شوائب ديمقراطية

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 7 / 30

شهد عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تصاعد نفوذ الحركات السياسية التحررية لمعظم الشعوب الآسيوية والأفريقية وبلدان أمريكيا الجنوبية , ونضالها الدؤوب لنيل حرية شعوبها الذي أفضى لتخلصها من نير الإستعمار البريطاني والفرنسي بالدرجة الإولى, والإستعمار الهولندي والبرتغالي والبلجيكي بالدرجة الثانية . وقد تحقق لهذه الدول ذلك ,حيث أصبحت دولا مستقلة من الناحية السياسية , لكنها لم تتخلص تماما من الهيمنة الإقتصادية والثقافية لتلك الدول التي إستعمرتها سنين طويلة , حيث تركت وراءها أرثا ثقافيا ثقيلا لها في تلك البلدان لدرجة أن لغة التعليم والثقافة باتت لديها لغة المستعمرين بدلا من لغاتها الوطنية , بدعاوى زائفة مفادها عدم قدرة تلك اللغات تلبية متطلبات الحضارة الحديثة ومعطيات مستجدات العلوم والتكنولوجيا المتطورة .
وللتخلص من هذه الهيمنة قامت بعض حكومات هذه الدول بتأصيل لغاتها الوطنية في المجال الثقافي بهدف تعزيز هويتها الوطنية , ذلك أن اللغة الوطنية مرتكزها الأساس , ولعل التجربة الجزائرية وحملتها الوطنية للتعريب ونشر اللغة العربية على أوسع نطاق كلغة البلاد الوطنية لتحل تدريجيا بدل اللغة الفرنسية الواسعة الإنتشار في الجزائر خير مثال على ذلك . وهنا لابد من الإشارة لفضل القرآن الكريم بذلك كون اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم وإعتزاز الشعب الجزائري بدينه الإسلامي ساعد بذلك كثيرا .
وفي المجال الإقتصادي قامت الحكومات الوطنية بتأميم المؤسسات الإقتصادية الكبرى التي كانت تتحكم بها الدول الأجنبية , أبرزها قيام الدكتور مصدق بتأميم النفط في إيران عام 1954 الذي أجهضته وكالة المخابرات الأمريكية , وتأميم شركة قناة السويس المصرية من الهيمنة البريطانية والفرنسية عام 1956 , والذي أدى إلى شن عدوان غاشم عليها من هاتين الدولتين وأسرائيل ,والذي بات بالفشل الذريع بسبب تضحيات الشعب المصري ومساندة الإتحاد السوفيتي والدول الصديقة المناهضة للإستعمار يومذاك . وسعت الكثير من الدول الآسيوية والأفريقية المستقلة حديثا , لإشاعة بعض أشكال الفكر الإقتصادي الإشتراكي , وتعزيز علاقاتها بمنظومة الدول الإشتركية التي كان يقودها الإتحاد السوفيتي يومذاك .
يمكن وصف تلك الحقبة التاريخية , بحقبة إزدهار الفكر الإشتركي بشكل أو بآخر, لدرجة أن أحزابا يمينية في بلدان كثيرة أسمت أحزابها أحزابا إشتركية . كان هم الشعوب يومذاك التحرر وتحقيق العدالة الإ جتماعية والتوزيع العادل للثروات وتأمين الحياة الكريمة أكثر من أي شيئ آخر . أما الحديث عن الديمقراطية يومذاك فكان في نظر الكثيرين , ترفا فكريا برجوازيا في غير زمانه ومكانه , الأمر الذي أدى إلى تأسيس نظم سياسية إستبدادية إستمرت في الحكم لعقود طويلة لم تجن منها شعوبها سوى المزيد من الحرمان والفقر والجوع في معظم هذه البلدان .
وفي أعقاب تفكك الإتحاد السوفيتي وإنهيار منظومة الدول الإشتراكية وسقوط حائط برلين وتوحيد الألمانيتين في مطلع عقد التسعينيات من القرن المنصرم , برز ما يعرف بالنظام الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في العالم دون منازع . سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إشاعة مفاهيم خصخصة الإقتصاد في كل بلد, وإعتماد التجارة الحرة بين بلدان متفاوتة في قدراتها الإقتصادية ,لتجعل منها أسواقا رائجة لتصريف فائض إنتاجها , تحت ستارالعولمة في إطار النظام الرأسمالي العالمي الجديد.
أدت جميعها إلى إنحسار الفكر الإشتراكي وتراجعه في معظم دول العالم . وفي المقابل تصاعد نفوذ الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ذات القدرات العلمية والتكنولوجية الهائلة , وهيمنتها شبه التامة على الإقتصاد العالمي بصورة غير مسبوقة , تعززت أكثر بفضل تفوقها العلمي والتكنولوجي وإمتلاكها ترسانة عسكرية هائلة تمكنها من التدخل السريع في أي مكان في العالم . وبرغم هذه القدرة الهائلة فقد واجهت القوى الإستعمارية فشلا ذريعا في أكثر من مكان بفضل التضحيات الهائلة والقيادة الفذة لحكوماتها , أبرزها الأنتصار الرائع للشعب الفيتنامي بوجه المستعمرين الفرنسيين ومن بعدهم الغزاة الأمريكيين , الذي تتوج بتأسيس جمهورية فيتنام الموحدة , وإنتصار الشعب الجزائري ضد الإحتلال الفرنسي الذي دام لإكثر من قرن من الزمان , والذي أفضى لتأسيس الجمهورية الجزائرية , ونجاح الثورة الكوبية على الرغم من جميع محاولات الغزو الأمريكي لأراضيها , وغيرها في أماكن مختلفة في العالم .
وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول عام 1990 التي أدت إلى تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك والتي راح ضحيتها آلاف الناس , تبنت الولايات المتحدة سياسية أكثر عدوانية تجاه بعض الدول منها أفغانستان والعراق وإيران , محملة حكوماتها مسؤولية ما حدث من تفجيرات في نيويورك وغيرها , واصفة أياها بدول محور الشر , وعازمة على غزوها وإحتلاها وتنصيب حكومات موالية لها بدعوى تخليص العالم من شرورها لضمان أمن العالم وإستقراره ,حيث ستجعل منها حكومات ديمقراطية . وكما هو بات معروف للقاصي والداني اليوم ما آل إليه حال أفغانستان والعراق بعد غزوهما وإحتلالهما , وعجز الإدارات الأمريكية المتعاقبة الجمهورية والديمقراطية من التعاطي مع إيران المتهمة بسعيها إمتلاك السلاح النووي الذي يهدد أمن المنطقة والعالم بحسب وجهة النظر الأمريكية , متجاهلة عن عمد إمتلاك إسرائيل الفعلي للسلاح النووي منذ عقود ورفضها التوقيع على معاهدة إنتشار السلاح النووي ورفضها تفتيش مؤسساتها النووية . وإسرائيل كما هو معروف دولة قامت نتيجة الغزو والإستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية وتشريد أهلها , وهي دولة محتلة لمساحات واسعة من الأراضي العربية حتى يومنا هذا , وما زالت تشكل خطرا حقيقيا على أمن المنطقة والعالم بسب إمتلاكها ترسانة عسكرية بما فيها أسلحة نووية وأسلحة دمار شامل, وتحضى بدعم أمريكي وكأنها ولاية أمريكية وربما أكثر من ذللك في إطار سياسة أمريكية معلنة لضمان تفوق إسرائيل على جميع دول المنطقة من منطلق أن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأمريكي, وغير مكترثة لما حل بالشعب الفلسطيني من نكبات وويلات يندى لها جبين الإنسانية وكل المتشدقين بالديمقراطية والمنادين بالعدالة الإنسانية وحقوق الإنسان التي أيسطها تأمين العيش الكريم في وطن آمن.
فعن أية ديمقراطية تتحدث الولايات المتحدة ؟. ديمقراطية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي رفض نتائج إنتخابه لولاية ثانية عام 2020, حيث أوعز لمناصريه بمهاجمة مبنى مجلس الشيوخ الأمريكي. شهدت واشنطن، مواجهات بين قوات الأمن ومحتجين من أنصار ترامب اقتحموا مبنى الكونغرس، أسفرت عن مقتل ( 4 ) أشخاص واعتقال ( 52 )آخرين. نشرت شبكة "سي أن أن" الأمريكية تحقيقا حول محاولة ترامب سرقة الانتخابات التي خسر فيها لصالح المرشح الديمقراطي، جو بايدن. وقال التحقيق إن الرئيس السابق، ودائرته الداخلية، وجميع السلطات في مكتبه شنوا حملة للضغط من أجل سرقة نتائج الانتخابات، بحسب تقرير درو غريفين.
ومن مفارقات الديمقراطية الأوربية , أن بلدانها الأعرق ديمقراطية بريطانيا وفرنسا كانت الأكثر إستعمارا وإستعبادا لشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قرون عديدة مستغلة تفوقها العلمي والتكنولوجي وإمتلاكها أسلحة فتاكة , بل ذهبت أبعد من ذلك بإقتلاعها شعوبا كاملة من جذورها في أوطانها وإحلال مستوطينها , لتصبح تلك الشعوب أثرا بعد عين كما يقال , والإحتفاظ بالعض منها في معازل خاصة بها لتسلية السائحين دون حياء. فهل يا ترى أن الديمقراطية معنية حصرا بشعوب معينة دون سواها ؟ ولهذه الشعوب الحق بفرض إرادتها على الشعوب الأخرى وقهرها بقوة السلاح وسلب روحها وممتلكاتها ؟. ألا تستحق تلك الشعوب إعتذارا من تلك الحكومات الديمقراطية عما إقترفته بلدانها من فضاعات وإنتهاكات بحق تلك الشعوب المظلومة ؟.
