الديمقراطية في العراق ... ديمقراطية مأزومة

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 4 / 4

يشهد العراق أزمة سياسية لم يشهد لها مثيلا منذ إنبثاق نظامه السياسي الجديد في أعقاب غزوه وإحتلاله عام 2003, تمثلت الأزمة بإنقسام حاد بين أحزابه وكتله السياسية المؤتلفة سابقا ضمن مجاميع أثنية وطائفية خاصة بكل منها , متخذة منها قاعدة للتفاوض مع المجاميع الأخرى عند تشكيل الحكومات في أعقاب كل عملية إنتخابية حسب إستحقاق كل منها بموجب عدد المقاعد النيابية التي تحصل عليها, وفقا لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية الذي إعتمدته سلطة الإحتلال الأمريكي منذ العام 2003 ,متخذين من مقاعدهم النيابية سلما للوصول إلى المناصب الحكومية العليا وجني مغانم السلطة , وليس لتمثيل ناخبيهم في مجلس النواب والسعي لتلبية إحتياجاتهم المشروعة وضمان حقوقهم, إذ ما زالت مدنهم وقراهم تعاني الأمرين من سوء الخدمات والفقر وشظف العيش .
وقد تبنت هذه الكتل والأحزاب مفاهيم غريبة ومختلفة عن مفاهيم الديمقراطية المتداولة في دول العالم الأخرى, منها مثلا أن إنتخاب الأشخاص لعضوية البرلمان, تعني في نظرهم أحقيتهم بالمشاركة في الحكومة وجني إمتيازاتها وإقتسام مغانمها وكأنها ملكيىة موروثة إليهم, وتوظيف مؤسساتها لمنفعة أتباعهم ومؤيديهم بحق أو بدونه , ولا تعنيهم مصلحة الشعب أو في الأقل مصلحة من أوصلوهم إلى مجلس النواب لا من قريب ولا من بعيد , وإلاّ كيف نفسر محرومية مدنهم ومناطقهم من أبسط الخدمات , ومعاناة سكانها من الفقر والعوز والجوع, لدرجة أنها تصنف اليوم بأنها أسوء مناطق العراق وأكثرها فقرا وتخلفا , على الرغم من تولي هؤلاء القوم زمام السلطة نحو عشرين عاما . والغريب أن هؤلاء النواب يتمتعون بإمتيازات لا يتمتع بها أقرانهم في أي بلد من البلدان , منها أنهم يعتبرون موظفين بدرجة وزير ويتمتعون براتب وزير ومخصصاته ويمنحون رواتب تقاعدية وفقا لذلك, علما أنهم ليسوا موظفين في الجهاز الحكومي قط ,فقد يكون بعضهم أصحاب أعمال أو مهن حرة , وهم ليسوا معينين لأداء وظائف حكومية , بل ممثلين منتخبين لعضوية مجلس النواب لمدة محدودة , أعضاء في السلطة التشريعية إحدى سلطات الدولة الثلاث المستقلة عن بعضها البعض الآخر ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) . بينما المتعارف عليه في دول العالم الأخرى ومنها العراق سابقا , تقاضى النواب مخصصات معينة طيلة إشغالهم عضوية مجلس النواب , ويتوقف صرفها بأنتهاء عضويتهم ألنيابية والعودة إلى أعمالهم السابقة وتقاضي مستحقاتهم وفقا لوظائفهم السابقة إن كانوا موظفين في الدولة .
ومن المفاهيم الغريبة في الديمقراطية العراقية الراهنة, أن الأقلية النيابية يمكن أن تعطل إرادة الأغلبية النيابية , خلافا لمفهوم الديمقراطية الذي يعني في أبسط صوره تغليب رأي الأكثرية بإتخاذ القرارات ,مع ضمان حق الأقلية بإبداء الرأي والمعارضة . وبذلك فقدت الغالبية السياسية قيمتها حيث أنها أصبحت رهينة لإرادة الأقلية , أي أن الديمقراطية إنقلبت رأسا على عقب. وهنا نتساءل والحالة هذه كيف يتسنى لمن فازوا بأكثرية مقاعد مجلس النواب, تنفيذ برامجهم التي وعدوا ناخبيهم بتنفيذها , إذا كان خصومهم يملكون القدرة على تعطيلها ما لم يتم تنفيذ رغباتهم بالمشاركة معهم في السلطة وتقاسم مغانمها,على وفق نظام المحاصصة الطائفية والأثنية الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه من فساد ونهب للمال العام وسوء إدارة وتردي خدمات وفقر وجوع وإنهيار قيمي وأخلاقي في جميع المجالات , وبخاصة أن المشهد السياسي العراقي( بمواليه ومعارضيه) لم يشهد وجوه جديدة عما سبقه, وبذلك لا تصبح هناك قيمة للفوز بأغلبية مقاعد النواب من عدمه طالما أن جميعهم يتقاسمون كعة الحكم فيما بينهم , سوى أن حصة الفائز ستكون أكبر من سواه.
