العَلمَنَة مسار تاريخي، وليست قرارًا إداريًّا.

عزالدين بوغانمي
ezdine9@hotmail.fr

2022 / 8 / 7

تأخّرت في نشر هذه الورقة. ورغم ذلك أنشرها لأن الإضاءة على مسار العَلمَنة، أهمّ من موقفنا من الدستور.

أعدت قراءة الدستور مرّتين. وفي كلّ مرّة أتوقف عند كل فصل لأفهم معناه ومقصده. لست مُختصًّا في القانون. ولا أستطيع الحكم عليه أو له، على غرار ما يفعل الكثيرون. بل سأستمع إلى أهل الاختصاص، حتّى أبني موقفا متينا. وفي انتظار ذلك لي بعض الملاحظات العامة:

أولا: وردت في التّوطئة بعض الأفكار الضعيفة، وبعض العبارات الزائدة، تكاد تكون مجرّد انطباعات ذاتية للسيد الرئيس حول جملة من الوقائع التاريخية، وما كان يجب وضعها في توطئة الدستور.

ثانيا: انعدام صرامة الصّياغة ودقّة اللفظ في بعض الفصول، ممّا جعلها قابلة للتّأويل ونقيضه، وترك المجال للجدل والمخاوف، على غرار الفصل الخامس، وغيره. فمثلا هذا الفصل (الخامس) الذي لا أرى فيه، حسب فهمي، ضربا للدولة المدنية، بقدر ما هو منع للأحزاب الدينية. ولكن يحقّ للآخرين تأويل مضمونه، حسب فهمهم، على أنه تهديد لمدنية الدولة... وقس على ذلك.

الملاحظة الثالثة، لا أفهم دوافع رئيس الجمهورية وراء التخلّي عن نسخة دستور كتبه مختصون، واستبداله بآخر، يتحدث أهل القانون الدستوري عن احتوائه لثغرات وزوائد وشوائب جعلته محل جدل واستنكار.

بقية الملاحظات، أردتها رسالة مني لأصدقائي الحداثيين، الذين لا أشكّ ولو لحظة واحدة في صدق نواياهم، ودفاعهم الشّرس عن قيم التقدّم، والتزامهم الأخلاقي تجاه بلادهم وأجيالها القادمة. والذين أعتبر نفسي منهم، وأقف في صفّهم. وليست لي معركة أخرى ضدّ معركتهم، أو موازية لها. وإنّما أُريد تنبيههم إلى ما يلي:

*) أن مسألة فصل الدين عن الدولة هي مسألة بالغة التعقيد مرتبطة بسياق التحديث الشامل، ولا يمكن عزلها عن تاريخ تطور الدولة والمجتمع معًا. وأنّ عملية فكّ الارتباط بين المجال العام ومعتقدات المجتمع الذي أنتج هذا المجال العام، بطريقة حاسمة وعنيفة، هي عملية محكوم عليها بالفشل. وستؤدّي دائما وأبدا إلى انتكاسات تأخذ بلادنا عكس ما كنّا نريد. وبقطع النظر عن تعدد الاصطلاحات، فمسألة فصل الدين عن الدولة، لم تنجح في أيّ زمن وفي أيّ بلد كقرار إداري مفروض بالأمن والمحاكم. وحين فُرِضت في تركيا عام 1923 على هذا النّحو العنيف، أُجبرت الدّولة على انتهاج حكم العسكر. وشهدت خمسة انقلابات عسكرية، تخللتها اضطرابات سياسية وتوتّرأت أهلية بلغت حروبًا دموية داخلية. وبعد ثمانين سنة من عدم الاستقرار، صعد إلى الحكم حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية، انتقامًا من ذلك القرار الإداري الذي فُرض على الشعب سنة 1923.

