لشراء الدور السكنية العائدة ملكيتها للجامعة , دون أن يتمكنوا من تحقيق مبتغاهم , كون أن الغرض من تشييد هذه الدور , هو توفير السكن الموقت للتدريسين الجدد لمساعدتهم بالإستقرار عند إلتحاقهم بالجامعة , فضلا عن إنها مشيدة داخل الحرم الجامعي وليس هناك ما يمنع مالكيها في حالة بيعها إلى مالكين من غير منتسبي الجامعة .
وبعدما توقفت الحرب في الثامن من شهر آب عام 1988 , صدر قرار من ديوان رئاسة الجمهورية يقضي ببيع ممتلكات الجامعة في قضاء شط العرب أنقاضا , أي أن على المشتري هدم هذه المباني ونقل موجوداتها من الطابوق والحديد والأخشاب , وهذا ما تم فعلا حيث أعلنت الجامعة عن بيعها بالمزاد العلني طبقا لقانون بيع ممتلكات الدولة , ليتم شراؤها بثمن بخس من أحد سكنة القضاء . وبذلك فقد أنهي تاريخا حافلا من نشأة الجامعة في قضاء شط العرب , كان لوجودها دورا مهما بتطور القضاء ثقافيا وإجتماعيا وعمرانيا وإقتصاديا , كان يمكن أن يأخذ مدى أبعد لو أعيد إعمارها بدلا من هدمها , أو في الأقل كان الحال أفضل لو أنه أخذ بمقترحي الذي رفعته إلى الوزارة في حينه بتحويل هذه المباني إلى مستشفى بعد ترميمها لخدمة أهالي القضاء الذي يفتقر إلى وجود أي مستشفى فيه على الرغم من كثافته السكانية العالية .
وخلاصة القول أن جامعة البصرة قد عانت كثيرا من جراء الحرب العراقية الإيرانية , حيث قدمت خسائر مادية وبشرية كثيرة , ولم تتوقف التدريسات فيها يوما واحدا على الرغم من فداحة خسائرها , ومما يحز في النفس حقا أن الجامعة وكل العاملين فيها لم ينصفهم أحد إطلاقا, برغم كل الأعباء الجسيمة التي تحملوها طوعا أو كرها , التي أبقت شعلة العلم والنور وهاجة في سماء البصرة الفيحاء طيلة سنوات الحرب العجاف.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World