كل شيئ فيك ياعراق بات مباحا ومستباحا

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 5 / 20

العراق بلد غني بما حباه الله من ثروات طبيعية هائلة وموارد بشرية مؤهلة مشهود لها بالكفاءة والقدرة والتمييز في مختلف صنوف المعرفة , برز منهم علماء ومبدعون ومفكرون في عصور التاريخ المختلفة. وفي يومنا هذا حظي الكثير منهم بجوائز وتكريمات في دول العالم المختلفة . فعلى صعيد الثروات الطبيعية يحتل العراق المرتبة الخامسة دوليا والثانية عربيا بإنتاج النفط , بانتاج (4.114) مليون برميل يوميا،بحسب التقرير الصادر عن شركة بي بي النفطية البريطانية لشهر تموز 2021 . ويبلغ احتياطي النفط العراقي الثابت حوالي ( 153) مليار برميل، مما يجعله ثاني أكبر خزان نفطي معروف في العالم بعد المملكة العربية السعودية, يتركز الجزء الأعظم منه في محافظة البصرة.
وعلى الرغم من أن العراق مصدرا رئيسيا للطاقة , فأنه يستورد من إيران نحو ( 1.2 )غيغاوات من الطاقة الكهربائية ، ما يعادل ( 7% ) تقريباً من إجمالي احتياجات العراق البالغة نحو ( 18.4 ) غيغاوات ، وتكون في شكل صادرات غاز طبيعي. ويستورد العراق الغاز الإيراني بسعر( 11.23 ) دولاراً لكل ألف قدم مكعّب، وهو سعر مرتفع مقارنة بالأسعار العالمية. أُهدِر العراق خلال الأعوام الماضية ما يزيد على نصف الغاز الطبيعي العراقي، إذ يُحرَق لعدم توفُّر بنى تحتيّة ومعدّات مناسبة لجمع الغاز في حقول النفط العراقية لإستخدامه في عملية توليد الكهرباء. ووفقاً للبنك الدولي، فإن العراق يحرق نحو( 18 ) مليار متر مكعّب من الغاز المرتبط بالبترول سنوياً، وتُعد تلك الكمية كافية لمد نحو( 3 ) ملايين منزل بالطاقة، حسب وكالة الطاقة الدولية.
وبذلك تزداد تبعيّة العراق لإيران في ملف الطاقة. فأية مفارقة غريبة هذه بلد نفطي يهدر ثروته الغازية عبثا ويستورد هذا الغاز من إيران سنويا بمليارات الدولارات , وهذه حالة شاذة غير مسبوقة لا في العراق ولا في بلد نفطي آخر في العالم. والأدهى من ذلك بات العراق يستورد البنزين وبعض مشتقات النفط بما في ذلك النفط الأسود من إيران ,وهذه حالة أخرى لم تحصل في العراق في أحلك ظروفه وأصعبها , سواء في الحرب الإيرانية العراقية على مدى ثمان سنوات وحرمانه من منافذه البحرية , أو في فترة الحصار الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من عقد من الزمان وحرمانه من التصرف بحرية بموارده النفطية , حيث شمر العراقيون عن سواعدهم القوية وقدحت عقولهم النيرة عن حلول مبدعة ومبتكرة ومناسبة لمعظم المعضلات التي واجهت العراق يومذاك, إعتمادا على الذات بعد التوكل على الله الواحد الأحد.
نشر المعهد الاميركي للطاقة عام 2018 تقريرا للثروات الطبيعية في العالم, وقد احتسبت الثروات على اساس وجود النفط والغاز والفحم والغابات والاخشاب والذهب والفضة والنحاس واليورانيوم وخام الحديد والفوسفات. جاء العراق في المركز التاسع من اصل(193 ) دولة. فالتقرير صنف العراق فقط لامتلاكه النفط والفوسفات و اهمل الغاز والكبريت و السليكا و المعادن الاخرى وهذا الامر جعل العراق يكون في المرتبة التاسعة من القائمة، و يوجد في العراق ( 400 ) موقع هيدروكربوني لم يجر التنقيب فيها بعد, وبموجب هذا التقرير يحوي العراق على (11%) من الاحتياطي العالمي للنفط و( 9% ) من الفوسفات. ويبلغ احتياطي الكبريت في المشراق جنوبي محافظة نينوى نحو (600) مليون طنا و يعد اعلى خزين عالمي يضاف لها( 40) مليون طن في منطقة الفتحة في منطقة (بيجي) ، ويتصف كبريت المشراق بلونه الاصفر الفاتح بنسبة نقاوة(99 %).
أعلنت هيئة المسح الجيولوجي العراقية التابعة لوزارة الصناعة والمعادن قبل مدة اكتشاف مناجم تحوي كميات ضخمة من مادة الكاوؤلين الأبيض، التي تُستخرج منها مادة الألومنيوم العالي النقاوة ضمن محافظة الأنبار. كما يمتلك العراق احتياطيات من خام اليورانيوم في مناجم في عكاشات على الحدود مع سوريا. وقد سبق للعراق ان انتج حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، ما لا يقل عن ( 164 ) طنا من الكعكة الصفراء، التي تم الحصول عليها من منجم عكاشات وتمت معالجتها في منطقة القائم.
