الشخصية المصرية بين السلبية والتدين

محمد فُتوح
dr_monahelmy@yahoo.com

2022 / 4 / 26

الشخصية المصرية بين التدين والسلبية
-----------------------------------------------
يعد جمال حمدان ، من الباحثين ، الذين يتسمون بالجدية ، والتفانى فى البحث والتنقيب ، والغوص فى أغوار وأعماق الشخصية المصرية . لقد ربط بين هذه الشخصية فى ملامحها وصفاتها من ناحية ، وبين جغرافية الأرض المصرية من ناحية أخرى . الجغرافية المصرية ، التى يرتسم على خريطتها ، النيل الذى يتهادى من الجنوب إلى الشمال ، والصحراء المنبسطة الشاسعة . لقد وضع حمدان يده ، على عدة ملامح هامة ، للشخصية المصرية ، سوف أتناول منها ثلاثة ملامح . وهى ، التدين ، والاعتدال ، والسلبية .
هذه هى بعض ملامح الشخصية المصرية , ومرتكزاتها منذ زمن بعيد . فهل طرأ على هذه الصفات ، بعض ملامح التغير والتبدل ؟ . أم أن هذه الصفات ثابتة لا تتغير ؟.
إن التدين ، يكاد يكون الصفة المهيمنة والمسيطرة ، على الشخصية المصرية ، منذ الفراعنة وحتى الآن . فالحياة تصبح عبثية , خالية من المعنى ، بدون اعتناق دين من الأديان .
فكانت الآلهة ، تتمثل فى بعض مكونات طبيعية ، كالشمس ، والقمر ، وفى سلطة الفراعنة. ثم كانت اليهودية ، والمسيحية والإسلام . والملمح السائد ، والذى لا يمكن ، تجاهله بأى حال من الأحوال ، هو المبالغة فى هذا التدين ، والذى تحول منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين , إلى نوع من الهوس الدينى ، لأن التدين قد تحول إلى الاهتمام بالشكل وليس إلى الجوهر والمضمون . فالزبيبة تُطبع على الجبهة ، دليلاً على الصلاح وكثرة الصلاة . ومكبرات الصوت الصاخبة فى الجوامع والمساجد ، تسمع القاصى والدانى ، وتزعج وترهب اناس فى بيوتهم .
فى المواصلات العامة ، وخاصة المترو ، ترى المصاحف مزروعة فى الأيدى والأعين ، مثبتة على الأحرف الصغيرة ، فتتحرك الشفاة ، ليخرج الصوت ، بقراءة غالباً ما تكون سريعة الإيقاع .
وهناك مَنْ يبالغ فى طريقة القراءة فيرفع صوته عالياً ، ويصدح بنغمات أغلبها نشاز تؤذى الأذن والروح . ولا أحد يستطيع أن يطلب منه القراءة فى صمت ، إلا سيحدث النقاش المتكرر الذى سمعه أغلبنا للمرة الألف ، وقد يتحول النقاش إلى صدام وعراك .
وهناك التقنية الحديثة ، حيث القراءة بواسطة الموبايل . ولا أعرف كيف يستطيعون التركيز والفهم والانصات لأيات القرآن فى وسط الأزدحام ، والأصوات المتداخلة للركاب ، والضوضاء المرتفعة ، التى تفقد أى شخص تركيزه وهدوءه !.
المستشفيات ، وأغلب عيادات الأطباء ، والمصالح الحكومية , هى أيضاً تعج بضجيج القنوات الدينية منذ أن تفتح أبوابها إلى أن تغلقها .
المرضى ، الذين هم فى أمس الحاجة إلى الهدوء ، يجدون أنفسهم عرضة للضجيج ، الذى تم تقنينه عرفياً تحت اسم الدين .
فى الميكروباصات ، وسيارات الأجرة ، وغير الأجرة ، أنت مضطر إلى أن تسمع المحطات الدينية ، أو الشرائط التى تصرخ لترشدنا إلى الهداية والفضيلة . و إذا طلبت من السائق ، أن يخفض الصوت ، أو يغلقه ، ينظر إليك شذراً أو يغلق الصوت متبرماً أو يتهمك بالكفر ويطلب منك النزول .
ولا يمكن أن نغفل ظاهرة تحجيب فتيات ونساء مصر ، حتى أصبح الحجاب فى الفكر السائد ، فرض واجب ، كأنه ركن جديد من أركان الاسلام الأساسية التى تعتمد الفتاة أو المرأة " مسلمة ملتزمة ". مع ان قراءة التاريخ تقول لنا أن الحجاب ليس له أصل دينى ، وهو " عادة وليس عبادة " . حتى هذه المصطلحات الغريبة العنصرية التى تقسم الفتيات والنساء , مثل " المسلمة الملتزمة " , لم يعرفها المجتمع المصرى الا فى منتصف سبعينات القرن الماضى , مع اطلاق المتأسلمين على حياتنا .
" أسلمة مصر " ، هذا ما حدث ، وما زال يحدث .
أشكال نراها يومياً من التدين الشكلى ، وآليات الارهاب الذى ابتدعه الاسلام السياسى . الدليل على غياب التدين الحقيقى ، أن جوهر كل الأديان ، يدعو إلى الإيجابية والنطق بالحق أمام كل الأفعال المؤذية للناس .
لكننا نجد مع تضخم التدين الشكلى ، تضخم آخر مناسب له ، ألا وهو السلبية المفزعة ، وعدم التدخل للوقوف مع صوت العقل والحق والعدالة . وكذلك مع التدين المتضخم الشكلى ، زادت نسب التحرش والعنف والجرائم الغريبة عن المجتمع المصرى.
إن السلبية المتضخمة الممتزجة بازدياد العنف فى درجاته وأشكاله المختلفة , هى بالضرورة ، الوجه الآخر للتدين المتضخم الشكلى الذى اخترق جميع خلايا الجسد المصرى .
من كتاب " استلاب الحرية باسم الدين والأخلاق " 2009



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World