ويبقى الأمل يا عراق

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2022 / 2 / 17

وتبقى في حنايا الضلوع وحدقات العيون وشغاف القلب, يا عراق الخير والمجد والكرامة ونكران الذات , ستبقى قلوبنا عامرة بالأيمان والتفاؤل بالأمل بخلاصك من كل الأدران التي أصابتك من بعض شذاذ الآفاق في غفلة من الزمن, فاقدي الذمة والضمير وناكري النعمة التي أنعمت بها عليهم. ستنفض عن كاهلك غبارالذل والعبودية,وتنهض كالعنقاء من تحت الرماد ماردا جبارا تهز عروش الحكام الفاسدين الذين باعوا أنفسهم للأجنبي بثمن بخس على حساب وطنهم , الذي أشبعوه تقطيعا وتمزيقا تحت غطاء ديمقراطي زائف ودعاوى دينية واثنية وطائفية زائفة . وقد توهموا كثيرا حين ظنوا أن حراب الأجنبي ستحميهم من مصيرهم الأسود المحتوم . سيرحل أسيادهم الأجانب إن عاجلا أو آجلا وعندها ستتهاوى عروشهم الخاوية على رؤوسهم الفارغة . ولعل ما آل إليه حال حكام أفغانستان الذين نصبتهم الولايات المتحدة الأمريكية, بدعوى تجفيف منابع الإرهاب والذي ما زالت مخاطره قائمة في معظم دول العالم حتى يومنا هذا, بسبب السياسات الطائشة التي إعتمدتها الإدارات الأمريكية المختلفة وإفراطها الشديد بإستعمال القوة المفرطة ضد السكان المدنيين الذين يفترض إستمالتهم لها , وعدم قدرتها على التمييز بين خصومها وأنصارها من السكان المدنيين, وفشل الإدارات الفاسدة التي سلطتها على رقاب شعوبها , بعد غزوها أفغانستان في أعقاب أحداث الحادي عشر من تموزالدامية عام 2001 التي نفذها تنظيم "القاعدة" الإرهابي الذي كان يتخذ من أفغانستان قاعدة له , واستهدفت برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك ومبنى البنتاغون بالعاصمة واشنطن والتي راح ضحيتها آلاف الأمريكيين وسواهم .
وعندما وجدت الولايات المتحدة أن ساعة رحيلها قد أزفت ,بعد فشلها بإقامة نظام حكم رشيد قادر على بسط نفوذه وسيطرته على جميع أرجاء أفغانستان بعيدا عن سيطرة أمراء الحرب وقادة التنظيمات المسلحة والجماعات التكفيرية المتشددة , تركت هؤلاء الحكام تحت رحمة قوات حركة طالبان ذات النزعة الإسلامية المتشددة , معلنة عجز الولايات المتحدة الأمريكية التي غزت أفغانستان قبل أكثر من عقدين من الزمن ودعمتها قوات حلف شمال الأطلسي , عن السيطرة على أفغانستان بكل ما تملك من ترسانة أسلحة تدميرية هائلة , وهروب من تعاون معها بما فيهم حكومتها المهلهلة في حالة مزرية شهدها ملايين الناس في مطار كابول الدولي عبر شاشات التلفاز في ابشع عملية هروب جماعي خوفا من المجهول القادم, وبحثا عن ملاذات آمنة في بلاد الله الواسعة . فهل يا ترى سياخذ عبرة من ذلك, ممن نصبتهم الولايات المتحدة الأمريكية بغزوها الآخر الذي نفذته في العراق عام 2003 أي بعد نحو عام من غزوها أفغانستان , والنتائج في كلا البلدين تكاد تكون واحدة , فقر مدقع وفساد متفشي في كل مكان وحكومات ضعيفة يتحكم بها أمراء السلاح , وسوء إدارة وهدر ونهب للمال العام , وساحة لتصفيات حسابات قوى دولية وإقليمية لا مصلحة فيها للعراق , واوكار مخابرات وتجسس وعصابات مافيا المخدرات والجريمة المنظمة.
وكما حدث ويحدث مرارا وتكرارا في بلدان مختلفة , يرحل الغزاة لا محال طال الزمن أم قصر , ويتخلون كعادتهم عن أعوانهم دون مبالاة لمصيرهم الأسود المجهول, وتعود الأوطان لأهلها حرة كريمة ليقولوا كلمة الحق والقصاص العادل, بحق كل من فرط بشبر من أرض وطنه وهدر حق شعبه, وحرمه من العيش الكريم آمنا مطمئنا على حاضره ومستقبله , جاعلا نفسه مطية للأجنبي وخدمة مصالحه اللامشروعة . نقول بكل ثقة أن العراق سيعود ثانية, عراقا عزيزا كريما شامخا طال الزمن أم قصر , ينعم شعبه المعطاء بحياة حرة كريمة في وطنه , بعد أن أذاقه الأشرار كل صنوف الذل والعار في غفلة من الزمن, فلن يضيع حق وراءه مطالب, وكيف يضيع إذا كان المطالب شعب عريق مقدام ,مثل شعب العراق الذي لا يعرف المستحيل ولا يتردد أبدا في إنتزاع حقوقه من مغتصبيها.
لكن الحقوق لن تعود بمجرد التمني ودبج المقالات وإلقاء الخطب والمواعظ , بل بالنضال الدؤوب والعمل المنظم والقيادة الوطنية المخلصة المنبثقة من رحم جماهيرها ومعاناتها , والمدركة لمتطلبات المرحلة النضالية ومخاضاتها التي قد تكون عسيرة أحيانا, تتطلب المزيد من الصبر والتأني والحكمة وحسن تقدير الموقف, وعدم الإنجرار وراء المكاسب الانية أو الإصطفاف خلف قيادات, لا هم لها سوى ركب الموجات الإحتجاجية سعيا وراء السلطة ,كما حدث مرارا وتكرارا من بعض التنظيمات التي توصف بتنظيمات الحراك المدني . ولعل ما آل إليه الحراك الجماهيري الواسع الذي شهدته مدينة بغداد ومعظم مدن وسط العراق وجنوبه قبل مدة قصيرة فيما عرف يثورة تشرين , إلاّ خير شاهد ودليل على صحة ما نقول , حيث أفرغ هذا الحراك من مضمونه النضالي ,وعدم قدرته على تحقيق أية نتائج تذكر في المشهد السياسي العراقي, حيث ما زالت تتحكم به القوى والكتل السياسية الفاسدة ذاتها التي أفزها نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المعتمد في العراق منذ عام 2003, بتغيرات حصصها بحسب حجومها التي أفرزتها الإنتخابات الأخيرة التي كان يعول عليها البعض بأنها ستفضي إلى تغيرات جوهرية في المشهد السياسي العراقي , إذ ما زال الوضع السياسي على حاله , ذاك الطاس وذاك الحمام كما يقول المثل العراقي الدارج . وبرغم كل ذلك نقول لن تنطفئ جذوة الأمل في نفوس الخيرين بغد مشرق لعراق مزدهر قريبا إن شاء الله.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World