ومن مفارقات النظام الديمقراطي العراقي , أن إقرار الدستور أو تعديله ( الذي تشتق منه القوانين التي تنظم شؤون البلاد وتسيير أمورها) , يشترط أن يتم ذلك عبر إستفتاء شعبي يضمن حصول موافقة غالبية السكان, وعدم معارضة سكان ثلاث محافظات من إجمالي عدد محافظات العراق البالغ (18) محافظة ,بصرف النظر عن الحجم السكاني للمحافظات , وبذلك تتساوى محافظة بغداد التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من عشرة أضعاف محافظة دهوك أو المثنى أو صلاح الدين , بينما يعتمد ألأستفتاء على أصوات الأفراد , فهذه قسمة ضيزى ما أنزل الله بها من سلطان . ومرة أخرى تعطل إرادة غالبية سكان المحافظات من قبل سكان ثلاث محافظات قد لا يمثل عدد سكانها خمس عدد سكان العراق .
لم يوضع هذا الشرط إعتباطا و إنما أريد به تكريس نظام سياسي يقوم على أساس محاصصة طائفية وأثنية , بدعوى ضمان عدم هيمنة طائفة معنية أو أثنية معينة بسبب كثرتها العددية , على الطوائف والأثنيات الأخرى الأقل عددا . يمثل الرقم السحري (3) , المحافظات الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك ذات الغالبية السكانية الكردية , كما يمثل المحافظات الثلاث نينوى وصلاح الدين والأنبار ذات الغالية السكانية السنية , أي إشترط التوافق الطائفي والأثني لا على الصعيد السكاني في عموم العراق , بل على الأساس المناطقي في المحافظات التي يمكن أن تشكل فيما بينها أقاليم أو كيانات خاصة بها إذا ما إستشعرت أن هناك ثمة خطر يهدد مصالحها وهو ما تلوح به بعض الجماعات بين الحين والآخر , أي بإختصار دستور ملغوم بمفخخات يمكن تفجيرها متى ما شاء أصحابها بدعوى الإقصاء والتهميش , والسعي لتقسيم العراق إلى كانتونات ودويلات تتحكم بها قوى خارجية .
ومن المفارقات الأخرى إشتراط إنتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب بأغلبية حضور ما لا يقل عن ثلثي أعضائه , وفوزه بحصوله على ثلثي أصوات المجلس . وهذه بدعة فريدة من نوعها , إذ تعقد المجالس عادة ويكتمل نصابها بأغلبية بسيطة لعدد أعضائها , ويفوز المرشحون للمناصب واللجان بما فيهم رئيس الجمهورية بتصويت ما لا يقل عن نصف أعضائه أي بحصوله على الأغلبية البسيطة . وتشترط بعض المجالس حصول مرشح رئاسة الجمهورية على ثلثي أصوات النواب لضمان تأييد واسع له بوصفه رمز السيادة الوطنية وراعي دستور البلاد . وفي حالة تعذر حصول أي مرشح على نسبة الثلثين المطلوبة في الجولة الأولى من التصويت , يعاد التصويت في جلسة أخرى بين من حصل على أعلى الأصوات والشخص الذي يليه مباشرة بعد إستبعاد الآخرين , ويكون الفائز من يحصل على أعلى الأصوات. وبهذه الحالة يحسم الأمر كي لا يدور المجلس في دوامة عبثية مفرغة لامجال للخروج منها . وهكذا تستمر العملية الإنتخابية بسلاسة وإنسيابية عالية لإستكمال تعيين رئيس الوزراء والوزراء .
