قراءة نقدية لرواية مزرعة الحيوانات ل جورج أورويل

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2022 / 4 / 1

حسين سالم مرجين - سالمة إبراهيم بن عمران

• أصدر الصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين رواية موسومة بعنوان "مزرعة الحيوانات". وقد قامت دار الشروق بالقاهرة سنة تسع وألفين إعادة نشرها، وترجم الرواية شامل أباظة تحت مراجعة ثروت أباظة.
• تقع الرواية في حوالي مئة وعشرين صفحة، وتتناول دور الحركات الاجتماعيّة التي تُطيح بالحكومات الاستبدادية، إلّا أنّ هذه الحركات في نهاية الأمر حسب وجهة نظر الكاتب ستؤول إلى استخدام نفس أساليب الحكومات الاستبدادية؛ من أجل المحافظة على السلطة.
• يتقاطع أسلوب الكاتب مع أسلوب عبدالله بن المقفع ـ العصر العباسي ـ في كتاب كَلِيلَة ودِمْنَة، والذي تضمّن عددًا القصص عن الحيوانات، إلى جانب المواعظ والحكم، وعلاقة الحاكم بالمحكوم.
• يُقسّم جورج أورويل الرّواية إلى عشرة فصول، وقد بيّن أولا كيفية مرحلة استبداد الإنسان إلى مرحلة إعداد الثّورة، ومرحلة الثورة إلى مرحلة استبداد الحيوان بالحيوان ثانيًا.
• وتتضمن الرواية مجموعة من الإشارات، حيث إنها تحمل دلائل رمزية، وقد نجح الكاتب في تصويرها بأسلوبه المشوّق، ورؤيته الثاقبة، وقد تجسّدت في إسقاط تفاصيل ومشاهد روائية على الواقع المُعاش، خاصةً في المجتمعات ذات الأنظمة الشمولية، مفسّرا محطات متعددة من الرواية، ومشيرا إلى الحاكم المستبد، ومسلطا الضوء على التفكير في الثورة، والحماس لها، ويتطرق إلى الحاكم المنتصر، ويشير إلى سرقة الثورة، أو ما يسمى بالثورة المضادة، وكيف تكون ذاكرة الشعوب ضعيفة، وكيف يستغل الحاكم الجاهلين من شعبه، وكيف يقوم بإيهامهم بوجود أعداء بالخارج، وخونة ومندسّين في الداخل، وكيف تتم إعادة صناعة الدكتاتور، وتأليه الحاكم بواسطة الإعلام، وكيف يعمل الحاكم على جعل الشعب منشغلاً بالحصول على لقمة عيشه مع عدم تفكيره في ما هو أبعد من ذلك، وخلق شعور مستمر لديه بعدم الأمان الذي لن يتحقق إلا في ظل الحاكم الإله، وكيف يقوم الحاكم بخداع الشعب؛ لتحقيق مصالحه الخاصة وحمايته .
• ويمكن لنا ونحن نقرأ الرواية أن نقارن بين شخصياتها وأحداثها مع شخصيات وأحداث مشابهة الآن، حيث تحكي الرواية عن مجموعة من الحيوانات تعمل في مزرعة يُديرها إنسان دكتاتوري مستبد، ومهمل في عمله، فضلاً عن كونه في كثير من الأحيان يترك إدارة المزرعة إلى المعاونين الذين يعاملون الحيوانات بقسوة، فيتركونها في بعض الأحيان تتضوّر جوعًا، وفي ظل هذه الوقائع برزت أفكار الثورة، والحاجة إلى إحداث ثورة داخل المزرعة، فتقوم الخنازير وفقًا للرواية بعمليات التأطير الفكري للثورة، حيث يتم عقد اجتماعات للحيوانات؛ بهدف توعيتهم بأهمية الوقوف في وجه القمع والاستبداد.
• وقد طرح كبير الخنازير عددًا من التساؤلات والإجابات، أهمها: "هل كُتب علينا الاستسلام لهذه الأوضاع على أنها من طبائع الأشياء؟، حيث يوضّح بأن "الإنسان هو عدونا الأوحد، والأزلي فإذا ما استبعدناه من طريقنا فإننا نكون بذلك قد محونا الجوع والعبودية إلى الأبد! ".
• لكن الكثير من الحيوانات لم تفهم المعاني المقصودة من حديث كبير الخنازير عن أفكار الثورة، كما أنها لم تُفلح في فك شفرة تلك المعاني؛ نتيجة للجهل المستشري في أوصال المجتمع الحيواني، وبالتالي ما بقي في أذهانهم من ذلك الحديث هو مجرد أحلام لطالما انتظروها.
