رواية جان فالجان البغدادي ح المتحف البغدادي 2

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2021 / 10 / 27

لم تكن زيارة المتحف فرصة للتسلية على الاقل لي شخصيا فقد عرفت من صديقي أشياء لم ينطقها حكيم ولم ندرسها على مقاعد الدراسة، هوية أي مجتمع تنبع من طريقة فهمه للوجود، كلما فهمنا أكثر كلما دوننا من نطاق الحرية، صارحته ونحن نجول في سوق السراي حيث باعة الكتب أتمنى أن أستطيع جمع هذه الأكداس المتكدسة من الكتب في ساحة عامة وأوزع منها للناس على مقدار ما يفهمون من قيمتها لنكون مجتمع معياره كم قرأت إذا أنت موجود...
ضحك مني ومن فكرتي الساذجة هذه وقال:
_ لو كنا نعطي للكتاب قيمة الحذاء الذي نتفاخر به لما عرضت الكتب على الأرصفة وتحت غبار المارة ورحمة الشمس والمطر في الوقت التي تعرض الأحذية خلف معارض الزجاج خوفا عليها وإكراما لما تجود به من ربح..
_ لا يضر أن نفعل بالبضاعة ما يتلاءم مع ذوق الناس ولكن يبقى الكتاب مصدر وعينا ومنه نعيش.
_ السوق بزبائنه وسوق الكتاب ممتلئ بالألغام البشرية.
_ تعرف يا صديقي الحالم بأفلاطونية طفولية حينما تسير عكس الاتجاه الصحيح التي يقوله عقلك وأنت مصر على قرارك سوف يزعل العقل ويرميك في مستنقع لا خلاص منه إلا بالعودة من حيث أتيت ثم أطع ولا تناقش....
_ من يسمعك يقول أنك في محضر أجتماع حزبي.
_ أنا من حزب الجمال والجمال ليس وجه امرأة ولا جسد متناسق إنه أنت حين ترى الوجود بعين فاحصة حتى لو كانت وقحة معك... أحيانا وقاحة العيون تلزمك أن تعبث بما هو وهم أو ربما خطأ في تحديد الزوايا.
_ جميل أكمل..
_ وجميل أن نفهم أن ليس كل كلمة حادة ممكن أن تكون قبيحة..
_ نعم ... نعم.... كيف ذلك؟.
في ظل الزحمة تقاطعت كلماتنا وتشتت أفكارنا بين المتسوقين ومن يشق الطريق مستعجلا أو حاملا بضاعة، الكل هنا مشغول بشيء ما.. حتى أخواني الصغار صار هوسهم في البحث عن بضاعة يتمنون لو يحملوا منها أكياس فلم يتسنى لهم أن يروا كل هذا الكم من العرض الجميل .. دفاتر قرطاسية صور أشياء تذكارية نادرا ما نحصل عليها حتى نحن الكبار...
لم ألحظ أن صديقي الذي يتابع رغباتهم ويشتري البعض منها في غفلة منا حتى أنهينا الجولة وصار موعد الذهاب وإذا هو ينوء بحمل كيس فيه ما فيه.... تعجب كيف له غافلنا وتسوق كل هذا الكم دون أن نرى ما يفعل.
كنت أخمن في نفسي أن تصرف صديقي نابع من حرمانه من الأولاد فهو يمارس أبوة أفتراضية تعويضية، لذا قررت أن اسأله أثناء فترة تناولنا الغداء بعد قليل، كنت أظن أن سؤالي من النوع اللا مؤدب لو تم بشكل مباشر... حاولت أن أصرف النظر عنه... لكن هناك صوت داخلي يكبر في كل لحظة ... لماذا؟ كل هذا لأنه صديقي أو المبرر أكبر من ظنوني؟.
على طاولة مطعم شعبي في بداية شارع الرشيد من جهة الميدان جلسنا على طاولة رباعية... كان الأولاد فرحين جدا بما حصدوا اليوم من هدايا، والفرحة الأكبر أنهم ألتقوا بصديقي الذي سرق منهم حتى الإحساس بالزمن وقدم لهم نموذج للصديق حين يكون صادقا مه محيطه.
همس في أذني لئلا يسمع الأولاد حديثه... كانت لي بنت من زوجة أسبانية فقدتهما معا في حادث سير.... لا يعرف أحد هذه الحكاية ولا أريد أن يعلم بها أحد... حتى المسيو طارق... اليوم عدت سنسن للوراء وتذكرت شعباد أبنتي التي غيبها القدر ليعاقبني لأنني كنت سعيدا بها... كنت أسعد المخلوقات كلها... لا حدود لسعادتي مع تلك الأندلسية التي خرجت لي من بطن التأريخ لتحي في ذاتي كأسطورة من أساطير الوجود.... لا أعرف ماذا اقول ولكن قبلت التحدي مع القدر وسأهزمه عندما أرحل قريبا للقائهما....
_ سادت جو من الوجوم والصمت ولم أعد أطيق تناول الطعام... عرفت أن خلف هذا الكم من الهزار واللا جدية كم هائل أكبر من الحزن الكاتم على روح صديقي... عرفت أيضا أن كل ما تراه العين ليس بالضرورة هو الواقع... تحسست دمعات قلبه المتفطر ألما وأسى... وددت لو أني لم أفكر حتى في اللقاء به هذا اليوم فقد حطمت بيدي ذلك الخيال الجميل حينما أرى هاشم صديقي الذي لم أعرف رغم الشهور القصيرة الفائتة...
عاد مرة أخرى لطقوسه مفضلا أن يمسح جزء من إحساسي بالألم فقد أضحكه مشهد غريب لرجل مر من أمامنا بحمل خبزا بأكل ويغني المقام البغدادي... لم يكن الرجل مخبولا ولا جائعا لكنه يريد أن يقول للناس كلوا وأفرحوا فليس لنا في النهاية إلا الفراق.
تكلم معه ودس بجيبه مبلغ من المال... فزع الرجل الغريب من وضع المال وأخرجها ووضعها بكل أدب على الطاولة.. وأنصرف بهدوء..
قال للمرة الثانية أرى هذا الرجل ولا أعرف سره قد يكون ممن أدماه الزمن فحرمه من لذة العيش أن يكون كما يريد... سألت أحدا عنه قال لي هذا الرجل كان في يوم من الأيام "بيك" ....
_ وكفى؟؟
_ قال ذلك وكفى... إنه بقايا من عائلة بغدادية خدمت الناس فلاقت البأس منا.
_ عجيب...
_ ولم العجب فبغداد بين الجد والهزل تلعب بها بعض الأحيان مخلوقات تخرج من تحت الخرائب لتدمي قلوب وعقول أهلها..
_ فهمت لاحقا قصة هذا الرجل لم يكن إلا ضحية قرار سياسي من وضع لا سياسي أطاح بكبريائه فرض الإنصياع وها هو هائم بين أزقة شارع الرشيد يحمل خبزا ويغني.
لو كان لي مكان... لو نطق الزمان ... لو شرح الألم معناه ما بقي للظالمين صوت... ولا أمتلك أصحاب القوة مبرر لقتل الإنسان.. ما كان الزمان زماني ولا الأحلام تداعب أجفاني.... هكذا هي الحياة تمضي ولا يحتفل أحد بالنتيجة إلا من أمتلك روح صديقي وقلب يستبدل الدم بالحب ليحيا معذب من أجلهم.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World