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى ممارسة الديمقراطية لإختيار أكبر قائد سياسي في العالم بصفته رئيسا للجمهورية ورئيسا لوزرائها وقائدا عاما لقواتها المسلحة , في الولايات المتحدة الأمريكية أعظم دولة في العالم وداعية نشر الديمقراطية في دوله المختلفة بصرف النظر عن دوافعها وأغراضها ,وأن إستلزم ذلك غزو دولها وإحتلالها وفرض حكامها الذين يخدمون مصالحها في المقام الأول . جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2000في تعادل إحصائي بين المرشح الديموقراطي آل جور والمرشح الجمهوري جورج بوش , حصل آل غور على نسبة( 48.4%) من إجمالي عدد المصوتين في الإنتخابات الشعبية ,بينما حصل بوش على نسبة ( 47.9 %) ، ويكون بذلك المرشح الديمقراطي الفائز في الإنتخابات بفارق بسيط جدا بنسبة (0.5%), لكنه أعتبر الخاسر في الإنتخابات حيث يتم اختيار رؤساء الولايات المتحدة من قبل الهيئة الانتخابية ، وهو نظام يتم فيه تخصيص "الأصوات الانتخابية" للولايات بناءً على عدد سكانها, ثم يتم منحها كنسبة مقطوعة للفائز في التصويت الشعبي في تلك الولاية, حيث حصل المرشح الديمقراطي على (267) صوت مقابل (271) صوت للمرشح الجمهوري , وبذلك أعتبر بوش الفائز بهذه الإنتخابات بفارق بسيط من الأصوات لا يتجاوز الأربعة أصوات, على الرغم من حصول خصمه الديمقراطي على نسبة أعلى في تصويت الناخبين, تقبلها المرشح الديمقراطي ولو على مضض , بينما أقام الدنيا ولم يقعدها صغارها الذين جاءت بهم وسلطتهم على حكم العراق , لمجرد خسارتهم في الإنتخابات النيابية بفارق عدد كبير من الأصوات ورفض شعبي أكبر لمجمل العملية الأنتخابية الذي تمثل برفض شعبي واسع من قبل فئات الشعب المختلفة, حيث لم تتجاوز نسبة المشاركين بها ممن يحق لهم التصويت على (25%) في أحسن التقديرات.
كان الأجدر بهؤلاء القوم الذين كانوا يشكون الإقصاء والتهميش أو المظلومية , ممن أتيحت لهم الفرصة لتأسيس نظام سياسي جديد , قيامهم بتأسيس نظام وطني قائم على المواطنة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد بصرف النظر عن العرق واللون والدين والطائفة كما هو مألوف في دول العالم التي إعتمدت نظام الحكم الديمقراطي الرشيد. وبعد مضي أكثر من مضي عشرين عاما وما زال العراق يتخبط في فوضى سياسية عارمة , ما أن يخرج من أزمة إلاّ ويقع في أزمة ألعن منها , يتصارع فيها الكبار صراع الديكة وينهش فيها بعضهم لحم البعض الآخر دون رحمة , والشعب المسكين يتفرج على هذه المهازل المسرحية وكأن لا حول له ولا قوة بذلك , في الوقت الذي يفترض أن يقول لهم كفى , أرحمونا وكفوا أذاكم عنا وإرحلوا بديمقراطيتكم البلهاء إلى ما حيث شئتوا , ليعيش الناس في أمن وسلام .
وفي الختام نقول أن الديمقراطية أسلوب حياة شامل لا يقتصر على عالم السياسة فقط , بل جميع مناحي الحياة يجب أن يمارس في البيت والمدرسة والجامعة وأماكن العمل كافة . وهذا يستلزم نشر ثقافة شعبية واسعة تقوم على إحترام حق الناس بالحياة الحرة الكريمة, وممارسة شعائرهم ومعتقداتهم بكل حرية دون إكراه , بشرط عدم تعكير صفو السلم المجتمعي وعدم إثارة الكراهية والأحقاد والضغائن بين الناس وعدم إزدراء معتقدات الآخرين تحت أي مسمى.ويتطلب نجاح أي نظام سياسي ديمقراطي, توفير البيئة الآمنة أولا وقبل كل شيئ, وقدر معقول من الحياة الكريمة التي توفر لقمة العيش بحدها الأدنى في الأقل , ذلك أن البطون الجائعة تسعى أولا لتأمين حاجتها الأساسية التي تؤمن لها الحياة , كما يتطلب توفير ألأدوات اللازمة لتنفيذ النظام الديمقراطي بموضوعية وقدر عال من الشفافية وتقبل نتائجه فوزا أو خسارة , وإلاّ لن يكون هناك معنى للتبادل السلمي للسلطة ما لم تقترن الأقوال بالأفعال .
ومشكلة النظام السياسي القائم في العراق, أنه جاء من رحم الإحتلال بولادة عسيرة في ظروف أمنية عاصفة , وعدم وجود أدوات مؤمنة حقا بالديمقراطية سوى أنها وسيلة للإستحواذ على السلطة وكسب مغانمها , لذا جاءت بنموذج ديمقراطي مشوها ومأزوما , لم يجن منه العراق وشعبه سوى المزيد من الويلات والنكبات.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World