إضاءات في تاريخ العلاقات الليبية الأردنية

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2022 / 4 / 29

نسعى من خلال هذه المقالة إلى رصد بعض الإضاءات المهمة في تاريخ العلاقات الليبية الأردنية - التي تاهت وسط زحام الأحداث والمواقف السياسية-، انطلاقا من الشعور بالمسؤولية اتجاه حركة التاريخ، خاصة عندما نعلم بأن تلك العلاقات كانت قائمة - في عهد النظام السياسي اللببي السابق- وفقا لمزاجات وأهواء رأس السلطة آنذاك، وحتى أكون منصفا فهي سياسات أو تصرفات لم تغير شئيا، ولم يكن في استطاعتها تغيير شيء كونها سياسات وتصرفات مخالفة لعواطف وحركة التاريخ بين البلدين، لكنها سياسات أو تصرفات أصبحت بمرور الزمن أشبه بالتوبوهات السياسية لا يمكن تجاوزها أو اختراقها، وأصبحت العلاقات بين البلدين غالبا ما تتحرك على هامش تلك الاختلافات والاتفاقات.
في ضوء هذه الخلفية فإن الهدف الذي نسعى إليه هو محاولة إزالة بعض العتمة وكشف بعض الإضاءات في تاريخ العلاقات بين البلدين، وهنا يحدرنا رايت ملز من "ألا نقع فريسة الأقوال السيارة أو ما تبثه وسائل الاتصال أو حتى آراء أهل السياسة ونظرتهم للقضايا والعلاقات المجتمعية"، فالباحث في علم الاجتماع من المفترض أن يكون قادر على اكتشاف الدلائل والمضامين التاريخية التي تؤدي إلى فهم أعمق لطبيعة العلاقات المجتمعية.
فالبعض قد ينكر أو يستنكر وجود أي علاقات تاريخية بين البلدين، خاصة بأنه لا توجد أي حدود مشتركة بينهما، فضلا عن وجود مسافات شاسعة تفصلهما عن بعض.
لكن سجلات التاريخ وما تم تسطيره كان أكبر من أن يتخطاه البصر، وهذا يعني يمكن أن تكون هناك مفارقات تاريخية كثيرة لايراها البعض.
إن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا هو : هل تعيد تلك الإضاءات التاريخية تشكيل العلاقات المجتمعية بين البلدين ؟
إن التاريخ كما تعلمنا مستودع الأسرار، ومخزن الحكايا والقصص، وهو عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن سبر الحياة ونظر، حيث يقول ابن خلدون إن : "فهم الحاضر لا يتم إلا في ضوء فهم الماضي"، فالعاقل هو من يعِ التاريخ في ممارساته وأعماله، بالتالي سأحاول في هذه المقالة رصد بعض الإضاءات في العلاقات الليبية الاردنية لتبدو الصورة واضحة، عموما ساكتفي في هذا السياق بالتنويه واختصار عدد من المحطات التاريخية المهمة في العلاقة الليبية الأردنية، وهي:
1- اختلطت الدماء الليبية - الأردنية خلال مرحلة احتلال الأيطالي لليبيا سنة 1911م،- وهي فترة صعبة من تاريخ الشعب الليبي- ، حيث شارك نجيب سعد العلي البطاينة، والذي كان من ضمن القوة العثمانية المتواجدة في ليبيا، والتي رفضت الخروج من ليبيا بعد معاهدة أوشي التي وقعت بين إيطاليا والدولة العثمانية، والتي بموجبها انسحبت الدولة العثمانية من ليبيا، حيث كان نجيب سعد البطانية المعروف في ليبيا باسم نجيب الحوارني من ضمن الذين رفضوا الخروج من ليبيا، وشارك في عدد من المعارك مع أبطال ليبيا أمثال : أحمد الشريف، وعمر المختار، وأصبح من ضمن أهم القادة الميدانيين، واستشهد في معركة مسوس، ولمن يريد الاستزادة يمكن الرجوع إلى كتاب أحمد القطعاني بعنوان "من أبطال العرب نجيب بك الحوراني قصة وفاء خالد بين الشقيقيتين ليبيا والأردن "
2- مع استمرار الحرب الليبية الأيطالية التي كانت من أهم تداعياتها نزوح عدد من الليبيين خارج الوطن، حيث تبين لنا سجلات التاريخ بنزوح حوالي 1000 ليبي إلى الممكلة الأرنية خلال الفترة من 1925-1926م بقيادة علي عابدية الزوي، بعدما منعهم الانجليز من الاقامة في مصر، حيث قابلوا الملك عبد الله بن الحسين بناء على توصية من الملك إدريس السنوسي، وطالبوا منه الاقامة في المملكة الأردنية في منطقة المفرق لأن مناخها كان قريباً من مناخ واحة الكفرة.
3- في العام 1928 صدر مرسوم ملكي من الملك عبدالله بتفويض أراض في موقع الفدين إلى بعض اللبيين، وبهذا استوطن عدد من الليبيين في منطقة المفرق، وهم بذلك يعدّون أول من استوطن هذه المنطقة.
4- في العام 1945م أصبح علي عابدية الزوي أول رئيس لبلدية المفرق، ومحمد احميدة الأوجلي وهو ليبي أيضا نائباً للرئيس، واستمر علي عابدية في رئاسة البلدية حتى 15/12/1951، ولمن يريد الاستزادة يمكن مراجعة كتاب "المفرق تاريخ صحراوي " للكاتب فائز محمود.
5- أهم العائلات الليبية التي استوطنت مدينة المفرق حسب دراسة للدكتور عبد القادر الحصان هي : عائلة محمد الأوجلي، عائلة آل الشريف، وعائلة عبد السلام الأدهم ، وعائلة حسن غالب الكريتلي وعائلة محمد هاشم الهنداوي، وعائلة المكي أحمد النائلي، وعائلة محمد المبروك الجهمي.
على القارئ بعد أن أحاط بهذه المحطات السريعة أن يُدرك بأنها ليست بحاجة إلى أيّ توضيح، فهي في مجملها تكشف لنا لمحات تاريخية يصعب أهمالها، فهي تقول لنا في عموم تلك المحطات بأن المحن وحدت الشعبين وعظمت القيم الأخوية الموجودة في أعماق كل منهم، فصار الوجع واحد، والانتصارات والاحفاقات واحدة، وهذا يعني بأنه هناك مشاعر أو عواطف مشتركة لا يمكن تجاهلها، وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى كتابة مثل هذا التاريخ (الذي يجمع ولا يفرق)، بل أدعو كل المختصين في علم الاجتماع والتاريخ، إلى وقفة جادة للتدبر والتركيز على مثل هذه المحطات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والكشف، وأن نتلمس عرى تلك الصلات الأخوية والروابط الروحية التي تجمع بين البلدين في مواجهة الاخطار الخارجية، ومعني هذا ببساطة شديدة أن أي بوصلة لا تشير إلى قوة ومتانة العلاقات الأخوية بين البلدين ستكون بوصلة عمياء.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World