بوادر الفكر الفلسفي

سعود سالم
Saoudsalem@sfr.fr

2022 / 6 / 27

أركيولوجيا العدم
العودة المحزنة لبلاد اليونان
٣ - ميلاد الفلسفة


غير أن الإرهاصات الفلسفية الأولى، وإن لم تكن تسمى بهذا الإسم أول الأمر، لم تظهر وتتبلور في اليونان الحالية، وإنما في إحدى المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى، وبالذات في مدينة ميليته Milet أو ميليتوس Μίλητος - Mílêtos باليونانية القديمة، هذه المدينة التي شهدت ظهور البوادر الأولى للفلسفة حسب ما اتفق عليه أغلب مؤرخي التاريخ الفكري لليونان القديمة، تقع في الجنوب الغربي من تركيا الحالية، على سواحل بحر إيجه وعلى بعد عدة كيلومترات من مدينة "بالات Balat " وهي منطقة أيونيا في ذلك الوقت البعيد ومستعمرة تابعة لبلاد اليونان. وهي مدينة أسسها الكريتيون في القرن التاسع قبل الميلاد، والبعض يقول أنها تأسست قبل ذلك بقرنين أي في بداية القرن الحادي عشر قبل الميلاد - في حدود 1085. ومنذ القرن الثامن قبل الميلاد، أصبحت من أقوى الجمهوريات البحرية التي سيطرت على السواحل الأسيوية لبحر إيجة، ثم أمتد نفوذها تدريجيا إلى السواحل الغربية للبحر الأبيض المتوسط وكونوا مستعمرات متعددة، حوالي سبعين مستعمرة أغلبها على سواحل البحر الأسود، كما كونوا عدة مستعمرات مهمة في مصر. وفي سنة ٣٣٤، قبل الميلاد حاصرها أسطول الإسكندر المقدوني Alexandre، ثم أستولى عليها في حملته وقضى على تأثيرها ووجودها نهائيا.
وفي بداية القرن السادس قبل الميلاد، تكونت في هذه المدينةحركة ثقافية وفكرية نشطة، ثرية ومتنوعة وذات بعد جديد. أرتبطت هذه الحركة بأسماء عديدة منها على سبيل المثال : Thalès طاليس - 634-546 قبل الميلاد - عالم الرياضيات، وأحد حكماء اليونان السبعة والذي يعتبره العديد من المؤرخين كأول فيلسوف يوناني، ثم Anaximandre أناكسيماندر 610 - 547، ثم المؤرخ آريستيد Aristide مؤلف كتاب شيق يسمى Milésiaques، وهو مجموعة من الحكايات والقصص الإباحية أو الإيروتيكية، والتي كانت النموذج الذي بنى عليه الكاتب الأمازيغي اللاتيني أبوليوس Apuleius كتابه " التحولات - Metamorphoses" والمعروف بإسم "الحمار الذهبي - The Golden Ass. وهناك العديد من الأسماء الأخرى والشخصيات التي أشتغلت بالتاريخ والجغرافيا والرياضيات والعلوم الطبيعية. وفي خضم هذه الحركة الثقافية الغنية تبلورت تدريجيا البحوث والتجارب الفكرية التي أدت إلى ظهور ما سمي فيما بعد بالفلسفة.
يبدو أن بيتاغور(٥٨٠٤٩٠ ق.م )هو أول من إعتبر نفسه فيلسوفا بطريقة رسمية عندما سأله الطاغية ليون Léon، والذي أدهشه علمه الغزير وفصاحته عن إسم العلم أو الحرفة التي يمارسها، فأجابه بدون تردد بأنه يمارس حرفة الفلسفة، وازدادت حيرة ليون لأنه لم يكن يعرف هذه الكلمة الجديدة، مما أضطر بيتاغور أن يشرح معنى الحكمة وحب الحكمة، وهذا لا يعني حسب قوله بأنه يملك الحكمة، ولكنه يجتهد ليتجه نجوها، مضيفا في نهاية الحوار "لا يوجد حكيم إلا الله". ونرى بوضوح في هذه الجملة الأخيرة أن الحكماء والفلاسفة والشعراء في ذلك الوقت، وربما في كل الأوقات، كانوا يتخذون إحتياطاتهم القصوى فيما يقولونه حتى لا يستفزوا الآلهة والنظام الديني المسيطر على المجتمع، رغم سيطرة العقل والمنطق على الفكر العملي. ذلك أن المثقف اليوناني لم يصل بعد إلى مرحلة منافسة الآلهة في مهامهم الروحية الخاصة والرسمية. إضطهاد الفلاسفة وإتهامهم بالكفر والزندقة وإفساد عقول الشباب كان شائعا في العديد من المدن اليونانية في ذلك الوقت، وقد دفع سقراط حياته ثمنا لمثل هذه الإتهامات.
كان إهتمام هؤلاء الفلاسفة الأوائل في بداية الأمر منصبا على الطبيعة، وكانت نظرتهم تتجه إلى الخارج وإلى ما يحيط بهم، يبحثون عن أصول الأشياء وما وراء الظواهر، ومحاولة إكتشاف القوانين والقواعد التي تسيّر العالم وكذلك البحث عن الأسباب الأولية لكل ظاهرة. كان الهدف الأساسي لهذه البحوث هو الوصول إلى تفسير العالم المحسوس والظواهر والأحداث بواسطة السبب أو المبدأ الأول الذي يمكن أن ترجع له كل الظواهر. ولا ننسى أنه في ذلك الوقت، كان هؤلاء العلماء الطبيعيون على إتصال وثيق بالثقافات المصرية والهندية والفارسية، وفيما بعد بالإسكندرية التي أسسها الإسكندر سنة 331 ق.م، بعد تحطيمه لمدينة ميليته اليونانية التي شهدت هذا الزخم الفكري قبل أن ينقض عليها العسكر. وتقول بعض الأساطير المنسوبة للمؤرخين الكلاسيكيين أن الإسكندر الكبير وجد في قصر الملك الفارسي داريوس الثالث، صندوق مجوهراتٍ مرصّعٍ متوسط الحجم، فاحتفظ به كغنيمة حربٍ ووضع بداخله أعمال هوميروس التي كانت من أغلى ما يمتلك.
لقد أكدنا سابقا أن الفلسفة وظهورها في منطقة جغرافية معينه، لا يعطيها بالضرورة هوية هذه المنطقة، وكما أكد هيجل، ليست المناطق الجغرافية التي تصنع الفكر، وإنما سكان هذه المناطق. الفلسفة ظهرت جغرافيا في تركيا الحالية، ولكن من قبل يونانيون وباللغة اليونانية، وهذا يؤكد نظرية هايدغر وبدوي السابقة الذكر والتي سنعالجها لاحقا ..

يتبع



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World