التضخم في مصر وأسبابه الاخرى

احمد البهائي
f.mrahi@kpnplanet.nl

2021 / 10 / 13

أعلن الجهاز المركزي للتعبة العامة والإحصاء في مصر عن ارتفاع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بنسبة 8% لشهر سبتمبر 2021 مقابل 3.3% لنفس الشهر من العام السابق ، وأضاف الجهاز أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية قد ارتفع إلى 6.6% في سبتمبر من 5.7% في أغسطس ، وارتفع التضخم الأساسي بمصر إلى 4.8% في سبتمبر على أساس سنوي، من 4.5% في شهر أغسطس، بحسب بيانات للبنك المركزي المصري ، الذي اكد ان معدل التضخم السنوي لايزال عند النطاقه المستهدف الذي وضعه البنك وهو عند مستوى 7% (بزيادة أو نقصان2%).
على الرغم ما يقال ان التضخم في مصر مازال عند المستويات المطلوبة والتي حددتها السلطة النقدية والمالية المصرية ، إلا ان من يهبط الاسواق ويراقب حركة مستويات الاسعار خلال السنوات الخمس الماضية ، يعلم ان معدلات التضخم الحقيقية اعلى من الارقام المعلن عنها ، وذلك من خلال رصد التدهور الملحوظ والمستمر الذي يطرأ على القـوة الشرائية لوحده النقد ، حيث للوصول الى الارقام الصحيحة والحقيقية يتطلب ان تكون البيانات المقدمة دقيقية ونسبة الخطأ فيها متناهية للغاية ، وذلك بفضل امتلاك مجموعة فعالة من البرامج والادوات العلمية والتكنولوجية التي تساهم وتساعد على تقييم الوضع وتغير الاسعار في الاسواق بدقة ، وان تكون شاملة للحضر والريف على حدا سواء في مصر، فمعظم البيانات التي يتضمنها الرقم القياسي للاسعار في مصر، تكون قاصرة على عدد محدود من محافظات الجمهورية ، كما ان اقتصار العينة التي تشملها الأرقام القياسية على أنماط المستهلكين اغلبهم في الحضر عن الريف يقلل من أهميتها في عكس التغيرات في مستوى معيشة الأفراد ، كما إن الجهاز في مصر لا يقيس سوى أسعار نحو 1000 سلعة وخدمة فقط وهذا غير كاف للوصول الى رقم قياسي دقيق ، كما أن اعتماد الأجهزة الإحصائية في مصر على الأسعار الرسمية لمبيعات التجزئة عند إعداد الأرقام القياسية لا تعكس حقيقة الأرقام الفعلية، نتيجة انتـشار ظاهرة التعامل في السوق السوداء، وتحديد الأسعار في السوق وفقا لقوى العرض والطلب .
التضخم يعني وجود فجوة بين المعروض من السلع والخدمات والطلب الفعلي عليها ، وقد عرف الاقتصاديين التضخم على أنه الزيادة المستمرة في اسعار السلع والخدمات عندما يكون الطلب الكلى عليها أكبر من العرض الكلى ، بمعنى زيادة إضافية في الطلب لا يواكبها زيادة في إنتاج السلع والخدمات ، والنتيجة حدوث زيادة في الأسعار، وهذا يؤدي بدوره الى اختلال التوازن بين العرض والطلب ، مما يدفع بطريقة غير مباشرة الى اختلال التوازن بين خلق الأرصدة النقدية والتوسع في الاقتصاد ، وبالتالي الى حدوث توسع في المعروض النقدي بوتيرة أسرع في الاقتصاد، ينتج عن هذا ارتفاع مستويات التضخم ، فالتضخم دائما وابدا مرتبط بحدوث تطورات في عدد من المتغيرات الاقتصادية كالعرض المتاح والطلب الفعلي وكمية النقود المعروضة للتداول وأسعار الفائدة بالإضافة الى مستوى التشغيل في الجهاز الإنتاجي .
فحسب المفهوم في مصر لنظرية الاقتصادي جون مينارد كينز ،اتضح ان إذا ما ازدادت كمية النقود المعروضة للتداول تزداد حجم السيولة النقدية، التي يحتفظ بها الأشخاص نتيجة لانخفاض سعر الفائدة. وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الميل للاستهلاك، وانخفاض الميل للادخار. ومع انخفاض أسعار الفائدة وزيادة الميل للاستهلاك فإن المشروعات القائمة ترفع مستويات التشغيل، وتظهر استثمارات جديدة عندما يقوم رجال الاعمال بالحصول على قروض بأسعار فائدة منخفضة لتمويل مشروعات إنتاجية جديدة بسبب الميل للاستهلاك ،متناسين ،اولا، أن الزيادة في الطلب الفعلي نتيجة زيادة كمية النقود تسبق الزيادة في الإنتاج نتيجة الاستثمارات الجديدة وما تتطلبه من خفض في اسعار الفائدة ، ثانيا ،ان الأجهزة الإنتاجية والموارد الاقتصادية التي تمتلكها الدولة هى في الاصل في حالة توظيف كامل، حيث يؤدي حـدوث زيادة في حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات عن العرض الحقيقي منها، إلى ارتفاع المستوى العام للأسـعار، نظرا لعدم وجود موارد اقتصادية عاطلة يمكن استخدامها لمواجهة الزيادة في حجم الطلب على السلع، لأن الزيادة في الطلب الكلي لن يصاحبها زيادة في العرض الحقيقي من السلع والخدمات حيث