نادي السيلما

مختار سعد شحاته
mukhtarshehata@hotmail.com

2022 / 5 / 24

نادي "السيلما"

قرأتَ العنوان صحيحًا كما كُتب عزيزي القاريء، فلم أخلط بين النون والياء في السينما والسيلما، فالفرق بينهما كاشف لأمر من الخطورة جدته، وأدوات هذا الخلط بسيطة للغاية، لكنها في ظني مدمرة الأثر، وذلك حين نكتشف بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، تلك الموجة من صناعة المحتوى، والتي صارت موجًا هادرًا، يغرق منصات التواصل الاجتماعي بعشرات الآلاف من فيديوهات يتمُ بثَّها بشكل منتظم على تلك المنصات، صارت تقدم ما يسميه بعض صناعها "سيلما هادفة" أو فيديوهات هادفة، دون أن ينتبه صناعها حتى لصياغة المحتوى الركيك لما يقدمونه، ودون التعب على تقديم محتوى جاد وهادف بالفعل إن جاز ذلك كما يدعون، وهنا لا أسخر من لغة هؤلاء لكن أتعجب من انتشارها!
اللغة هوية:
أعترف بحب اللغة ورصانتها باعتبارها سمة من أهم وأنصع سمات الهوية ومحدداتها، وأؤمن في قرارة نفسي بأن لغتنا العربية واحدة من اللغات التي لها خصوصيتها وتميزها، رغم صعوبتها في التعلم لغير الناطقين بها، إذ تتميز ببعض السمات الفريدة لعل أبسطها هو حرف الضاد، لذلك نُسبت إليه، وهي للحقيقة ليست جامدة ولا يابسة، إنما هي لغة ثرية على مر الزمان ومنذ نشأتها، وكما قال عميد الأدب العربي طه حُسين في مقولته المشهورة، "لغتنا العربية يُسر لا عُسر"، وهو يُسر لا يعني الاستسهال، إنما يعني النضوج وإمكانية التجريب، فباب اللغة العربية مفتوح على الدوام لأجيال وأجيال أما باب واسع يُسمى التجريب في اللغة، يمكن أن يكون بابًا قويًا يعتمد عليه الأدباء والفنانين، شرط الإجادة والبناء الجديد في الصياغة والمعنى، فكون التجريب مسموح لنا كأبناء للعربية، لا يعني ذلك أن هذا الباب مفتوح للجميع، إذ لا يجوز مثلاً لهؤلاء الذين لا يفرقون بين حروف السين والصاد أو القاف والكاف أن يُلحقوا كل لحنهم الللغوي تحت باب التجريب، والأمر مثله مع هؤلاء الذين يخلطون ما بين مستوياتها فيدخلون باطلاً على حق، تحت زعم امتلاك اللغة وحق التجريب، وللحقيقة وبعيدًا عن حرب خفية ما بين أنصار اللغة العربية الفصيحة وبين اللغة العامية، إلا أن الخلط ما بينهما كمستوين للغة أمر شديد الحساسية وليس أهلاً لكل متعامل وممارس مع اللغة، وهذا الأمر هو طامة عصرنا، حين تخرج لنا لغة مشوهة لا يمكنها إنتاج محتوى حقيقي يخاطب الناطقين باللغة العربية.
المحتوى الرديء يصنع متلقٍ رديء:
يدرك دارسو الأدب واللغة أن الأديب المصري نجيب محفوظ كان أحد هؤلاء الذين استطاعوا بموهبة فريدة إنتاج نص أدبي في لغة خاصة اقتربت كثيرًا من لغة الشارع لكنها أبدًا لم تكن نابية أو مستهجنة، بل كانت عبقريته الفنية في بعض الأحيان جعله من الدارج اللغوي مستصاغًا لدى أهل اللغة، وهذا أمر قلما ينتبه له المشتغلون على المحتوى المُقدم على منصات التواصل الاجتماعي، فلا ذرة اهتمام باللغة التي يتم تقديم المحتوى بها، علاوة على ضبابية الأفكار التي يقدمونها، ليس وفقط، إنما انتهاك صارخ لكل قواعد اللغة والمنطق والدراما، وهنا أحيلك إلى هذه الفيديوهات التي تنتشر بآلاف المشاهدات، ولا ذرة منطق فيها على الإطلاق، بل ثمة تلفيق أدبي وفني هو القاسم المشترك بين هذه الفيديوهات وما تحويه من محتوى يُصر مقدموه على اعتباره "رسالة مجتمعية"، فتحت هذه التسمية حدث ولا حرج من كمٍّ هائل من التناقضات والتشويش والاستهسال الذي يصل حدَّ "الاستهبال" أحيانًا، إلى جانب انتهاكات واضحة ومباشرة ليس للغة وحدها، بل وللمنطق التصويري والفني باعتبار تلك الرداءة في جميع كادرات المحتوى، والمفتقرة لأساسيات صناعة الفيديو حسب الأصول الفنية الأولى الواجب توافرها في أي محتوى بصري، ويحدث ذلك دون أن تُطرف عين لهؤلاء ممن اعتبروا أنفسهم نجومًا للسوشيال ميديا، بل وتلبستهم جنيات الفنّ وعفاريته غير الأصيلة، عبر هذا "الرخص" والاستسهال، حتى في اختيار العناوين التي تتصدر تلك الفيديوهات، والتي يُصر صناعها على تسميتها "سيلما" شعبية لتوعية الجمهور.
