الأزمةُ البيضاء

نجيب علي العطّار
najibaliattar@gmail.com

2022 / 5 / 13

لا يحتاجُ النّاظرُ في حال المنطقة العربيّة إلى إجهادِ عقلِه كثيرًا حتى يُدركَ أنّنا في أزمة هي اسمٌ جامعٌ غيرُ مانعٍ لحشدٍ ليس بقليلٍ من الأزمات، فعلمُنا بأزمتنا هو علمٌ حضوريٌّ لم نضعْه بعد على مشرحة العلم الحصوليّ. ولعل مصطلح "أزمة عربيّة" هو صَبغةٌ صبغتْ عقودًا من تاريخ المنطقة صِبغةً تتفاوتُ في درجة ألوانها بين حقبة وأخرى. ونحنُ إذ نسمّيها "أزمةً عربيّة" بلا حرفَي التعريف، فهي، من بابٍ، نسبةُ الأزمة المُتناوَلة الى مأزومِها، ومن باب ثانٍ، للدلالة على عروبة أزمتنا، أي على تفرّدِنا بمأزوميَّتِنا. ومن كارثيّةِ أزمتِنا المعاصرة أنّها، تقريبًا، لم تتركْ عنوانًا إنسانيًّا للعرب إلا نثرَتْ عليه بعضَ غُبارها، السحريّ وغير السّاحر، كأنّها أزمةٌ في كلِّ شيئ، أو كأنّنا مأزومون في كلِّ شيئ، لذلك أُسمّيها "الأزمة البيضاء".

تُخبرنا فيزياءُ الضوء واللون أنّ اللونَ الأبيضَ هو مجموعُ كافّة الألوان في الطيف المرئيّ لعين الإنسان. وكذلك هي الأزمة العربيّة؛ مجموعُ كافّةِ الأزمات الممكن أن يُؤَزَّمَها شعبٌ من الشعوب. فنحنُ مأزومون في كلّ عنوانٍ تصحُّ نِسبةِ المأزوميّة اليه.

بعبارةٍ أشدُّ تكثيفًا؛ إنّ الأزمة العربيّة هي أزمةٌ عربيةٌ. ولهذا التكثيف ثلاثُ دلالات؛ الأولى هي أنّ الأزمة التي نعيشُها هي أزمتُنا نحن فقط، وليست بالتالي أزمةً إنسانيّة، إن جاز التعبير، يُعاني منها الجنسُ البشريُّ اليوم. ولعلّنا لم نحقّقْ بعدُ وجودًا فكريًا إنسانيًا يسمحُ لنا أن نُشارك إنسانَ القرن الحادي والعشرين في أزماته، ذلك لأنّنا لا ننتجُ معرفةً إنسانيّةً أصلًا، على الأقل بالقدر الذي يَلزمُ عن الكمّ الهائل من طاقاتنا ومقدّراتنا، فكيف لنا أن نُكرَثَ في فكرٍ لا نملكُه؟ والدلالة الثانيّة هي أنّنا وحدَنا، نحن العرب، المسؤولون عن أزمتنا والمعنيّون بإنتاج حلولٍ أصيلةٍ لها بدلَ استيرادنا لنظريّات/ أنظمة فكريّة لا تصلحُ لأن نلبسَها بدلَ ثوبنا المهترئ. والثالثةُ هي تفرُّدنا في أزمتنا؛ إذ ليس من المنطقيّات أن تكون أزمتُنا على ما هي عليه اليوم ونحن نعيشُ في القرن الحادي والعشرين وفي هذا التضاعف الهائل والسريع للمعرفة الإنسانيّة.

إنّ أزمتنا المعاصرة لم تولد اليوم، وإنّما هي نِتاجُ المسيرةِ التكامليّة لأزمة الفكر العربي، اذا جاز التعبير، منذ عدّة قرونٍ، والتي بدأت تظهر معالمُها بعد انهيار الحكم العثماني للمنطقة، ثم راحت تتبلور وتتجلّى حين تُركَ العربُ ليحكموا أنفسَهم بأنفسِهم. وأمام الحقيقة المهولة التي تُبشّرُنا بمزيدٍ من تكامل أزمتنا في صورٍ أكثر مأساويّة مما هي عليه الآن إن لم نتدارك وجودَنا المعنوي في عالم الإنسان، نطرحُ سؤالًا على أنفسِنا؛ لماذا لم نزل مأزومين؟