عناصر الإنتاج تعمل بطاقتها القصوى وهذا هو السبب الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وحدوث التضخم ،ثالثا ،ان ما يحصل عليه رجال الاعمال من قروض باسعار منخفضة قد لا توجه في مجملها الى الانتاج السلعي لمواجهة الزيادة في الطلب بكل توجه الى قطاعات اخرى كالانشاء العقاري والخدمات السريعة ،اذن ، ما يحدث في مصر الأن من متغيرات إقتصادية ، أثبتت أن النظرية الكينزية التي احدثت نقلة نوعية كبيرة في تفسير التضخم وتحديد كيفية حدوثه ومعالجته تناولها بهذا المفهوم لا يمكن صحتها على الاقتصاد المصري ، حتى من جانب العلاقة بين التضخم والبطالة والتي هى في علاقة عكسية حسب كينز لا تنطبق كذلك على الإقتصاد المصري(كلما ارتفع معدل التضخم انخفض معدل البطالة والعكس صحيح)، فحسب كينز أن ارتفاع التضخم يرتبط بزيادة الطلب الفعلي وتجاوزه العرض المتحقق من السلع والخدمات والجهاز الإنتاجي في وضع تشغيل كامل، ومعروف أن حالة التشغيل الكامل تعني وصول معدل البطالة إلى حده الأدنى ، فالحالة المصرية خالفت توقعات كينز ، حتى من ناحية التضخم المنخفض أو حتي الانكماش .
فالمشكلة لا ترجع الى الإستيراد وإرتفاع تكلفته او إعتماده على العملة الصعبة كما يروج البعض هروبا من معرفة الاسباب الحقيقية ، بل في المقام الاول ترجع الى خلل في هيكل الإقتصاد الإنتاجي والعوامل الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة ، وعلى رأسها الإقتصاد الموازي والإحتكار والفساد " الإداري والتوزيعي والسوقي والتسويقي والرقابي "، وخلل الطبيعة الهيكلية للتخصص في إنتاج المواد الأولية، وجمود الجهاز المالي للحكومة، وضآلة مرونة عرض المنتجات الغذائية،كذلك الإختلالات الناجمة عن:* الزيادة في حجم السيولة المحلية بمعدلات تفوق الزيادة في الناتج القومي الحقيقي ، * الزيادة في حجم الاستهلاك النهائي على حساب تكوين المدخرات القومية التي توجه نحو الزيادة في حجم الاستثمارات في الاقتـصاد الكلي المصري ، * الزيادة في حجم الإنفاق الحكومي والذي يمول من خلال الاقتراض من الجهاز المصرفي والاعتماد على القروض التضخمية من الخارج مما يـساهم فـي تغذية الضغوط التضخمية ودفع مستويات الأسعار المحلية نحو الارتفاع ، كذلك الاختلال الناجم عن فجوة الموارد المحلية والتي تنشأ نتيجة الزيادة في حجم الاستثمارات المخططة عن الادخار المحقق ، ايضا الاختلال الناجم عن علاقة النمو بين قطاعات الاقتصاد القومي حيث الاهتمام بقطاعات كالعقارات والتوزيع والخدمات على حساب قطاعات اخرى اكثر اهمية وحيوية كالقطاعات السلعية والصناعات التحويلية وبالتالي حدوث انخفاضا فـي نـسبة مساهمتها في إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية،كذلك الاختلال في بنيان هيكل قطاع التجارة الخارجيةحيث اعتماد الاقتصاد على تصدير سلع نفطية محدودة وكميات محدودة من السلع الغذائية والحبوب ، وفي المقابل ارتفاع حجم الواردات سواء كانت سلعا جـاهزة أو مواد أولية، بالإضافة إلى الواردات من الآلات والتجهيزات ومعدات الإنتاج الصناعي والزراعي وغيرهـا ،بالاضافة الى عدم وجود سوق حقيقية وفعالة لتداول الأوراق المالية ، هدفها الاساسي خلق طرق ومجالات لزيادة المدخرات المحلية لتـوفير الموارد المالية التي تستلزمها المشروعات الاستثمارية من اجل تحقيق الاستقرار في مستويات الأسعار المحلية ، فضلاً عن قصور في طبيعة عملية التنمية الاقتصادية وما تولده من اختلالات مجتمعية كالطبقية والتمايز والفقر.
فالحالة التضخمية في المصرية تعدت التضخم العادي والتضخم المكبوت ، لتصبح تضخم مزمن ،وخير دليل ان حالة التضخم التي يعاني منها الاقتصاد المصري تجاوزت في مدتها 6 سنوات وما زالت أسعار السلع والخدمات تواصل إرتفاعها ، والقوة الشرائية للعملة النقدية في انخفاض مستمر ، فزيادة الأسعار تؤدي إلى إرتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة متسارعة ، وتزداد المشكلة تفاقما مع ثبات الاجور ، ويكون المتضرر من جراء ذلك أصحاب الدخول الثابتة ومحدودي الدخل واصحاب المعاشات، لأنهم سوف يشترون بدخلهم سلعاً وخدمات أقل من ذي قبل ، وبالتالي سيكون أثر ارتفاع الأسعار على المستهلكين سلبيا، حيث يحصلون على كميات أقل من السلع والخدمات بنفس المبلغ من الدخل النقدي الذي يحصلون عليه ، وبالتالي انخفاض مستمر في مستوى معيشتهم .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World