يبدو أن الأمر بسيط بالملاحظة؛ يلزمك كاميرا غير احترافية وربما كاميرا هاتف ذكي، ثُم اجلس أو كُن واقفًا، وابدأ في الكلام، لا تخف من أي منطق لسرد ما تقدم، فالجمهور المُستهدف يمكن جذبه بسهولة عبر عنوان يحتوي على إثارات جنسية أو دلالات من هذا النوع، لتُصعق بالمحتوى المُقدم تحت أعين وبصر الجميع، وكل ما يتم بثه من رداءات فنية، تُنتهك في الكثير من الأحيان معايير الفن والأدب والذوق والجمال، ناهيك عن انتهاكات بالجملة لقيم مجتمعية كاستغلال المرأة والاتجار بجسدها، وكذلك اللعب على الظروف الاجتماعية للبعض، واستغلال الأطفال في بعض الأحيان، بشكل أراه يصل إلى ضرورة المحاسبة الرادعة، وهُنا لا أقوم بدور حارس الفضيلة أو الرقابة على المصنفات الفنية، إنما أصرخ للاستغاثة من التأصيل للرداءة التي تتيح المساحة الأكبر والأوسع لهذا الرديء للانتشار، لتنتشر أنصاف المواهب وأرباعها، وتدخل إلى كل تفاصيل حياتنا، وهنا ربما يُغالي أحدهم ويطالب بالسماح لهؤلاء بالتعبير عن أنفسهم، عبر تلك المساحات الشخصية الخاصة، وهو ما لا أرفضه، لكن متى كان هدّامًا للذوق والفنّ والجمال في المجتمع ونشر كل ذلك، فما الحل؟!!
حدث بالفعل شهد:
حاولت خلال بحث أنثربولوجي حول أشباه المدن أشباه المدن التواصل مع أحد هؤلاء ممن يمتلكون قناة خاصة على منصة يوتيوب والفيس بوك، لأجل مقابلة بحثية، ومرارًا قمتُ بإرسال العديد من الرسائل التي تندرج تحت بند "الموافقات المستنيرة"، لكن لا مجيب، على الرغم من ظهور هؤلاء على البث المباشر لأكثر من ساعة لأكثر من مرة، وكررت المحاولة مع أكثر من قناة، لكن لا حياة لمن تُنادي، فيبدو أنك إن لم تتجاوب مع هؤلاء بنفس منطق العناوين التي تُنشر تحتها تلك الفيديوهات، فلن يتم الانتباه إلى رسائلك أو محاولات اتصالك، فعليك أن تُثبت دعمك عبر تعليقات من باب التشجيع والإعجاب بل والتغزل في "عكّ" هؤلاء وما يقدمونه من محتوى سيء ورديء وهو ما لم أقم به، بينما كانت ردودهم تنهال على كل من يترك تعليقًا يشجعهم على المزيد والمزيد، أو ممن تركوا تعليقًا يُشيد بتمثيل هؤلاء ممن تم تقديمهم تحت مسمى "الممثلون".
فشلت إذن محاولاتي للتواصل مع أحد هؤلاء، فعلى ما يبدو حين تصلهم الرسالة التي تقول إننا بصدد بحث أنثربولوجي يتعلق ما يقدمونه بطرف منه، وبعد رؤية الرسائل من طرفهم، لا أي ردّ فعل على كل تلك الرسائل، ولا حتى على التعليقات التي تركتها على فيديوهاتهم مرات بالمُدارة ومرات بالاستفزاز فقط لأجل الحصول على ردّ منهم يكون مفتاحًا للدخول إلى عالمهم الذي يحرصون على اتساعه وانتشاره لكن بشروطهم الرديئة تلك فقط، وغير الخاضعة لأي منطق فني أو أدبي بالأساس، فكما قلت كل ما عليك أن تجهز كاميرا وتجلب امرأة/ شابة، وضع عنوانًا وقم بـ"رصّ" أي كلام له إشارات وإيحاءات جنسية، وتأكد بأن عشرات بل مئات الآلاف من المتابعين قيد أناملك.
أرجوكم انتبهو يا سادة، فثمة رديء يتشكل ويتضخم وبات مهددًا للموهبة والفن والأدب بشكل عام، وعلى ما يبدو يُدخل بنا نحو عالم الأنصاف بقوة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World