• ومع استمرار سياسات الاستبداد، وانعدام العدالة الاجتماعية، تقوم الحيوانات بانتفاضة (حيوانية) ضد مالك المزرعة (الإنسان)، حيث تقوم بطرده وعائلته من المزرعة، وهنا يقول الكاتب: "وفي وحدة القصد انقلبت الحيوانات على جلاديها تركلهم، وتعضّهم حتى أُفلت الزمام من أيدي الرجال الذين لم يعرفوا من قبل سابقة لهذه الظاهرة"، وبالتالي "توقفوا عن الدفاع عن أنفسهم، وانتابهم رعب شديد وهرعوا إلى خارج المزرعة "، ومن ثم "أيقنت الحيوانات بأنّ الثورة نجحت، وأصبحت المزرعة ملكاً لها ".
• دخلت الحيوانات قصر الإنسان، وهي تخشى المجهول الذي يتربّص بها، وتتهامس بإعجاب مما تشاهده من مظاهر الأبهة والترفّ، لكنها اتفقت فيما بينها على ترك القصر كمتحف لا يليق بالحيوانات سكناه.
• استيقظت الحيوانات منذ الفجر، وهي سعيدة بحريتها الجديدة؛ كونها أصبحت مالكة للمزرعة، وبعد الانتهاء من نشوة الانتصار يتبيّن للحيوانات بأنّها قد تكون غير قادرة على إدارة المزرعة بالشكل المطلوب، فهي لا تملك خطة واضحة لإدارة المزرعة، وهنا اقتنص خنزيران حالة عجز الحيوانات، وجهلهم، وعدم التخطيط المدروس لما بعد الثورة؛ ليقفزا على ظهر الثورة، ويصبحان بمرور الوقت منظّرين لهذه الثورة.
• يقوم الخنزيران – المنظّران- بوضع عدد من الوصايا التي ينبغي أن تسود المجتمع الحيواني الجديد، وطلبوا من باقي الحيوانات ألّا ترهق نفسها في التفكير، فالتفكير سيكون من مهام الخنازير، وتمّ الاتفاق على عدد من الوصايا، والتي ستكون نبراسًا لهذا المجتمع الحيواني الجديد، وهي:

1- كل من يمشي على رجلين اثنتين إنما هو من الأعداء.
2- كل من يدبّ على أربع، أو له جناحان إنما هو من الأصدقاء.
3- غير مسموح للحيوانات بارتداء الملابس.
4- غير مسموح للحيوانات بالنوم على الأسِرة.
5- غير مسموح للحيوانات بشرب الخمر.
6- على الحيوان ألّا يقتل حيوانًا آخر.
7- كل الحيوانات سواسية.
• تمّ إرساء قاعدة جديدة في هذا المجتمع (الحيواني)؛ وهي أنّ التفكير، ورسم سياسة إدارة، وتنظيم المزرعة سيكون من اختصاص الخنازير، في حين أنّ باقي الحيوانات سيكون مهامها العمل في المزرعة بكل جدّ ونشاط، وهذا الأمر – حسب وجهة نظر الخنازير - لا يُعدّ أنانية من قبل الخنازير، وفي حال فشل الخنازير في إيجاد الحلول والمعالجات، فهذا يعني عودة الإنسان المستبد إلى إدارة المزرعة، بالتالي ستعود الحيوانات إلى مرحلة الاستبداد، وربما بشكل أشد قسوة.
• تمّ شطب اسم المزرعة القديم؛ ليكون اسمها الجديد "مزرعة الحيوانات"، وتنخرط كل الحيوانات في العمل كلاً وفق طاقته، ويُوضّح الكاتب أنّ الحيوانات في العهد الجديد كفّت عن السرقة، وامتنعت عن الشكوى من مقرراتها الغذائية، وكذلك كفّت عن العراك والغيرة التي كانت تسود المزرعة في عهدها البائد، وقد كانت الخنازير تُطلق صيحات التشجيع على الاستمرار في العمل؛ من أجل زيادة الإنتاج.
• شكّلت الحيوانات عددًا كبيرًا من اللجان؛ لتصريف شؤون المزرعة، لكن هذه اللجان لم تحظَ بالتوفيق في أعمالها، وتمّ اختصار الوصايا السبع – نتيجة لجهل الحيوانات، وعدم قدرتها على التعليم - إلى جملة واحدة وهي " ذوات الأربع أخيار! ذوو القدمين أشرار! ".
