نحن من نصنع طغاتنا

ازهر عبدالله طوالبه
Azhertawalbeh@yaho.com

2022 / 2 / 2

قَد ذكّرني الفيس بوك، بمنشورٍ كُنتُ قَد نشرتهُ في نهايةِ عام 2013، حيث أنّهُ قد تناول وقوفي عند قول " هكذا تصّنعونَ طُغاتكم " وهو قولٌ للرئيس البوسني " عزت بجوفيتش " كان قَد قالهُ، ذات مرّة، حينَ حضرَ للمسجدِ مُتأخرًا، وفُتِحَت لهُ كُلّ المسارِب داخل المسجد ليصِل للصّفوف الأولى، ‏لأنّهُ اعتاد على الصلاة فيها. فما كانَ عليهِ إلّا أن يلتفَّ نحو جموع المُصلّين، ويقول لهُم القول المذكور آنفا . وهُنا، أي في هذا المقال، لستُ مُهتمًّا بالتأكُّد مِن صحّة القصّة ولا مِن موثوقيّتها، بقدَر ما أنا مُهتم بالوقوف عند الفكرة الرئيسيّة، والتي تأخذنا إلى منهجيّة وطرائق ‏صُنعِ الطُغاة والمُحافظة عليهم، حتى لو أنّ الحالة المأخوذة، هي حالة تستَحق أن نقِف عندها ونتناولها مِن أكثر مِن جانبٍ تحليليّ صافٍ، خالٍ مِن كُلّ القراءات اللاواعية.

إنّ هذا القول " هكذا تصّنعونَ طغاتكم" هو خير دليل على أنّ الطاغية مِن الإستحالة أن تزّداد سنوات ‏بقائه، إن لَم يكُ محروسًا بجيوشٍ مِن الأتباع، والمُضلَّلين في فهمهم لسركِ الطاغوتيّة . فاستمراريّة الرّقص الطّاغوتيّ على مسرحِ المُجتمعات، بمُختلفها، ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بامتلاء مقاعِد المسّرح بالمُشاهدين، الذين يهرعونَ للتصّفيقِ والتّهليل بعد كُلّ رقصةٍ يُنتهى منها.

فموجاتُ التّصفيق والتّهليل هاته، والتي تشّتَهر بها بُلداننا العربيّة، تمكّننا من القول بأنّهُ ثمّة جهدٌ يُكرِّسهُ الطاغية مِن أجلِ استغلالِ ما أُسمّيه أنا ب " بقوّة ضُعف أتّباعه/مُناصريه/ مؤيديه" . إذ أنّ هذا الاستغلال يُساعد، وبطريقةٍ أُعجوبيّة، على تنوّع أشكالِ الطُغيان للطاغية ‏وعلى أن يتنعّم في حدائقِ قوّته الطُغيانيّة، فضلًا عن تزويده بجيوشٍ مِن الأفكار التي تُغرَس في عقولِ الأتباع، والتي مفادها، أنّ الطُغيان هو السبيل الوحيد للحفاظِ على المُستقبل، وأيّ شيءٍ آخر مُخالف ومُناهض للطُغيان، ما هو إلا طريق للهلاك والضّياع.

سيقول البَعض، بأنَّ الطُّغاة هُم أكثَر الأشخاص الذينَ يتسيَّدونَ العالَم، وأنَّهُم مِن أصلَب النَّاس حينما يتولُّونَ الحُكم، وقد يعتَبِرهم بأنّ لاتّباعهم النّهج الطاغوتيّ، دورًا إيجابيًا على حياتهم ؛ حيثُ قد يؤخَذُه النّاس على أنَّهُ سببًا رئيسيًّا في نجاحهم . لكن، لا أدري كيفَ يفكِّرونَ هؤلاء الذينَ يؤمنونَ ب"الطّاغوتيّة" التي تُمارَس عليهم، وكيفَ لهُم أن يكونوا إنسانييونَ وهُم يوالونَ طُغاة، ويمهّدونَ لحُكّمهم، ويفرشونَ أمامَ سنوات حُكّمهم سجّادًا أحمرًا، لا يُجيد سوى خنقِ الحُريّات، وقتلِ الإنسانيّة في داخلِ كُلّ مَن يؤمِن بها . وإنَّني لأتساءل، أينَ هؤلاء عَن قول سيّدنا المسيح الذي يقول فيه " ماذا يفيد الإنسان لو أنَّهُ ربحَ العالم كُلّه وخَسِر نفسه؟! " .

إنَّ الحاكِم الذي لا يهمّه في حُكمه إلّا نشر الرُّعب والفزَع والخوف، وأن يُسيطر على جُغرافيّة وديمغرافيّة مَن يحكمهم مِن خلالِ إفشاءِ الظُلم، والتّرويج الباذِخ للحُكم العسّكرتاريّ بمنظوماته التي يشّتهيها، هو بكُلّ تأكيد لا يتعدّى حدود الحاكم الطاغية الضّعيف، وما مِن شيءٍ يدّعمه ‏سوى ضُعف أتباعه ومَن والاه مِن شعبه.

‏وعليه، فلا أعتقِد أنّ هُناكَ مَن يُخالفني الرأي، إن قُلت أنّ الطاغية رجلٌ ضعيفٌ في حُكمهِ وبُنيته وأساسه. فهو لا يؤسِّس قاعدة قويّة ومتينة لحُكمه، بقدَر ما يُحاول استغلال ضُعف أتباعه ومَن يقفونَ خلفه .
هذا القول يُدلِّل على أنّ إسقاط الطاغية هو بيدِ أتباعه الذين جُهّلوا.

ولذا، فإنَّ الخُطوة الأولى لإسقاطِ نظام الطاغية، هو أن يتجرّأ الأتباع على أن يثوروا على الضُّعف المُسيطِر عليهم، ومِن ثمَّ سيتمكّنون وبكُلّ بساطة، ودونَ أي تكّلُفة تُذكَر، من اجتثاث حُكم الطاغية، أي طاغيةٍ كان، وبهذا سيتمكّنون من استرداد حُريتهم.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World