قراءاة نقدية لدراسة عن -أوجه التحديات التي تواجه المسنين في سلطنة عمان: محافظة مسقط أنموذجا- للدكتور منير كرادشة وآخرون.

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2022 / 5 / 20

صدر عن حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية التي تصدر عن مجلس النشر العلمي– جامعة الكويت سنة (2020) كتاب للأستاذ الدكتور منير كرادشة وآخرون بعنوان:" أوجه التحديات التي تواجه المسنين في سلطنة عمان: محافظة مسقط أنموذجا". وتم تقسيم محتويات الكتاب إلى خمسة فصول رئيسة، ويقع الكتاب في (123) صفحة، من الحجم المتوسط، والدكتور كرداشة هو أستاذ علم الاجتماع بجامعة اليرموك، ويعد من المختصين بالشأن العُماني، له عدة كتب ودراسات اجتماعية متخصصة عن سلطنة عُمان.
وكتاب " أوجه التحديات التي تواجه المسنين في سلطنة عمان : محافظة مسقط أنموذجا" يأتي في إطار البحث والكشف عن المشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع العماني، فضلا عن تحديد المعالجات والمسارات المستقبلية لتلك التحديات والمشكلات.
ويعد الدكتور منير كرادشة من ضمن طراز معين من البحاث الذين يؤمنون بأن قيمة كل باحث سوسيولوجي على قدر إيمانه بنفسه، فعلم الاجتماع كما يراه ريمون أرون "دائما يبحث عن نفسه"، وهو أيضا كما يوضحه لنا اتنوني جيدنز "لا يمكن أن يظل موضوعا أكاديمياً خالصاً داخل الجدران الأكاديمية". لقد شعرت وأنا أقرأ هذا الكتاب بأن الدكتور كرادشة منح سلطنة عُمان سنوات عمره من أجل قضية البحث والكشف عن مشاكل والتحديات التي تواجه المجتمع العُماني، حيث يُدون الملاحظات ويقيد المشاهدات، فضلا عن قيامه برسم عدد من المعالجات والمسارات المستقبلية تلك التحديات والمشكلات.
قبل الولوج إلى رصد أهم الملاحظات والاستنتاجات أود توضيح للقارئ بأن الخطوات المتبعة في هذه القراءة التقييمية، هي:
1. توضيح تساؤلات الكتاب والمنهجية المتبعة، ورصد أهم نتائج وتوصيات الدراسة ،
2. رصد أهم الملاحظات والاستنتاجات حول موضوع الدراسة .
أولا : توضيح تساؤلات الكتاب والمنهجية المتبعة، ورصد أهم نتائج وتوصيات الدراسة
يقدم هذا الكتاب قراءةً سوسيولوجية للوقائع والتحديات التي تواجه المسنين في سلطنة عُمان محافظة مسقط أنموذجا انطلاقًا من البحث والكشف عن إجابات للتساؤلات الأتية:
1. ما أهم أشكال العنف الجسدي واللفظي والنفسي والمالي والصحي والاجتماعي التي سبق أن واجهها المسنون في محافظة مسقط؟
2. هل هناك فروق ذات دلالة إحصائية في أشكال العنف التي سبق أن واجهها المسنون وفقا لنوعهم الاجتماعي، وتراكيبهم العمرية ومستوياتهم التعليمية؟
3. ما موقف المسنين إزاء الذهاب إلى مركز رعاية المسنين ؟
4. هل هناك فروق ذات دلالة إحصائية في مواقف المسنين إزاء الذهاب إلى مركز رعاية المسنين، وفقا لنوعهم الاجتماعي، وتراكيبهم العمرية ومستوياتهم التعليمية؟
5. ما أثر الخلفيات والخصائص المختلفة للمسنين سواء الديمغرافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية (كمتغيرات مستقلة) في احتمالات مواجهتهم للعنف بأشكاله ( كمتغير تابع) عند ضبط وعزل صافي أثر كافة هذه المتغيرات؟
استندت الدراسة بصورة أساسية إلى أستبانة كأداة رئيسة لجمع البيانات والمعلومات، حيث اعتمدت على عينة غير احتمالية ( القصدية أو الغرضية) حيث بلغ حجمها (2332) مسنًا من الذكور، والإناث ممثلة لمحافظة مسقط بولاياتها الستة ( السيب ، و مسقط، وبوشر ، ومطرح، وقريات، والعامرات)، كما عمدت الدراسة إلى الاستعانة بمجموعة من الأساليب الإحصائية بالاستناد إلى برنامج الحزم الإحصائية المتعارف عليه في العلوم الاجتماعية (spss) وذلك بغية معالجة بيانات الدراسة وتحليلها، ومن أهم تلك الأساليب، هي :
• أساليب التحليل الوصفي البسيطة والمتمثلة في التوزيعات النسبية والتكراراية.