*) في المهد الأروبي طُرِحت مسألة فصل الدين عن الدولة ((كمسار)) في سياق التحديث الشامل. بحيث وُلدت العلمانية في البدء كاتّجاه فكري عقلاني نقدي يتعارض مع الجمود العقائدي، وكحركة تعدّدية جامحة، ترفض احتكار الحقيقة، عبّرت في عمقها عن طموح البرجوازية الصّاعدة من رحم المجتمع، وعلى أساس تلك التحوّلات العميقة التي شهدتها أروبا في البُنى الاقتصادية وفي التركيبه الطبقية، وفي الوعي، وفي التصورات وتمثّل العالم. ففي نشأتها الأولى برزت العلمانية كمشروع مناهض لاحتكار الكنيسة للّاهوت وللاجتماع وللسياسة، فكانت ردة فعل تصارع هذه المركزية، وتطالب بالتعددية والتسامح الديني، على أساس ما يسميه إدغار موران ب"استراتيجية المرونة" في مقابل "استراتيجية القسوة". لكن هذا المفهوم الواحد وُلد منذ البداية في نموذجين: علمانية حيادية، وعلمانية انفصالية. أو بأكثر تبسيط: النموذج الأمريكي المتسامح، والنموذج الفرنسي المتشدد. وعلى الرّغم من أن العلمانية هي الأنجع اليوم في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، فإنّ ذلك التناقض بين النموذجين لمفهوم واحد، أفضى إلى وضع على درجة من الإبهام، صرنا فيه، لا نعلم على وجه الدقة ما تشير إليه العلمانية، ممّا يدفع للاعتراف بأن "ثقبًا أسودًا" بات يتوطن هذه الكلمة. فهي ترتكز، من جهة، على الفصل بين الدّين والدولة. ومن جهة أخرى، ترتكز على حماية حرية المعتقد والضمير. يعني تحقق الحرية بات مشروطا بالفصل بين الدين والدولة. غير أن أثناء عملية الفصل هذه، كثيرا ما تتعرض الحرية إلى الانتهاك.

*) العلمانية بهذا المعنى ليست نظريّة علميّة، بل هي حزمة ثقيلة من القيم والثقافة السياسية، وصيرورة من العَلْمَنَة والتحديث تطورت عبر التاريخ، تحتاج النخبة التونسية الحداثية للقيام بعملية مسح تاريخي وفكري ونقدي شاملة، لكي تفهم أنها مسار تاريخي مُعقّد وليست فصلا في دستور. ولكي تنجح في توطينها، ضمن استراتيجية إصلاح وتحديث للدولة، بدل استسهال نقلها منفردة واستيرادها كما تُستورد الآلات الميكانيكية. ولقد شهدت تونس مثال على ذلك، حين تبنت الدولة منع تعدد الزوجات، ومارسته كثورة حقيقية. ولكن لأن مجلة الاحوال الشخصية لم تنتصر ضمن عملية تحديث شاملة، بقيت يتيمة، بحيث لم تكن مسنودة بقيم الحرية السياسية وحرية التنظم وحرية التعبير ومبدأ فصل السلطات وحياد الإدارة والتداول السلمي على الحكم،، ظلّت محميّة بالأمن والمحاكم، وما أن وصل الإسلاميون إلى الحكم حتى عاد المجتمع للحديث عن تعدد الزوجات، والزواج الشرعي، بل شهدنا حالات لتزويج القاصرات، وذلك بسبب ضعف الثقافة الحداثية التي تحصن المجتمع وتمنعه من الانتكاس.

*) في العصر الوسيط بدأت العلاقة بين الكنيسة والكيانات السياسية تتبلور على أنقاض الإمبراطورية الرومانية كعلاقة وحدة وصراع، انتهت إلى صعود الدولة، ومركزة سلطة الملك، وهذه الحادثة تُعتبر أول انتصار للعلمانية، أو أول جولة لها بنهاية العصر الوسيط.
بعد ذلك، استمر الصراع في عصر نهضة الآداب والفنون واللاهوت ومركزية الإنسان. فاضطرت الكنيسة إلى تنازلات كبرى لخلق بيئة ثقافية دنيوية في موضوعاتها وتوجهاتها، حاولت من خلالها التأقلم مع الأوضاع الجديدة.