• وقد برز نزاع وخلاف بين الخنزيرين حول كيفية إدارة وتنظيم المزرعة، إذ أصبح كلاً منهما يتربّص بالآخر، وكان لكل واحد منهما أتباع يناصرونه، ويتمكن أحدهما من التغلّب على الآخر، بحكم قيامه بتجهيز نفسه لمثل هذا الموقف، حيث قام بتعليم وتجهيز عدد من الجراء؛ لتكون سنده في وقت الشدة، وبذلك حدث تفاوت في موازين القوة بين الطرفين، وتمّت السيطرة على زمام المبادرة في المزرعة من قبل ذلك الخنزير.
• يقوم الخنزير المنتصر بمعية – أتباعه - بضخّ جرعات كبيرة وقوية من العنف المادي، وحتى الرمزي، فيتم قتل عدد من الحيوانات الرافضة، أو المستاءة من تفرّده بالسلطة.
• منذ صعود الخنزير (المنتصر) إلى سُدة الرئاسة، بدأت سياسة تقليص الحريات، والتضييق على حق التعبير الذي فتحته ثورة الحيوانات على الإنسان، فيتم إقصاء أصوات كل الحيوانات، ويُختزل صوتها في صوت وفكر الخنزير (المنتصر)، الذي أصبح يُلقب بالزعيم، والذي تُدار المزرعة من خلال فكره الأوحد.
• يقوم الخنزير المنتصر (الزعيم الجديد) بالاستئثار بالسلطة، من خلال تطبيق سياسة التجهيل، فهي الطريق نحو استمرار حكمه، وسيطرته على المزرعة، حيث أقنع الحيوانات بأن النظام الحديدي المعمول به هو السند الحقيقي لحماية المزرعة من أيّ أعداء محتملين، وأصبح شعار أتباع الزعيم هو "الزعيم دائماً على حق".
• وتقوم السلطة الجديدة بتحريف، وإقصاء أحداث ووقائع تاريخية، فضلاً عن تمجيد وقائع تاريخية خاصة بالزعيم، كل ذلك بدعم وتواطؤ عدد من الأتباع، الذين يرون أن التغيير الذي قام به الزعيم قد غيّر مسار المزرعة، في محاولة منهم لاسترضاء الزعيم، ودغدغة عواطفه .
• أصبحت هناك برامج وأنشطة إعلامية موجّهة تمجّد الزعيم، فهو الذي يمتلك مهارات التفكير والتكتيك المُعقّد، ولديه أكثر بكثير مما يراه الآخرون على السطح، من ثم فهو على الصواب دائماً، وبهذا حسب وجهة نظر الكاتب أصبح الزعيم أكثر تقديساً، وأمام كل هذه المحددات الجديدة في شخصية الزعيم لم يكن أمام الحيوانات من سبيل إلا الاقتناع والقبول به .
• قام الخنزير (المنتصر) بوضع هدف أمام الحيوانات، وهو السعي الحثيث لبناء طاحونة هواء، حيث طلب من الحيوانات كافةً العمل بكل جدٍ ونشاط؛ من أجل إنجاز هذا الهدف، وتغيير أوضاعها الاقتصادية، وأصبح الزعيم يرى دومًا وجود مؤامرات خارجية تُدبر ضد هدف إنجاز الطاحونة لا يراها الآخرون، وعلى الحيوانات الاستمرار في البناء، وعدم تعطيل هذا المشروع التنموي للمزرعة، بمعنى ظهور دولة جديدة تتوزع فيها الأدوار كلاً حسب قدرته على التفكير والعمل.
• بدأ سكان المزرعة ببناء الطاحونة وسعى (الحصان بوكسر)؛ للعمل بجد ونشاط؛ للإسراع والانتهاء من بنائها، وكانت نهايته تعيسة مؤلمة، فدائمًا هناك ضحايا في الثورة يصعد على ظهورهم المستفيدين الذين يزجون بهم في خندق الصراع والحرب، ودائمًا هناك من يضحي بحياته؛ لأجل أن تحقق الثورة أهدافها.
• أصبحت غاية الزعيم هي بناء مجتمع حيواني يُدين له بالولاء المطلق، بالإضافة إلى تشكيل درعًا حيوانياً له في حال حدوث أيّ أزمات في المزرعة.