• أساليب التحليل الإحصائي الثنائي والتي تمثلت في نموذج تحليل الجداول المتقاطعة،
• نموذج التحليل مربع كاي بهدف معانية ما إذا كان هناك فروق ذات دلالة إحصائية في مواقف المسنين وفقا لخلفياتهم الديمغرافية والاجتماعية.
كما حددت الدراسة المذكورة الهدف الرئيس منها في التعرف على أهم أشكال العنف الموجه ضد المسنين في محافظة مسقط، والممثلة في: (العنف الجسدي، واللفظي، والنفسي، والصحي، والاجتماعي)،
وجاء الإطار النظري للدراسة يتضمن عدد اثنتان وعشرون (22) دراسة ذات العلاقة بالموضوع، حيث يمكن تقسيم تلك الدراسات إلى قسمين هما :
• (10) دراسات ذات علاقة بالمجتمعات الأجنبية،
• (12) دراسات ذات بالمجتمعات العربية.
وبينت الدراسة بأن جل الدراسات السابقة تعرضت لموضوع العنف الموجه ضد المسنين ضمن موضوعات وأهداف ومعالجات متفاوتة، لكن ما يميز هذه الدراسة هو تركيزها على معاينة وتحليل أشكال العنف الموجه إلى المسنين كافة، وبصورة معمقة، فضلا عن شمولية الجوانب والأبعاد ذات علاقة بموضوع الدراسة.
وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج والتوصيات المهمة أبرزها:
• حوالي 33.9% من أفراد العنية تعرضوا للعنف، سواء الجسدي، أم اللفظي، أم النفسي، أم المادي، أم الصحي.
• أن العنف اللفظي كان الأكثر انتشارًا من بين أشكال العنف التي تواجه المسنين، تلاه في المرتبة الثانية العنف النفسي، وفي المرتبة الثالثة العنف الجسدي، في حين جاء العنف الصحي في المرتبة الرابعة، وفي المرتبة الأخيرة جاء العنف المالي.
• بينت النتائج وجود تأثير واضح لمتغيرات مثل: (النوع الاجتماعي، والعمر الحالي، ومنطقة الإقامة، وامتلاك عمل خاص، وعدد الأبناء، وكفاية الدخل) في احتمالات بروز العنف ضد المسنين قيد الدراسة خاصة بعد عزل وضبط باقي المتغيرات المستقلة المدخلة في معادلة التحليل.
• كما بينت النتائج أن الذكور أكثر عرضة للعنف بجميع أشكاله مقارنة بالإناث، عدا العنف المالي الذي يرتفع لدى الإناث مقارنة بالذكور.
• برزت النتائج أن الإناث أكثر ميلا للذهاب إلى مراكز رعاية المسنين مقارنة بالذكور.
ثانيا : تدوين أهم الملاحظات والاستنتاجات.
بادئ ذي بدء أود التأكيد بأن الملاحظات والاستنتاجات لن تقلل من قيمة الدراسة، فالملاحظات المطروحة لا تعني ضرورة العمل بها، أو الاقتناع التام به، وإنما يعني يمكن مراجعتها وتقييمها واختيار المناسب منها.
• بالرغم من كون هذه الدراسة تعد من ضمن مواضيع المسكوت عنه في المجتمعات التقليدية، وذلك لارتباطها بقضايا مفرطة الحساسية، والتي ربما يؤدي كشفها، والبحث فيها إلى إحداث تصادمات في المجتمع، فضلا عن إثارة حالات من الاحباط ،والتشكيك، والقلق، في طبيعة العلاقات والسلوكيات والقيم السائدة بين أفراد المجتمع، إلا أن الباحثان قاما باستنطاق الوقائع المسكوت عنه، وطرحا مقاربة سوسيولوجية تبين وتكشف عمق وشمول هذه الظاهرة في المجتمع العماني؛ وهي ظاهرة العنف الموجه ضد المسنين .
