من وحي نضالات الحركة الطلاّبيّة: حصاد المطر أم حصاد النّضال؟

إبراهيم العثماني
othmanibrahim854@gmail.com

2022 / 6 / 24

مـــــــــــــــقدّمة:

يلاحظ المطّلع على النّصوص القصصيّة الّتي تنشرها "صوت الشّعب" لسان حال حزب العمال الشيوعي التونسي من حين لآخر أنّها نصوص تعكس تجربة السّجن الّتي عاشها جمع من المناضلين وتجربة النّضال الّتي انخرط فيها الشّباب الطّالبي في الجامعة. وفي كلتا الحالتين بدت هذه النّصوص مسيّسة ذات خلفيّة إيديولوجيّة واضحة المعالم تدين واقع القمع والعسف والغطرسة، وتنشد عالم الحرية والعدالة، وتنسج على منوال الكتابات الواقعيّة شرقا وغربا لكنّها تتفرّد بمقوّمات تميّزها عن غيرها من الكتابات وتؤصّلها في الواقع الرّاهن.
وقد بدأ تواتر هذه النّصوص يشكّل متنا قصصيّا يشقّ طريقه تدريجيّا ويرسم ملامحه شيئا فشيئا، ويتّسم بخصائص تكون عادة ملازمة لتيّار القصّة الواقعي ورافدة للنّضال الاجتماعي والسّياسي. وقد يفرز هذا التّراكم الكمّي تيّارا قصصيّا مستقلاّ بذاته ينضاف إلى التيّارات الموجودة ويغني السّاحة الأدبيّة.
وقصّة "حصاد المطر" الصّادرة ب"صوت الشّعب" عدد 283/ سبتمبر2010 تنحو هذا المنحى، وقد خصصناها بهذه الدّراسة الّتي نُشرت بجريدة "صوت الشّعب " عدد 287/ فيفري 2011 تحت اسم مستعار( أبو العلاء بن نصّر). وسنركّز في دراستنا لها على عناصر الطّرافة التي ميّزتها.

1 – مرجعــــــــــــيّة القصــــــّة:

إنّ الواقع هو المَعين الّذي يستمدّ منه الرّوائي مادّته الرّوائيّة ويصوغ منه عالمه التّخييلي. فالواقع لايمكن الاستغناء عنه حتّى وإن انعزل القاصّ أو الرّوائي انعزالا كليّا عن العالم الخارجي. فهو حاضر بشكل أو بآخر ينطلق منه الكاتب ليصوغه صياغة جديدة ويعبّر من خلاله عن جملة من القيم والمبادئ ويتوق إلى عالم أفضل. وقد اتّكأت آرام (قد يكون الاسم مستعارا) صاحبة قصّة " حصاد المطر" على واقع الطّلبة في الجامعة المتميّز بثرائه وتنوّعه وتعدّد مكوّناته. فالجامعة رمز الرّفض و التّمرّد والتّحرّر وبناء الشّخصيّة. فيها يثور الطّلبة على كلّ المكبّلات الفكريّة والاجتماعيّة والقيم المتوارثة والعادات البالية، وفيها يسعون إلى نحت شخصيّة جديدة أكثر تحرّرا وتقبّلا للأفكار الثّوريّة.
وقد صوّرت آرام، من خلال هذه القصّة، ظاهرة القمع المستشري في الجامعة، ومطاردة السّلطة الحاكمة كلّ معارض لها، ومقاومتها الطّلبة المناهضين لسياستها واستغلالها فترة الامتحان لإلقاء القبض على العناصر الطلابيّة النّاشطة. إلاّ أنّ الطّالب نضال بدا شجاعا وغير مبال بمحاصرة الأمن السياسي الكلية رغم تحذير رفيقته له، ومتحدّيا له رغم علمه بأنه ينتظره. لذا أُلقي عليه القبض ما إن دخل إلى الكليّة. وهكذا قابل نضال القمع المادي بالتّحدّي المعنوي، وكثرة العدد بالعزيمة الفولاذيّة، وتحذير رفيقته بإصراره على تنفيذ ما خطّط له وأكّد أنّه يستهين بالبوليس السّياسي ويستخفّ بغطرسته. ولم يكن إلقاء القبض عليه علامة من علامات التهوّر والتّباهي بقوّته بل كان إيمانا منه بأنّ المناضل مطالب بمواجهة الواقع بكلّ جرأة وتحمّل مسؤوليّاته بدون تردّد. وقد كان لنضال، أثناء لحظات الشدّة، رفيقة تشدّ أزره.