تتوفرفي العراق وبخاصة في محافظة النجف رمال صالحة لصناعة الزجاج والزجاج الملون وبمواصفات جيدة, حيث يقدر الاحتياطي (220) مليون متر مكعب لصناعة الزجاج، (385) مليون متر مكعب لصناعة الزجاج الملون. وتتوفر في محافظة الأنبار رمال السليكا بكميات كبيرة ومواصفات جيدة للاستعمال في صناعة الزجاج والسباكة تقدر بأكثر من (330) مليون متر مكعب .
وبرغم إمتلاك العراق هذه الثروات الهائلة التي يحسدها عليها كثيرون ويتكالبون على نهبها تاركين العراقيين يعانون من الفقر والحرمان من لقمة العيش ,حيث تبلغ نسبة الفقر في العراق نحو( 24.8% ) وفق آخر دراسة أجرتها وزارة التخطيط العراقية بالتعاون مع البنك الدولي، في النصف الثاني من عام 2020، وهذا يعني أن نحو( 10 ) ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر.تتصدر محافظات الجنوب معدلات الفقر، وفي مقدمتها محافظة المثنى بنسبة ( 52%) ، وتليها محافظة الديوانية ( 49%) ، وذي قار (48%) , ونسبة (40%) في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين , ونسبة (18%) في محافظات الوسط ,ونسبة (13%) في محافظة بغداد , وأدناها في محافظات إقليم كردستان (12.5%).
لم تحرك حالة الفقر المدقع الذي يعيشه شعب العراق بعامة , ومحافظات الوسط والجنوب بخاصة, ضمائر السياسيين الذين كانوا يتباكون ويذرفون دموع التماسيح على بؤسهم , بدعوى المظلومية وإذا بهم يزدادون مظلومية وبؤسا وفقرا لم يعرفوه بهذه الحدة من قبل ليعيشوا الذل والهوان , ولم ينفع معهم الشعار الحسيني الذي كانوا يرفعونه للكسب السياسي زورا وبهتانا " هيهات منا الذلة " , فأي ذلة أكثر من الذل الذي يعيشوه اليوم في ظل حكومات تتخذ من الشعارات الدينية وسيلة لتغطية أفعالها المشينة بحق الشعب .
لم تستثمر الحكومات المتعاقبة منذ غزو العراق وإحتلاله عام 2003 وحتى يومنا هذا موارد العراق الطبيعية لأسباب متعددة , أهمها :
1. هيمنة الأحزاب السياسية التي لا هم لها سوى نهب المال العام لصالحها بأكبرقدر وأسرع وقت , بموجب نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيت , الذي يؤمن لكل منها عدد من الوزارات التي باتت تباع وتشترى في مزاد علني في بازار ينظم بعد كل دورة إنتخابية .
2. إفراغ الوزارات والمؤسسات العراقية من كوادرها الوطنية النزيهة والكفوؤة وذات الخبرة الطويلة بإدارتها , وإحلال عناصر هزيلة محلها تأتمر بأوامر من أوصلوها لتلك المناصب لتأمين مصالحهم غير المشروعة بنهب مواردها في صفقات فساد جهارا نهارا دون رقيب أو حسيب.
3. غياب ستراتيجية للتنمية المستدامة للدولة , تنبثق منها خطط خمسية وسنوية لتنفيذها كما هو معمول به في أغلب دول العالم التي حققت معدلات تنمية إقتصادية عالية .
4. سيطرة بعض الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة والعشائر على مناطق عراقية واسعة, والتصرف بمواردها على هواها , والتحكم ببعض المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية , في غياب كامل لسطة الدولة العراقية .
5. غياب البيئة الآمنة والمستقرة والتي تعد شرطا أساسيا للتنمية , فبدون بيئة آمنة لا يمكن تحقيق أي تقدم أبدا .
وخلاصة القول أن العراق بات اليوم مباحا لكل من هب ودب لنهب ثرواته , ومستباحا من قبل الأفاكين وعصابات الجريمة المنظمة والجماعات المسلحة للعبث بأمنه وتنفيذ أجندات دول خارجية لا تهمها مصالح العراق, كي يبقى العراق بقرة حلوب تسنزف لصالح تلك الدول , ويبقى العراقيون يبحثون عن لقمة العيش في مكبات القمامة بعد أن حولوا أرض الرافدين الخصبة إلى صحاري جرداء , ومصانعهم العامرة إلى خردة لا نفع فيها ,ومعاهدهم وكلياتهم وجامعاتهم إلى دكاكين لبيع الشهادات العلمية , بينما هم ينعمون بالعيش الرغيد في قصور عامرة . والله المستعان.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World