عالم ما بعد غزو أوكرانيا

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 3 / 14

إبتداء نقول أن غزو روسيا لأوكرانيا عملا مستهجنا , ربما ما كان له أن يكون, لو أن جهدا دوليا دبلوماسيا حقيقيا قد بذل, وبخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمالي حلف الأطلسي , لتبديد المخاوف الأمنية الروسية حقيقية كانت أو وهمية , المتمثلة بسعي أوكرانيا المحموم للإنضمام إلى دول حلف شمالي الأطلسي, وبخاصة أن لروسيا بأوكرانيا روابط وعلاقات أثنية وثقافية ودينية عميقة تمتد لمئات السنين, حيث كانت مدينة كييف عاصمة أوكرانيا الحالية عاصمة لروسيا ,قبل أن تصبح موسكو عاصمتها الحالية عند تأسيس الأتحاد السوفيتي المنحل . ونقول أيضا أن من حق أية دولة مستقلة إنتهاج السياسة التي تراها مناسبة لشعبها , وإقامة العلاقات مع الدول على أساس المنافع والمصالح المتبادل , بما في ذلك إبرام الإتفاقات وإقامة القواعد العسكرية في أراضيها ,والإنضمام إلى الأحلاف العسكرية الإقليمية أو الدولية لضمان أمنها بالطريقة التي تراها مناسبة , إلاّ أن ذلك لا يمنعنا من القول أنه كان على أوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف شمالي الأطلسي, بذل جهودا دبلوماسية أكبر لتبديد المخاوف الأمنية الروسية, في ضوء العلاقات المتدهورة أصلا بينهما , حيث تشهد أوكرانيا حربا أهلية دامية منذ عدة سنين في بعض أجزائها , من قبل سكانها الناطقين باللغة الروسية , والمطالبين بنوع من إدارة الحكم الذاتي.
لم تعارض روسيا إنضمام دول حلف وارشو الذي كان يقودها الإتحاد السوفيتي ويضم دول أوربا الشرقية , والذي إنهار بنهاية عقد الثمانينيات من القرن المنصرم, عند إنهيار الإتحاد السوفيتي , لحلف الأطلسي على الرغم من أن ثمة أملا كان يسود العالم يومذاك بإنتهاء عصر الأحلاف العسكرية وقيام عالم خال من التوتر والصراعات والحروب , يسود فيه السلام وتنعم فيه الشعوب بجريتها وتفض نزاعاتها بالطرق السلمية ,على وفق مبادئ أحكام الدولي لا فرق بين قوي وضعيف , إلاّ أن شيئا من ذلك لم يحدث إذ تزايدت الصراعات وكثرت الغزوات وسادت شريعة الغاب بفرض إرادة القوي على الضعيف بالحق أو بالباطل وغالبا ما كانت بالباطل , والأمثلة على ذلك كثيرة منها غزو أفغانستان والعراق وتدمير سورية واليمن وليبيا وإسقاط حكومات بلدان كثيرة , ناهيك عن ما يحدث في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة من مجازر بين الحين والآخر على مرأى ومسمع العالم أجمع, دون أن يكترث لها أحدا وغيرها الكثير الكثير في أرجاء العالم المختلفة .
نعود ثانية للتداعيات المتوقعة جراء غزو روسيا لأوكرانيا أيا كان فيها المنتصر أو المهزوم , نقول أن أولى هذه التداعيات أن هذا الغزو قد عزز الشعور لدى حكومات بعض دول العالم في السر والعلن, بضرورة إمتلاكها السلاح النووي وبعض أسلحة الدمار الشامل الرخيصة الكلفة والسهلة التحضير, دون أن يتمكن أحد إكتشافها , بوصفها أسلحة فعالة لضمان أمنها الوطني بوجه خصومها, كما فعلت روسيا عند غزوها أوكرانيا بوضع أسلحتها النووية موضع الجهوزية التامة , الأمر الذي أضمن لها كبح أية محاولة أمريكية أو أطلسية أو حتى مجرد التفكير بمواجهة روسيا عسكريا في أرض المعركة الأوكرانية , والإكتفاء بسلاح الحصار الإقتصادي لروسيا الذي كانت تتبعه الولايات المتحدة ضد الدول الأخرى جنبا إلى جنب حروبها العسكرية, كما فعلته بغزوها العراق عام 2003 وحروبها معه طيلة عقد التسعينيات من القرن المنصرم , بينما لم تلوح بالصدام المسلح ضد روسيا النووية , وكذا الحال بالنسبة لكوريا الشمالية النووية وبدرجة أقل تجاه إيران المتهمة بتطوير أسلحة نووية. وعلى الرغم من الآثار الوخيمة والأضرار البالغة التي يسببها الحصار للدول , إلاّ أنه أثبت فشله الضريع المرة بعد الألف بإطاحة حكومات أي من البلدان التي فرض عليها الحصار, كما هو الحال في كوبا والعراق وإيران وفنزويلا وغيرها.
