السلطة و الطائفة التي تشكل الأكثرية

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 9 / 27

.

فيما يلي محاولة أولية لتلمس إجابات على المسألة الطائفة الدينية أو العرقية و سلطة الحكم . من البديهي أن البحث لا يتناول من الطائفة جميع المسجلين في القيد الطائفي إلا الذين يتبوأون منهم مراكز زعامة رئيسية أو ثانوية ، وراثية أو مكتسبة ، سياسية أو إرشادية .بكلام آخر لست هنا بصدد مقاربة تداخل الحكم و الدين فيما بينهما و تأثيرهما في كينونة الدولة و لكني في سياق إنشاء برهان على استحالة قيام دولة و طنية تحت سلطة طائفة تمتلك أغلبية عددية حيث تتعدد الطوائف، انطلاقا من النموذج اللبناني الذي كشفت التجارب الذاتية و الضغوط الخارجية ، هشاشة بنيته ، و محدودية ديمومته . فمن نافلة القول أن نظام الطائفة الواحدة هو نظام يجسد غلبة هذه الطائفة الأخيرة على الطوائف الآخرى ما يعني ضمنيا عداوة مضمرة لدى هذه الأخيرة ضد السلطة ، في حين أن النظام الطائفي هو نظام محاصصة بين الطوائف على اساس وزنها العددي و أحيانا على اساس ميزان القوى الذي يتأثر بعوامل خارجية . لا يمكن في الحاتين النظر إلى دولة الطائفة أو دولة الطوائف كدولة وطنية تمثل أمة واحدة ، و أنما إلى مشروع دولة مصطنعة أو موقته .

أنتقل بعد هذه التوطئة إلى النموذج اللبناني تحديد ا ، حيث نرى بوضوح المصير الكارثي الذي آلت أليه دولة الطوائف في مراحل تفككها النهائي و انعكاس ذلك على اللبنانيين جميعا نتيجة تخلي هذه الأخيرة عن كل وظائفها أو معظمها التي تبرر بحسب مفهوم الدولة ، علِّة وجودها والغاية منه .

لقد مرت الدولة في لبنان في ثلاث مراحل توالت على حكمها الطائفة الواحدة . أمسكت الطائفة المارونية ( القصد هنا زعامتها ) بزمام السلطة ، فكانت الطائفة المهيمنة ، إستنادا إلى أنها الطائفة الأكثر عددا مقارنة بالطوائف الأخرى و إلى دعم من دولة الانتداب التي اورثتها بشكل من الاشكال هده السلطة عندما اعلن عن استقلال البلاد . لا نجازف بالكلام أن الخلخلة أصابت قواعد دولة الطائفة الأكبر بعد حوالي عشر سنين تقريبا ثم تفاقمت الأمور تدريجيا طيلة عقدين من الزمن أشتعلت أثناءهما حرب دموية و مدمرة في داخل البلاد ، أعقبها كما هو معروف غزو اسرائيلي بغرض تنصيب سلطة موالية . و لكن هذا لم يتحقق فكان الغزو و القتل و تجميع الناس في المخيمات والتعذيب و الإذلال العنصري ، دون مردود .

لا شك في أنه نجم عن الحرب الأهلية و احتلال القوات الإسرائيلية لمناطق واسعة في جنوب البلاد ، متغيرات و متبدلات كثيرة ، على الصعيد السياسي وفي اساليب ووسائل عيش اللبنانيين ، و لكن هذا الأمر ليس في صلب الموضوع هنا .ما أود قوله هو أن ارتباك السلطة المارونية و ضعفها وفر الظروف الملائمة لولادة سلطة الطائفة السنية أنطلاقا من فرضية أن الأكثرية صارت أسلامية ( سنة و شيعة ) ترافق ذلك مع استجرار أموال هائلة من المملكة السعودية ، وزعت كما هو معروف بسخاء غير محدود على أصحاب النفوذ من كل الطوائف ، و نال منها بالمناسبة قادة القوات السورية في لبنان نصيبهم .

مجمل القول ان السلطة في شبة الدولة اللبنانية آلت في سنوات 1980 إلى زعامة سنية ، على اساس أن المسلمين يشكلون الأكثرية و أن المملكة السعودية قدمت الأموال الطائلة إلى السنة من أجل دمج لبنان و سورية في الخطة الأميركية المعدة للشرق الأوسط الجديد . بكلام آخر كانت سلطة السنة في لبنان أداة للمملكة السعودية في خدمة المشروع الأميركي ، حتى سنة 2005 حيث و قع أغتيال زعيم هذه السلطة و مؤسسها السيد رفيق الحريري . خلاصة القول ، في إطار هذا البحث ، أن السلطة السنية لم تكن مختلفة جوهريا عن السلطة المارونية إلا بمرجعيتها ، حيث أن فرنسا كانت مرجعية الثانية في حين أن أميركا كانت مرجعية الأولى , و بالتالي لم تحقق تقدما نحو ترسيخ الدولة الوطنية اللبنانية .

الرأي عندي أن السلطة آلت بعد 2005 ، إلى حلفاء المرحوم رفيق الحريري من زعماء الشيعة الذين ورثوا في الواقع شبه دولة مهترئة إلى جانب مجتمع مدني تضرر كثيرا نتيجة بضعة العقود الماضية ( 1970 ـ 2005) فكريا و نفسيا ، حيث امّحى تقريبا من المخيال مفهوم الوطن و المواطنة ، و غلب سلوك النجاة بالذات كيفما أتفق على تصرف الفرد . قامت سلطة الشيعة على ركيزتين : الإعتداد بانهم يشكلون الطائفة الأكبر أضف إلى أنهم الاقوى نتيجة تصديهم للمحتلين في الجنوب و انضمامهم إلى محور تقوده ايران بما هو أفضل السبل للتصدي للخطة الأميركية في لبنان و سورية و العراق و ايران ( بين البحر المتوسط بحر قزوين ) .

من نافلة القول أن زعماء الشيعة سلكوا في ممارسة السلطة النهج الطائفي ذاته الذي سار فيه قبلهم زعماء الموارنة و السنة ، فزادوا الطين بلة ، كما تشهد الأوضاع في لبنان على ذلك و ليس من حاجة إلى أدلة و براهين . أن زعماء الطائفة في بلاد متعددة الطوائف ليسوا بناة دولة وطنية .










https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World