عرَّف الرئيس الأمريكي أبراهام لينكون , الديمقراطية بأنها حكم الشعب، من قبل الشعب، ومن أجل الشعب, فهل الديمقراطية كذلك على صعيد الواقع في الولايات المتحدة الأمريكية رائدة الديمقراطية والساعية لتصديرها قسرا إلى الدول الأخرى ؟ . فهل من الديمقراطية مثلا غزو وإحتلال البلدان الأخرى بدون حق ونهب ثرواتها ؟ وهل من الديمقراطية التدخل بشؤون الدول الأخرى وتدبير إنقلابات عسكرية وإغتيال قادة بلدانها بهدف إخضاعها لمشيئة الحكومة الأمريكية وخدمة مصالحها ؟ وهل يعد إبادة ملايين الناس بقنابلها الذرية عملا ديمقراطيا حقا؟. وماذا عن سياسة التمييز العنصري لسنيين طويلة في ظل الديمقراطية داخل الولايات المتحدة ضد ما يطلق عليهم بالمولونين أي المواطنين من أصول غير أوربية , والتي ما زالت تمارس ضدهم حتى يومنا هذا ولو بدرجة أخف وبوسائل مختلفة . وقائمة الشوائب كثيرة في الديمقراطية الغربية بصورة عامة يصعب حصرها بمقال واحد .
وإذا ما تمعنا في الإنتخابات النيابية والرئاسية في الدول الأوربية وبلدان أمريكا الشمالية الديمقراطية , والتي تعد أبرز مظاهرها الديمقراطية حيث يتم التداول السلمي للسطة فيها عبر صناديق الإنتخابات , في إطار عمليات إنتخابية منتظمة تجرى بموجب قانون إنتخابات يحدد مددها وكيفية إجراءها . يلاحظ أن مشاركة من يحق لهم التصويت في هذه الإنتخابات لا تتجاوز نسبة (50%) في أحسن الأحوال , أي أن نسبة كبيرة من الشعب غير معنية بهذه الإنتخابات وغير مكترثة بمن سيمثلها. ولو تفحصنا نسبة الحزب الفائز بالإنتخابات , لوجدنا أنها في الغالب لا تتجاوز نسبة (50%) من إجمالي عدد المقترعين , أي أصوات المقترعين للنواب الخاسرين ذهبت سدى دون أن يمثلها أحد , وهو ما يجري فعلا في أكثر البلدان الديمقراطية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية كمما حصل بفوز دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلين كلنتون الحاصلة على أعلى الأصوات الشعبية , لكن نظام الإنتخابات الأمريكية يعتند طريقة حساب مختلفة بحسب ثقل الولايات . أي الفائز في أحسن التقديرات لا يمثل إرادة الشعب الحقيقية بموجب هذه النتائج .
أي أن نتائج الإنتخابات تعتمد على كيفية حسابها بموجب النظام الإنتخابي المعتمد , فنظام الترشيح الفردي في دوائر إنتخابية متعددة الذي يعتبر فيه من يحصل على أكبر عدد من الأصوات فائزا في دائرته الانتخابية حتى وإن لم يحصل على أكثر من نصف أصوات الناخبين ,وتهمل فيه أصوات الخاسرين , بينما قد يفضي نظام التمثيل النسبي في الدائرة الإنتخابية الواحدة الذي يحسب فيه كل صوت إنتخابي , عن نتائج مختلفة عن نتائج نظام الدائرة الإنتخابية الواحدة . وهذا ما حصل تماما بفوز الكتلة الصدرية بأغلبية كبيرة في الإنتخابات العراقية الأخيرة بوصفها الكتلة البرلمانية الأكبر.
وتزداد الشوائب الديمقراطية في بلدان العالم الثالث , حيث يعاني الكثير منها من هشاشة بنيته السياسية والإدارية ومداخلات الدول الأخرى الساعية لبسط نفوذها وهمينتها على مقدراته , فضلا عن قلة الوعي وإرتفاع معدلات البطالة والفقر والجهل والنفوذ القبلي والعشائري والديني التي جميعها تحد من إختيارات الناخب وحريته ,وتلزمه بما تمليه عليه تلك الإعتبارات أكثر من أي شيئ آخر , هذا إذا إفترضنا صحة الإنتخابات ونزاهتها وهي أمور يصعب تحقيقها في هكذا بيئات متخلفة .
فهل يعني هذا الكف عن المطالبة بالديمقراطية كنظام سياسي ؟ الجوب لا, بل العمل على نشر ثقافة ديمقراطية بدءا بالعائلة والمدرسة والمعهد والكلية والمؤسسات كافة وصولا إلى المحتمع يأسره . وهذه مهمة ليست هينة ولكنها ليست مستحيلة أيضا إذا ما نضافرت جهود الخيرين من قادة الرأي والمثقفين ورجال الفكر والمتدينين المتنورين المؤمنين بالديمقراطية قولا وفكرا , بعيدا عن مداخلات الدول الإقليمية والدولية تحت أي غطاء . وأخيرا نقول أن الديمقراطية ليست سلعة تصدر من أحد أو بضاعة تباع وتشترى , إنما غرس يجب أن يغرس في بيئة صالحة ورعاية سليمة . ويتوهم كثيرا من يعتقد أن الديمقراطية هي العصا السحرية التي ستحل مشاكل البلاد والعباد , إنما نظام سياسي قد يفضي إلى الأمن والإستقرا إذا ما أحسن التعامل به.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World