*) المقصود مما سبق هو أن العلمانية لم تنشأ دفعة واحدة، بل تفتحت من براعم فكرية وعلمية وثقافية، بما في ذلك حركات إصلاحية بروتستانتية مبكرة، انتقدت ثراء الكنيسة وسلطاتها الدنيوية، مقابل قدرتها المزعومة على منح الخلاص للبشر. ثم سيأتي تطور العلم التجريبي وسيتحول العلم، بالتدريج، إلى نمط وعي سائد في فهم الظواهر الطبيعية. وستبدأ جدلية إخضاع العقل لليقين الديني، وإخضاع الدين لليقين العقلي، وسيميل التطوّر الفكري، على نحو بطيء جدا دام أكثر من مئة عام، إلى الصيرورة الثانية، أي إخضاع الدين لليقين العقلي، بسبب استحالة وجود علم يقيني في الإلاهيات.

*) كان المنطلق مع الفلسفة التي أطلق عليها لاحقاً تسمية "الليبيرالية" من افتراض البشر كأفراد لهم الحق بالحياة والحرية والملكية الخاصة عند جون لوك (النصف الثاني من القرن السابع عشر) حيث كان هذا هو التأسيس النظري لحرية الاعتقاد وضرورة التسامح الديني، ولم تُحسم قضية العلمانية في أروبا إلا بصفقة 1905، حين قبلت الكنيسة بأن يكون نفوذها على دولة الفاتيكان حصرا، مقابل ألا تتدخل في بقية الفضاء الأروبي العلماني. ولهذا السبب علينا أن ننتبه أيضا إلى أن العَلْمَنَة ليست موضوعًا فلسفيا، ولا هي مقولة جاهزة وجامدة. بل هي صيرورة تاريخية استمرت قرنين على الأقل، اندلعت بسببها حروب، وتفككت بموجبها دولٌ، وولدت أخرى.

*) لابد من الانتباه إلى أن فصل الدين عن الدولة، لا يعني فصل السياسة عن الأخلاق. ولأن منظومة الأخلاق في بلادنا لها رافعة دينية، يجب بذل جهود ثقافية وتعليمية لتفكيك هذه القضية، بدل إغماض العين عنها، وإغفالها، وعدم الحديث فيها كما لو أنها غير موجودة.

*) العلمانية لا تقصي الدين وإنما تحدد طبيعة علاقاته بالفضاء العام وبالدولة تحديدًا. ومن الخطأ الفادح وضع العلمانية في مقابل الدين أو نقيضًا له.

*) العَلْمَنَة رسخت أكثر في المجتمعات التي كانت أقل عرضة للمخاطر، حيث أتاح الاستقرار عملية بحث هادئة عن المسافات المطلوبة بين الدين والدولة.

*) لأنه من غير المجدي إهمال أهميةَ الدين في حياة الأفراد والمجتمعات، فمن غير المجدي محاولة إقصاء الدين، ويتعين فقط تحديد طبيعة علاقاته بالفضاء العام وبالدولة على وجه الحصر. فما يهم العلمانية باعتبارها منظومة تحديث وضمانة استقرار وتعايش، هو الاعتراض عن أنماط التدين المتطرفة، وليس عن الدين في ذاته. فهي، بهذا المعنى، ليست إلحادًا، وإنما هي كيفية تغيير الواقع، ولا يعنيها في هذا السياق إرضاء هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يشغلها البحث عن المساهمة في إنهاء حالة التفكّك، وغياب الإجماع على الوجهة الوطنية، كهذا الحال الذي تعيشه بلادنا.

*) الإصلاح الديني ليس من مهام العلمانيين، وإنما هو جهد يقوم به المتدينون من داخل الفضاء الديني. ويبدو أن المسلمون يحتاجون إلى ولادة علم كلام حديث، وفقه حديث، لأنّ المسلمون في الشأن الديني اليوم، ليسوا فقهاء ولا أفكار لهم، بل هم مجرّد مُجترّين ونَقَلَة فتاوي فاسدة بالمعنى الزّمني.

*) مواجهة حركات العنف الديني المندمجة بالإرهاب والفساد، لا تتم بالندوات الفكرية والدعوة للإصلاح الديني. بل بالمواجهة المسلحة، وبالمواجهة السياسية وإصلاح الدولة والاقتصاد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World