• يُوضّح الكاتب بأنّ الزعيم قد اتجه نحو أبناء جلدته من الخنازير، حيث ازداد نفوذهم والاعتماد عليهم بشكلٍ خاص، في دعمه ومساندته في السلطة من منطق الموالاة، فتمّ الإغداق عليهم بالعطايا، وتلبية جميع رغباتهم، وأصبحوا يمارسون الفساد، ونهب خيرات المزرعة، في حين كانت كل الحيوانات تلتزم الصمت المطبق، وهذه المعطيات هيّأت الأرضية الحاضنة لبروز المجتمع الحيواني الخاضع.
• يُبين الكاتب أنه مع مرور الوقت لم يبقَ من الوصايا السبع التي تمّ الاتفاق عليها سوى وصية واحدة، وهي أن " كل الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواةً بعضها لبعض "، هذه الاستعارة اللامعة التي ذكرها الكاتب تبيّن أن التغيير غير المخطط سيقود لا محالة إلى الاستبداد.
السؤال المطروح هنا: ماذا يُريد الكاتب من هذه الرواية؟
• من خلال قراءتي للرواية لاحظت أن الكاتب يريد القول بأنّ الثورات التي تدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية، والتي تفتقر إلى وجود خطط واضحة لتحقيق ذلك ستفتح الطريق لمرحلة جديدة تكون أكثر استبدادًا من المرحلة السابقة، وبذلك فإن الرواية تعكس الآمال العريضة للشعوب الطامحة للتغيير بدعوى الاستقرار والمستقبل المشرق، وفي ذات الوقت تحمل معها خيبة الأمل التي تصيب الحالمين بذلك التغيير، وهذا يعني أنّ الرواية تكشف حقيقة جد مهمة، وهي أن الشعوب لم ولن تتعلم؛ فهي تُعيّد صناعة الدكتاتور في كل مرة تُعلن فيها الثورة والتغيير.
• كما اتفق مع الكاتب أيضًا في تأكيده على أزمة الجهل والتجهيل، وأنه كلما كان الفرد جاهلاً كان سهل على الحاكم أن يفعل فيه ما يشاء دون أن يناقش أو يُعارض؛ فالجهل والتجهيل المقصود لأفراد المجتمع، فضلاً عن الإعلام الموجّه والمؤثّر يُسهل عملية التحكم والتأثير في عقول أفراد المجتمع، وكل ذلك سيقود بمرور الوقت إلى خلق بيئة داعمة للاستبداد، والحكم الفردي.
• كذلك فإن غياب المعرفة التي تُمثّل السبيل؛ لتحسين الفكر وتطويره يعدُّ سببًا للانقياد، والخضوع، والخنوع، والاستسلام للحكام، وتقديم الولاء والطاعة لهم، وبحسب الرواية من يعمل دون أن يفكر هو جاهل، ومن يعمل فقط ليحكم الرئيس دون مناقشة أو مجادلة فهو جاهل أيضًا، ومن كان يعمل ظنًا منه أنه يحقق مبادئ الثورة في الوقت الذي ينفرد فيه الحاكم بالسلطة لتحقيق مصالحه الخاصة فهو جاهل.
• عمومًا، الرواية رائعة، وقد تميّزت بالبساطة في السرد، وجاءت قوية في التشبيه والدلالات، وجسّدت واقع الحياة بصورة حية لمزرعة الحيوانات.
• فالرواية بشكلٍ عام عميقة ومعبّرة عن الأحداث والتغيرات السياسية الحاصلة في العديد من دول العالم، والممتع في قراءتها هو ربطها بالواقع الذي نعيشه.
• وما حدث في مزرعة الحيوانات يشبه إلى حد كبير ما نراه في حياتنا اليومية؛ فالفساد، والتخريب، والظلم متجذّر في نفوسنا حتى وإن كنّا ندّعي حبّ الخير، والعدل، والأمانة.
• وقد وضّحت الرواية إلى جانب ما سبق الملامح الأساسية لأغلب الثورات في العالم، التي تتميز في بدايتها بالحماس للوصول إلى النهاية المؤلمة التي تعود بنا من حيث بدأنا كالمعاناة، والظلم، والقهر، والاستبداد، والفساد.
• وأخيرًا ربما تتجه الرواية من ناحية أخرى إلى الاستهزاء والتهكم ضد أي تغييرأو ثورة قد تحصل في أيّ مجتمع، بالتالي يعد هذا العمل في أحد أبعاده هو توظيف اللغة الأدبية للقتل المعنوي والرمزي لأي ثورة قد تحدث في العالم، فالاستهزاء ضد أي تغيير أو ثورة سيكون هو الصدأ الذي سيقضي عليها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World