2 – بطــــــــــلة القصــــــــّة:

هي طالبة لا تحمل اسما ولا لقبا.فهي إذن رمز إلى كلّ طالبة مناضلة، رمز غير مقيّد بمكان وزمان محدّدين بدقّة. ومن خلال مرافقة الرّاوي لها في حلّها وترحالها وتتبّع خطواتها ورصد حركاتها وسكناتها وكشفه ما تبطن وما يعتمل في نفسها تجلّت لنا ملامح شخصيّتها وسمات نفسيّتها:

أ – تأثير الجامعة في شخصيّة الطّالبة:

كان للجامعة أثر في تطوير تفكيرها وتغيير سلوكها. فقد أضحت فتاة متحرّرة دون تهوّر، ومتجاوزة نواميس المجتمع دون تصادم، ورافضة ضوابطه دون استهتار. فهي تقيم في غرفة واحدة مع نضال رفيق دربها يجمعهما النّضال والمبادئ والحبّ دون الإحساس بأيّ حرج. ومن ثمّ لم تعد هذه الطّالبة جنوبيّة المنشإ رمز المحافظة وسلفيّة التّفكير والانطواء على النّفس والخشية من الاختلاط بل تجاوزت الاختلاط إلى معاشرة رفيقها وإعلان حبّها له على رؤوس الملإ. ومن أمارات حبّها لرفيقها رسم قبلة على شفته وهي تودّعه في الصّباح متّجهة إلى الكلية تحت رذاذ المطر.

ب – علاقة الطّالبة بالمطر:

هي طالبة متعطّشة إلى الارتواء وإطفاء لهيب ظمإ لا يرتوي، وعطشها هذا أفرزته عوامل مناخيّة واجتماعيّة ونفسيّة. فهي فتاة متحدّرة من الجنوب موطن الصّحراء ورمز الجفاف والجدب والقحط. لذا هي في شوق دائم إلى الارتواء الّذي حُرمت منه لمّا كانت تقيم في الجنوب. وقد تلقّفت نزول الأمطار بلهفة شديدة لتستمتع بقطراتها وتنتشي بصوتها العذب بل إنّ المطر ارتقى إلى مصاف الحبيب وأصبحت علاقة الطّالبة به علاقة عاشقة بمعشوق. فقطراته رقيقة كغزل الحبيب مثيرة للنّشوة كهمسه، باعثة للانشراح في النّفس كمداعبته. وأكثر من ذلك تحرّك هذه القطرات سواكن الطّالبة وتنقلها إلى عالم الطّفولة والطّهر والبراءة، عوالم اللّهو والمرح والسّعادة الّتي لاحدّ لها. وهكذا يصبح للمطر مفعول سحري وقدرة خارقة للمعتاد.
وللمطر دور آخر تكشفه الطالبة دون لبس

ج – سيطرة الرّؤية الذّاتية على تفكير الطّالبة:

تغيّر كلّ شيء في هذا الصّباح واكتسبت الأشياء دلالة جديدة عند الطّالبة وأصبحت تنظر إليها من خلال نفسيّتها الحزينة. تقول:"لم كلّ شيء في حالة حداد هذا الصّباح؟ الشّوارع، السّماء وحتّى الكلية؟ أم تراها هي وحدها من تشعر بذلك؟"
بدا كلّ شيء حزينا في حالة حداد وكأنّ العالم ودّع شخصا عزيزا عليه. هكذا فقدت الطالبة القدرة على التّمييز بين الأشياء وارتبكت رؤيتها وأصبحت رؤية ضبابيّة وهذا دليل على سيطرة الانفعال عليها وعدم التحكّم في مشاعرها، ولعلّ ذلك يعود إلى تفاعل المطر مع الصّدمة الّتي عاشتها والمترتبة على مفعول الأحداث التي جدّت في الكلية. وقد تجلّى هذا الارتباك في قاعة الامتحان.

د- لحظة الارتباك في الكليّة:

الامتحان لحظة قلق يعيشها الممتحن أثناء إجراء الاختبار، والنّجاح فيه لا يتوقّف على استعراض المعلومات وكتابة الفقرات فقط بل يقتضي الاستعداد النّفسي لتجاوز تلك اللّحظة. وقد بدت هذه الطّالبة مرتبكة غير قادرة على السّيطرة على نفسها، غاب عنها التّركيز منذ أن تسلّمت الورقة وشرد ذهنها وهربت الحروف من أمام عينيها كما يهرب المتظاهرون من البوليس وتفرّقت تارة وتجمّعت طورا. وهكذا تداخلت المشاهد وانتصب شبح البوليس أمام عينيها في لحظة تحتاج فيها إلى أقصى درجات التّركيز. وقد تُوّجت لحظة الارتباك هذه بخروج الطّالبة من قاعة الامتحان منكسرة خائبة لا تدرك كنه ما كتبت على ورقة الامتحان ساعية إلى إعلام رفيق دربها بما ينتظره.

