لغة الحرب ولغة الحوار في الأزمة الليبية

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2022 / 9 / 5

أصبحت الحرب لغة تارة، و الحوار لغة تارة أخرى، وهذا أهم ما يميز الأزمة الليبية، فلا تزال هناك وقائع وأحداث عنيفة ومؤلمة تعصف بليبيا، يحاول من خلالها الليبيون في كل مرة البحث عن منفذ لحلها، فتطرح في كل مرة التساؤلات عن أسباب هذه الأزمة، وكيفية معالجاتها، مما يجعل هذه الأزمة بحاجة لمزيد من البحث والفهم والكشف، وسأحاول في هذه المقالة – قدر ما تسمح به المعلومات - من كشف ذلك الغموض واختراق تلك العتمة الصامتة بموضوعية، ودون تحيز؛ بغية بحث وفهم وكشف طبيعة الأزمة الليبية، خاصة في ظل العملية العسكرية التي جرت يوم 27 أغسطس 2022م، وسأكتفى في هذا السياق بالتنويه لإبراز المحطات التاريخية التي سبقت الفعل العسكري وما بعده؛ بهدف البحث وفهم وكشف أبعاد هذه الأزمة، والمحطات هي :
• في 10 فبراير 2022م، كلف البرلمان الليبي حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، خلفا لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد دبيبة.
• أعلن رئيس الحكومة المكلف من قبل البرلمان فتحي باشاغا بأن حكومته ستكون للجميع وبالجميع دون استثناء، معربا عن ثقته في احترام حكومة الوحدة الوطنية للمبادئ الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة.
• في الوقت نفسه رفض رئيس الحكومة الوطنية عبدالحميد دبيبة تسليم السلطة، مؤكدًا بأن حكومته "مستمرة في عملها إلى حين التسليم إلى سلطة منتخبة".
• في 17 مايو 2022م حاولت حكومة فتحي باشاغا الدخول إلى طرابلس لتسلُّم مقرات الحكومية من حكومة الوحدة الوطنية.
• شهدت العاصمة الليبية طرابلس في نفس اليوم 17 مايو 2022م، أول اشتباكات مسلحة بين الجماعات المسلحة المؤيدة لرئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة من جهة، وأخرى المؤيدة لرئيس الوزراء الجديد فتحي باشاغا من جهة أخرى.
• أسفرت الاشتباكات عن إعادة توزيع التحالفات العسكرية ( وهي تحالفات قد تكون في مضمونها قبلية مناطقية) بين الجماعات المسلحة داخل طرابلس، فضلا عن خروج رئيس الوزراء المكلف من قبل البرلمان فتحي باشاغا من العاصمة.
• أصبحت هناك اتهامات متبادلة بين الجماعات المسلحة داخل العاصمة، مما وضع العاصمة على صفيح ساخن من التوتر، وصار الحديث عن اقتراب حرب ثانية هو الحديث الرئيس في كل المجالس.
• في 27 أغسطس 2022م جرت ثاني اشتباكات مسلحة بين الجماعات المسلحة المؤيدة لرئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، والأخرى المؤيدة لرئيس الوزراء الجديد فتحي باشاغا، أدت إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ داخل العاصمة، وهذه المرة قامت الجماعات مسلحة الداعمة لرئيس الوزراء عبد الحميد الدبيية بالاستيلاء على مقرات تابعة للجماعات المسلحة الداعمة لرئيس الوزراء فتحي باشاغا في طرابلس، وذلك ضمن خطة – حسب اعتقادي - تهدف إلى تجفيف منابع سيطرة الجماعات المسلحة المؤيدة لرئيس الوزراء فتحي باشاغا لسيطرتها على العاصمة.
• لعبت المسيّرات التركية - خلال الحرب الأخيرة – دورًا فعالا في دعم سيطرة حكومة عبدالحميد ديبية على أغلب حدود العاصمة، ومنعت تقدم الجماعات المسلحة الداعمة لرئيس الوزراء فتحي باشاغا من التوغل إلى وسط العاصمة، مما مكن الجماعات المسلحة الداعمة لحكومة عبدالحميد ديبية من الاستفادة من هذا الدعم في زيادة بسط سيطرتها على مقرات ومعسكرات الجماعات المسلحة الأخرى.
• الرئاسة التركية توجه دعوات إلى عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا لزيارة تركيا، وذلك بغية مناقشة تداعيات الحرب.
إن الاسترسال في الحديث عن أهم المحطات التاريخية ما قبل الحرب طرابلس 27 أغسطس 2022م ، وما بعدها وقدرتها على توضيح وفهم وكشف الأزمة الليبية مهما جدا، لكنني رأيت الاكتفاء بهذا القدر، حيث لا يسمح المجال هنا بطرح ومناقشة جميع تلك المحطات التاريخية، عموما يمكن رصد أهم الملاحظات، وهي :
• جل الحكومات المنتخبة من قبل المؤتمر الوطني أو البرلمان أو المعينة من قبل الجماعة الدولية منذ 2011م وحتى الآن لا تزال مرهونة بقاعدة الجماعات المسلحة فقط، وهي التي تحمي بقاءها واستمراها في السلطة، وهذه المعلومة مقتضبة، ولكنها أقرب إلى الواقع المسكوت عنه.
