سورة الطيران

إبراهيم رمزي
brahim_ramzi@hotmail.fr

2022 / 5 / 30

كانت الليلة حاميةً .. الآنفاسُ متعبَة ومرهقَة بفعل الحرارة .. سرَتْ في جسده بعضُ رطوبة عشب الحديقة لمّا تمدّد عليه .. وغفا ‏حتى نبّهَه صوتُ طائرة مدنيّة تمخر الأعالي .. أضواؤها تتلألأ وهي تتأهب للنزول في المطار القريب .. تابعها ببصره .. ‏واستحضر جيش المهندسيين والتقنيين والخبراء والعمال الذين وقفوا وراء صنعها .. طائرة بها الآن طاقمٌ متعدد الأفراد .. أنفقوا ‏الأيام الطوال في الدرس، والتحصيل، وتكوين التجربة، وتنمية الذكاء، .. حتى حصلتْ لديهم الكفاءةُ اللازمة لاستئمانهم على ‏سلامة الطائرة وأرواح المسافرين ..‏
‏(على قدر أهل العزم تأتي العزائم)، فتتلوّن الحياةُ بأقواس قزح، أو تغرق في الحلكة التي يعتبرونها "نورا"، قياسا على تحريف ‏تسمية الأعمى بالبصير، والملسوع بالسليم، والمقبرة بالروضة. ثم تقدَّم الأكذوبةُ المجَمَّلَةُ "قَرْمَلةً" ضاربةً بجذورها في أعماق ‏الأرض.‏
لو أن عصفورا سأل الربان عن ترتيلة الطيران، لتبسم ضاحكا من قوله، وقال: لو سألت هُدهدا عنها لأنبأك قبل أن يرتد إليك ‏طرفك. وما دمتَ غير منخرط ـ كمنتج ومساهم ـ في اختراعات عصرك، فلا تسأل عن أشياء سيؤدي ـ بِك ـ إيضاحُها إلى: ‏الإحساس بتفاهة وجودك، ووضاعة حياتك المفخخة بالانحطاط والقهر والعجز والتخلف والتبعية .. إن كنتَ تعقِل. وما يتأسّى إلا ‏ذوو الألباب.‏
حاول العودة إلى الإغفاء، لكنه فشل .. يا للّعْنة!!..، زمجر مشتكياً: ما لِفشلنا يتراكم ويتسيّد ونحن في الجبّ قابعون.. راتعون..؟ ‏طيورنا تهجر مرابعنا وترحل .. إلى حيث ذاك الطفل ـ الذي لم يتوسّط عَقْده الثاني ـ يلتحق بالدراسة الجامعية والبحث العلمي.‏
ولا يتبارَزُ بيننا إلا منبهِرٌ مفاخِرٌ بصبيّ ـ ربما أصغر من ندّه ذاك ـ ، يصوم يوما بأتمّه لأول مرة في حياته. أو يتبجّح بآخر ‏اخترق حاجز الببغاوية متزحلقا على أمواج "كلام"، دون إتقان السباحة في معانيه ومغلقاته.‏
كل بما لديهم فرحون. ولن تتأتّى المقارنة بين الباحث التجريبي، وبين من توارى خلف غمّامات* يقدّس أسفارا ويَلُوك تعاويذ لا ‏يَفْقه كُنْهها؟


‏21/05/2022‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏* حواجز جلدية صغيرة تثبت قرب عيون الخيول أو البغال، تحجب عنها الجانبين، فلا ترى إلا ما أمامها. دارجيا: "ضَرّاگات"‏



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World