ه – الطّالبة في الشّارع:

نقل السّرد ما عاشته الكلية في الأيّام الأخيرة وما لاحظته الطالبة أثناء خروجها وكشف ما كانت تبطن. فقد أكّد الرّاوي أنّ البوليس السّياسي شنّ حملة شرسة على الطّلبة واعتقل عددا كبيرا من المناضلين ظلّ مصيرهم مجهولا. أمّا الكلية فقد استحالت سجنا وعاشت وضعا استثنائيّا حيث أوصدت أبوابها وملئت ساحاتها بأناس غرباء انتقت الطّالبة، لوصفهم، لغة تترجم نقمتها عليهم وكراهيتها لهم، لغة تشنّع عليهم وتجرّدهم من صفتهم الإنسانيّة وتضعهم في خانة الحيوانات. تقول:"نظراتهم غريبة فيها لؤم وشرّ عظيمان، إنّهم هم كلاب الدّم"
وفي الشّارع كانت الطّالبة تسير خائفة تلتفت ذات اليمين وذات الشّمال ترغب في مهاتفة رفيقها وتحذيره من الذّهاب إلى الكلية حتّى لا يعتقله البوليس السّياسي. لذا كانت متلهّفة إلى مخاطبته وسماع صوته وتقديم النّصيحة له. وقد عاشت مرّة أخرى لحظة ارتباك لمّا هاتفت نضال فلم يجبها. لذا ركّز السّرد على الأحاسيس الغريبة الّتي تملّكتها والهواجس الّتي انتابتها. فقد استبدّ بها الخوف وخارت قواها وأخذها دوار وراحت تشجّع نفسها لتتجاوز لحظة الضّعف الّتي عاشتها.
وكشف الحوار الّذي دار بينها وبين نضال وجها آخر من وجوه هذه الشّخصيّة، وجه الفتاة الرّقيقة الّتي تخشى أن يعتقل البوليس رفيقها ويبعده عنها ويحرمها من حنانه مدّة زمنيّة معيّنة. ومن ثمّ نتبيّن أنّ هذه الطالبة تعيش مفارقة عجيبة غريبة. فبقدر ما تنخرط في النّضال لا ترتضي اعتقال رفيق دربها وكأنّ طريق النّضال مفروشة بالورود، وبقدر ما تبدو مناضلة جريئة تبدو مشدودة إلى شريحة القتيات الّتي لم تتخلّص نهائيّا من جبنها. فهي تجسّد، في آخر المطاف، صورة الفتاة الشّرقيّة الّتي تكبّلها رواسب ثقافيّة وتربويّة تمنعها من التّحرّر النّهائي من كلّ المكبّلات رغم تخلّصها من عديد المعوقات.
ولمّا عادت إلى الكليّة كانت شاهدة على اعتقال رفيقها نضال فكشف هذا الاعتقال ملمحا آخر من ملامح شخصيّتها.

و – صورة الطالبة أثناء اعتقال نضال:

بدت صورة الطالبة في آخر القصّة صورة الفتاة الّتي صدمت بما حدث. فلمّا اُعتقل نضال تسمّرت في مكانها وعجزت عن السبّ والشّتم والصّراخ في وجوه "الكلاب" ولم تتمكّن من تخليصه من البوليس. وهكذا بدت ضعيفة مستسلمة أمام عسف قوات الأمن.
قدّمت هذه الأقصوصة صورة لفتاة مناضلة تعيش حالات نفسيّة متناقضة أحيانا ولا تستقرّ على حال ووظّفت المطر لأداء أكثر من دور.