إن استمراريّة مأزوميّتنا ليست نتيجة مقدّمة واحدة وانّما مقدّماتٍ كُثُر أبرزها؛ أنّنا لا نُدركُ حجم الكارثة التي تقودُنا الى الانقراض الفكري، وبالتالي لا نرى مبرّرًا لسؤال؛ لماذا نحن مأزومون؟ ولا نشعرُ بحجم المسؤوليّة الملقاة على عقولنا التي عطّلنا ملكة النقد فيها واستبدلناها بمنطق التبرير الذي أصبح ملكة للعقل العربيّ. ولأنّ سقفَنا المعرفيّ لم يرتفع كثيرًا عن سقف أسلافنا، فنحنُ لم نزل كما وصفَنا "موشي ديان"؛ لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفهم، واذا فهمنا لا نُطبّق. وما يزيد الأزمة تأزُّمًا هو تسميم وِجداننا ووعينا عبر ما يُنفثُ في آذاننا، التي أصبحتْ مصدرنا الوحيد للمعلومة، من سمومِ المنابر الدينيّة والسياسيّة التي أضحتْ هي منابرُنا الثقافيّة الوحيدة والتي تُحاول بدورها تقليص الفارق الهائل بين بؤس الوعي ووعي البؤس.

لذلك نحنُ لسنا قريبين، نظريًّا وعمليًّا، وربّما علميًّا، من "مرحلة تطبيق الحل" لأنّ مرحلتين أساسيّتين وتأسيسيّتين لم نبدأهما بعدُ؛ لم نعترف بأزمتنا ولم ندركها كما هي، وبالتالي ليس بمقدورنا أن نعرفَ الحلَّ الذي لا بدّ، بالضرورتين العقليّة والمنطقيّة، من معرفتِه قبل تطبيقه. وكثيرٌ ممّا يقدّم على أنّه حل ليس، في الواقع، الّا شعارت فضفاضة وأثوابًا بالية مزّقتها التجاربُ عبر عشرات السنين. وكثيرٌ من أفعال "أصحاب الحلول" ليست الا انفعالاتٍ متولّدة عن خلفيّة أحسنُ ما تُنعتْ به أنّها رغباتٌ صِبيانيّة لاواعية وغير مُدرِكة. وإلا فما بالُنا نزدادُ ترسُّخًا في أزمتنا؟

لقد فضحتنا وسائل التواصل الاجتماعي، بتطبيقاتها الكثيرة، وجعلتنا في حالة انكشاف تام أمام مرايا تُري عقولنا، رغمًا عنّا، كمَّ التفاهة والبؤس الفكريّ الذي يضعُ إنسانيّتنا على المحك. ولعلّ هذا الانكشاف هو من الصور القليلة المشتركة بيننا وبين العالم المتأَنسِن الذي تظهرُ فيه مثلُ هذه البراثن التافهة.

هذه الصورةُ عن واقعنا ليست مطلقةً بالضرورة، وهذا أمرٌ طبَعيٌّ لأن أزمتنا أزمةٌ فكريّة، والفكرُ لفظٌ مشكِّكٌ بلغة المناطقة؛ أي نسبي، على أنّها تبقى صورةً عامّة لا يُمكن تخصيصُها أبدًا. وهي أيضًا عنوانٌ جامعٌ لكثير ممّن يُفترض بأنّهم يُشكّلون على الأقل ردّة فعلٍ، وفق قانون نيوتن الثالث، لفعل الأزمة. وأقصدُ بهؤلاء المرجعيّات الثلاث؛ الروحيّة، السياسيّة، والثقافيّة المغيّبة لصالح المرجعيّتين السابقتين.

تفتحُ كلُّ هذه المقدّمات لنا، وعلينا، أبوابًا كثيرة قد أُقفلتْ حتى إشعارٍ آخر لأسبابٍ تترنّحُ، بعد أن أُسْكرَتْ بخمر التقديس، بين أمنين؛ أمنُ الزعيم ونظامِه، والذي يُسمى أمنًا قوميًا، وأمنُ "رجال الدين"، أو أمنُ الإله الذي خلقناهُ نقيضًا لصورة الإله الذي خلقَنا. ولكن كل مبرّرات السكوت عن أزمتنا تتهافت سريعًا أمام واقعِ المنطقة العربيّة المكروث وأمام واقعيّة أزمتنا البيضاء التي تُذكّرنا، إن/ إذا تذكّرناها، بحتميّة انقراضنا نحنُ العرب من عالم الإنسان وبقائنا في عالم البشر. فوجودُنا لا يتحدّد بتواجدنا البيولوجيّ وحسب، وانّما بتواجدنا الفكريّ وبما نقدّمه من معرفة إنسانيّة لجنسِنا، فمن الضروريّ إذًا أن نخلقَ لفكرنا عيونًا كليّة النظر بحيث نوسّع الطيف المرئيّ لعقولنا، قدر الإمكان، حتى نخرجَ من واقعنا الذي يتساوى فيه وجودُنا وعدمه.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World