ومن تداعيات الغزو المتوقعة عودة الإحلاف العسكرية وتصاعد حدة الصراعات الدولية , ربما بصورة أشد مما شهده العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وعودة الحرب الباردة وتزاييد أعمال المخابرات والتجسس وتجنيد المرتزقة والحروب الإلكترونية والمعلوماتية للعبث بأمن الدول الأخرى وتخريب بعض أنشطتها الإقتصادية , وفتح شهية الدول القوية لفرض هيمنتها على الدول الضعيفة عبرغزوها .
نقول يتوهم من يعتقد أن هناك رابحا في هذه الحرب بعد إنتهائها والتي نؤمل أن لا تكون طويلة , إذ سيكون الجميع خاسرون , لكن أوكرانيا ستكون الخاسر الأكبر حتما , حيث جرت المعارك وتجري في أراضيها , تشرد شعبها بحثا عن ملاذات آمنة وتعطلت الحياة فيها وتدمرت بناها التحتية المدنية والعسكرية التي سيكلف إعمارها مليارات الدولارات , والأهم من كل ذلك قتل وجرح الآلاف من أبنائها, وتفرق أبناء الشعب الواحد الذي عاش في كنف وطن آمن آلاف السنين في ود وإنسجام . أما في الجانب الروسي حتى وأن تمكن من إحتلال أوكرانيا بأكملها , فليس من المتوقع أن يكون قادرا على فرض سيطرته عليها لوقت طويل , وهذا ما أكدته وقائع الغزو عبر التاريخ والشواهد هنا كثيرة , يكفي أن نشير إلى تجربة الإتحاد السوفيتي في أفغانستان في عقد السبعينيات حيث خرج مدحورا مذموما منها يجر أذيال الخيبة بعد أن تكبد خسائر هائلة في المال والسلاح بعد طول حرب إمتدت لأكثر من عقد من الزمان , ويعتقد كثيرون أن هذا الغزو قد مهد الطريق لسقوط الإتحاد السوفيتي المدوي أواخر عقد الثمانينيات, لتعيد الكرة الولايات المتحدة الأمريكية بغزوها أفغانستان والعراق مطلع عقد التسعينيات في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول الإرهابية , لتحصد النتيجة ذاتها من الفشل والخذلان في كل من العراق وأفغانستان . وليس هناك ما يدعو للإعتقاد بأن غزو روسيا لأوكرانيا سيكون مختلفا عن أي غزو آخر عبر التاريخ , ما لم يتدارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين( الذي يحاول جاهدا إعادة أمجاد روسيا القيصرية ) تداعيات غزوه بأسرع وقت ممكن وإيجاد تسوية مقبولة مع الحكومة الأوكرانية عبر المفاوضات , وبخاصة أن جميع دول جوار أوكرانيا قد فتحت أبوابها لتدفق السلاح والمتطوعين لحرب عصابات وأعمال تخريبة في أوكرانيا , تماما كما فعلت دول جوار العراق وأفغانستان ولكن بصورة أشد وأكثر فتكا لكونها أكثر تنظيما .
ونأمل أن لا تكون هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية شاهد زور , كما فعلت إزاء العراق بدعواى إمتلاكه أسلحة دمار شامل مزعومة مهدت للولايات المتحدة الأمريكية غزوه وإحتلاله عام 2003 , ثبت للقاصي والداني زيفها وبطلانها , بل نأمل أن تلعب المنظمة دورا إيجابيا بتقريب وجهات النظر بين روسيا وأوكرانيا , ومنصة للسلام دون الإنحياز لطرف على حساب طرف آخر. ونأمل أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمالي حلف الأطلسي , أن ليس من مصلحة أحد أن يخرج الدب الروسي مثخنا بالجروح العميقة والهزيمة والخذلان , ذلك أن الدب المجروح سيكون أكثرشراسة وخطرا على أمن العالم وسلامة دوله , إذ ليس لديه ما يخسره أكثر من منطلق عليّ وعلى أعدائي . وهنا نأمل أن تسود الحكمة ومنطق العقل لفض المنازعات والإبتعاد عن ليّ الأذرع كي ينعم الجميع بالأمن والسلام.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World