3 – رمـــــــــزيّــة المــــــــــطر:

المطر له أهميّة لا حدّ لها في عقليّة الشّعوب البدائيّة، وفي واقع الفلاّحين قديما وحديثا وعند الشّعراء والكتّاب. فقد اكتسب المطر عند جميع هؤلاء دلالات شتّى ووظّف في مجالات مختلفة. وقد أكّد خليل أحمد خليل أنّ العرب يحتفون بعلاقة الأرض بالسّماء وكواكبها عبر المطر وأنّ المطر يلعب، في المجتمع الزّراعي، دورا حياتيّا بالنّسبة إلى المزروعات والفلاحين حتّى نشأت حوله أساطير ( انظر خليل أحمد خليل: مضمون الأسطورة في الفكر العربي ص41 وص52). كما أن بعض الدّراسات ركّزت على الماء. فقد أكّد أحمد الطبال أنّ "الماء هو الشكل الأوّلي للتّجلّي، وهو مصدر الحياة ورمز الحياة والخصب والطّهارة والجذب الجنسي والتّجدّد الجسدي والرّوحي والحكمة والمعرفة والخلود" ( الماء في رمزيته الأسطورية والدّينية –مجلّة"الفكر العربي المعاصر" آذار- نيسان عدد 25 /1983 ص142).
ورمز الماء عند السياب في "أنشودة المطر" إلى الخصب والرّجاء والتّجديد والتّطوّر والأمل. وهكذا تعدّدت دلالات المطر حسب السّياقات وتواتر حضوره في المدوّنة الشّعرية العربية والقصصيّة على حدّ سّواء. فإلام يرمز المطر في هذه القصّة؟
حُمّل المطر أكثر من معنى في هذه القصّة:

أ‌- المطر رمز المحبّة:

يؤكّد الرّاوي أنّ علاقة البطلة بالمطر علاقة اتّصال قوامها المحبّة الدّائمة والممتدّة من الماضي إلى الحاضر. ولعلّ مردّ هذا العشق إلى حرمان الطالبة من متعة المطر لأنّها كانت تعيش في مدينة صحراوية.

ب‌- المطر مصدر النّشوة:


"قد يكون الماء رمزا للجاذبية الجنسيّة كما يُستخلص من قصّة سومريّة" هكذا يؤكّد أحمد الطبال في المقال الّذي وقعت الإشارة إليه. وقد وجدنا في هذه القصّة تأكيدا صريحا لدور المطر في إثارة النّشوة لدى هذه البطلة. ولعلّ ذلك يعود إلى الجدب الجنسي والفراغ العاطفي. يقول الرّاوي: "لا شيء كان يبعث فيها النّشوة والانشراح كتلك القطرات المنسكبة من السّماء..".

ج- المطر والمفعول السّحري:

اكتسب المطر مفعولا سحريّا وقدرة على تجاوز العادي وأضحى بإمكانه اختزال الزّمن ومسخ الطّالبة وتحويلها إلى فتاة صغيرة سعيدة تنعم بطفولتها الدفينة الخالية من الهموم اليومية ومآسي الحياة، كما أنّ المطر أصبح قادرا على العبث بهذه الفتاة وتغيير حالتها. يقول الرّاوي:"رفعت رأسها فركت عينيها وعادت لورقتها بذهن شارد. لعلّه المطر من فعل بها هذا".
تلك هي تجلّيات دلالات المطر وقد يقودنا تعميق النّظر إلى استنتاجات أخرى.

4- حصــــــــاد المـــــــــطر أم حصــــاد النّضـــــال ؟

لئن وسمت القاصّة قصّتها ب"حصاد المطر" فإنّ مادّتها الحكائيّة، هي في الحقيقة، إفراز لنضالات الطلبة ومقاومتهم عسف السّلطة الحاكمة وتصدّيهم للحصار الأمني الّذي يضيّق عليهم الخناق ويحرمهم من النّشاط النّقابي والسّياسي في الجامعة بكلّ حرّية. ومن ثمّ تسهم هذه القصّة في تسجيل جانب من حياة الطّلبة. فالنّضال يكمل الدّراسة ويغني زاد الطّالب ويطلعه على مجالات معرفية لا تتيحها له البرامج الرّسميّة. وهكذا يتفاعل حصاد المطر مع حصاد النّضال فتكون النتيجة هذه القصّة.

خــــــــاتمـــــــــة:

قد لا نجانب الحقيقة إنّ قلنا إنّ هذه القصّة تتراوح بين الرّمز والمباشرة، وإنّها تقترب أحيانا من الخاطرة الّتي تفتقر إلى الإيحاء وتخلو من المحسّنات البديعيّة. ولكنّ الشيء الثّابت هو أنّ هذه الكاتبة قادرة على التّطوّر وتجويد أساليب الكتابة وصياغة كون حكائي يشدّ القارئ إليه شدّا والدّليل على ذلك هو تقديم الكاتبة بطلة لها أكثر من وجه واستعمال لغة تبدو شاعرية أحيانا.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World