• أننا نعيش في ظل مرحلة تاريخية أدت إلى بروز ظاهرة صعود بعض الشخصيات اتسمت ببساطة الفكر أو اضمحلاله وهذا ما أسماه عالم الاجتماع آلان دونو سيطرة التافهين على مفاصل الدولة. أن ما يدعم وجهة النظر هذه هو ما يلاحظ من سوء أداء الحكومات أزاء الأحداث والوقائع الحاصلة في ليبيا منذ 2011م.
• نود الإشارة إلى كون كلا رئيسي الحكومتين من مدينة مصراتة، وهذه ليست إشارة غامضة، وهذه الإشارة ربما هي التي دفعت البرلمان بالموافقة على حكومة باشاغا دون غيرها، كما أن هذه الإشارة تدفعنا إلى القول بأن عقلاء مدينة مصراتة كان لهم دور في عدم استمرار الحرب داخل العاصمة بين أبناء المدينة الواحدة.
• أدت حرب 17 مايو و27أغسطس 2022م إلى بروز اتساع ظاهرة انقسام القبائل والمناطق والمدن المنتصرة فيما بينها خاصة الجماعات المسلحة التابعة لتلك القبائل والمدن، فمثلا: شهدت مدينة مصراتة إحدى المدن المنتصرة العام 2011م لأول مرة انقسام الجماعات المسلحة التابعة لها بين داعمة لرئيس الوزراء عبد الحميد الدبيية، وأخرى داعمة لرئيس الوزراء فتحي باشاغا، كذلك الأمر بالنسبة لقبيلة الزنتان التي حصل فيها انقسام بين الجماعات المسلحة، والأمر انسحب أيضا على منطقة سوق الجمعة بطرابلس التي شهدت أيضا انقسام بين الجماعات المسلحة التابعة لها.
• التأثير التركي القوى في حرب طرابلس 27 أغسطس 2022م من خلال تمكين حكومة عبدالحميد دبيبة في الاستمرار بحكم طرابلس، كما أصبح هذا الدور يمارس تأثيراً واسعاً وعميقاً على اللاعبين المحليين، وإذا أضفنا إلى كل ما سبق حقيقة أخرى وهي أن الدور الأوروبي – الامريكي الذي لعب دورا مهما في السنوات السابقة من الأزمة الليبية أصبح يواجه العديد من التحديات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة تداعيات حرب أوكرانيا، وبالتالي تغيرت أولوياته بالنسبة إلى الأزمة الليبية.
• وهذا التطور المسكوت عنه في الدور التركي في الأزمة تكشف عنه قدرة تركيا على جمع أطراف النزاع في العاصمة التركية خلال مرحلة ما بعد الحرب، وهذه الجزئية الأخيرة غاية في الأهمية.
إذن على القارئ بعد أن أحاط بهذه الملاحظات السريعة أن يُدرك بأن الأزمة الليبية تعبر في مضمونها عن خلافات حول مسألة السلطة والزعامة واقتسام الغنائم.
إن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا :
ما هي معالم الرؤية المستقبلية للأزمة الليبية في المرحلة القادمة؟
في الحقيقة يمكن بناء عدد من السيناريوهات المستقبلية للأزمة الليبية، وهي على النحو الآتي:
• استمرار حكومة عبدالحميد الدبيبة في السلطة، من خلال استمرارها بالدعم اللامحدود للجماعات المسلحة الداعمة لها، إلا أن هذا السيناريو يفتقر إلى وجود بيئة داخلية داعمة ومساندة لها، حيث تعاني هذه الحكومة من ارتفاع مؤشرات الفساد، فضلا عن وجود رغبة داخلية لإنهاء هذه الحكومة.
• من المرجح أن تمر ليبيا بفترة ليست بالقصيرة من عدم الاستقرار الداخلي نتيجة للصراعات الداخلية على السلطة واقتسام الغنائم، ربما تؤدي إلى دخول حكومة باشاغا طرابلس بموافقة دولية، وهذا السيناريو يعاني من رفض الجماعات المسلحة - والتي أصبحت أكثر قوة ونفوذ- المسيطرة على العاصمة طرابلس لوجود هذه الحكومة.
• كما يوجد أيضًا سيناريو آخر مبني على أنه من الوهم أن نعتقد بأن حل الأزمة الليبية سيكون حلا داخليًا بامتياز، كون الرغبات الدولية أصبحت تُشكل المصدر الرئيس لشرعية أي حكومة في ليبيا، ويقوم هذا السيناريو على وجود دعم ومساندة داخلية ودولية لوجود حكومة ثالثة، وهذا الدعم الدولي ربما سيكون من دولة تركيا على وجه الخصوص، وهذا متأتٍ من كون القواعد العسكرية التركية أثبتت فعاليتها في حرب طرابلس الأخيرة، ومن ثم سيقوم العامل الدولي بتقديم الدعم والمساندة للحكومة الجديدة من خلال الضغط على الأطراف الرافضة أو المترددة في قبولها، كما ربما ستشهد علاقات ما بين الأطراف الليبية المتنازعة في وجود شد وجذب، وهي في الأصل عبارة عن حركة الصراع على السلطة والزعامة واقتسام الغنائم.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World