• كشفت الدراسة بأن المسنين يواجهون مشكلات وتحديات جسمانية وعاطفية ومادية التي يتعذر التعامل مع بعضها في كثير من الأحيان.
• طرحت الدراسة مسألة مهمة، وهي رغبة الحثيثة من قبل المسنين في الاستقلال والحرية، خاصة الاستقلال المالي، والحرية في إبداء وجهات النظر حول بعض المسائل والقضايا ذات العلاقة بأسرهم، وحتى نقرب المعنى أكثر يمكن أن نشير بأن المسنين حسب نتائج الدراسة يعتقدون بأنهم لا يزالون يمتلكون المقدرة على المشاركة، وإبداء وجهات النظر حول قضايا ومشكلات مجتمعهم.
• أوضحت الدراسة بأن أنماط أو أشكال العنف ليست واحدة في المجتمع العُماني، إنما تختلف حسب النوع الاجتماعي، والتراكيب العمرية، والمستويات التعليمية.
• بينت الدراسة الحاجة إلى البحث عن طرق المساندة، والدعم العاطفي للمسنين، فضلا عن وسائل التي تضمن قدرتهم في الحفاظ على استقلالهم المادي، ومشاركتهم المجتمعية، وراحتهم النفسية.
• لم تحدد الدراسة المسائل والقضايا التي ربما تشكل محل اهتمام المسنين، وهذا الأمر ربما يدفعنا إلى طرح سؤال مهم وهو : ما هي القضايا والمسائل التي تشغل تفكير المسنين؟ وهل تلك القضايا والمسائل ( محل الاهتمام والتفكير) تختلف بالنسبة للمسنين سواء من الناحية الديمغرافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية؟
• بينت الدراسة وجود مفارقة سيوسولوجية اللافتة الانتباه، وهي أن هناك تغيراً في المكانة الاجتماعية للمسنين في المجتمع العماني، وللمزيد من الإيضاح والتبسيط فأن المسنين سواء كانوا ذكورًا، أم إناثًا لم يعودوا يحظون بالمكانة الاجتماعية التي كانوا يتمتعون بها سابقًا، وهنا نسارع إلى القول بأن نسبة 33% من أفراد العينة يُعانون من التهميش من قبل أسرهم، حيث يعتقدون بأنهم أصبحوا يشكلون عبثا على أسرهم، حيث لا يتم مشاركتكم في كثير من القضايا المجتمعية، كما كان سابقًا في مرحلة الشباب أو أواسط العمر، وهذا ما يفسر أيضًا على أي حال وجود تراجع في أدوار كبارالسن في المجتمع العماني.
• أوضحت الدراسة بان بعض الأسر تعاني من وجود فجوات في الإدركات والاحتياجات الحقيقية لطبيعة الحياة الأسرية لدى المسنين.
• توسعت الدراسة وبشكل متميز في طرح أثر عدد من المتغيرات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتي ربما تعطي الصورة الصحيحة لظاهرة العنف الموجه ضد المسنين .
• أعتقد بأن من يحسن التأمل ويدقق النظر في الدراسة يستطيع أن يُدرك بسهولة بأن الدراسة طرحت سؤال مضمر وهو : هل يمكن أن تتقبل المنظومة القيمية والدينية والاجتماعية في المجتمعات التقليدية - مثل المجتمع العماني- انتشار مؤسسات رعاية المسنين؟. أعتقد بأن هذا السؤال يحتاج إلى تدبر وتفكير في ظل التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والقيمية في المجتمعات التقليدية، فضلا عن بروز عدد كبير من الاحتياجات في الحياة اليومة لتلك المجتمعات.
• وأخيرًا يمكن القول بأن الدراسة استطاعت إلى حد كبير الإجابة على تساؤلات الدراسة، حيث أشارت الدراسة إلى وجود أنماط متعددة من العنف الموجه ضد المسنين.
• وختامًا أجزم بأن مهمة الدكتور كرادشة لم تكن سهلة، فضلا عن كون التوسع في بحث بعض مسائلها قد يُثير خائنة الأعين وما تخفي النفوس، كما أنه قد تقع مفارقات بالدراسة قد يُثْقِل كاهلها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World